نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل تملك الحكومة حق تسليم اسرائيل رفات يهود لبنانيين قتلوا خلال الحرب؟ - تواصل نيوز, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 05:39 صباحاً
أعاد كلام القاضي جان طنوس على رفات اليهود اللبنانيين الذين خُطفوا أو فُقدوا خلال الحرب الأهلية فتح نقاش قانوني وإنساني يتجاوز حدود المفاوضات اللبنانية–الإسرائيلية الحالية.
فقد كتب طنوس: "لا تملك الحكومة اللبنانية حق التصرّف برفات اليهود اللبنانيين الذين خُطفوا خلال الحرب، أو جعله موضوعاً للتفاوض مع إسرائيل، التي لا تملك بدورها أي حق في مطالبة لبنان بتسليمها رفات مواطنين لبنانيين لمجرد انتمائهم إلى الطائفة اليهودية".
فالسؤال لم يعد فقط ماذا تريد إسرائيل من لبنان؟ ولا ماذا يمكن أن تحصل عليه بيروت في المقابل؟ بل من يملك أصلاً حق تقرير مصير رفات مواطنين لبنانيين قضوا أو اختفوا على الأراضي اللبنانية؟
المسألة اكتسبت أهمية خاصة بعدما أدرجت إسرائيل ملف رفات شخصيات من الطائفة اليهودية اللبنانية في المفاوضات مع لبنان، وربطت مساعدتها في الإفراج عن خمسة لبنانيين بجهود البحث عن رفات قادة يهود لبنانيين خُطفوا وقُتلوا في ثمانينيات القرن الماضي. وأعلنت إسرائيل أن لبنان وإسرائيل نفذا خلال الأشهر الماضية جهوداً وعمليات للبحث عن هذا الرفات.
هنا يأتي قانون المفقودين والمخفيين قسراً الرقم 105 ليضع الملف في إطار مختلف. فالقانون لا يميز بين الضحايا على أساس الدين أو المعتقد أو الأصل القومي، بل يكرّس لأفراد عائلات المفقودين الحق في معرفة مصير ذويهم، ومعرفة مكان وجود رفاتهم وتسلّمه. والأهم أن المادة 30 تنص على أن الهيئة الوطنية، بعد تحديد هوية الرفات، تسلّمه إلى أفراد أسرة المتوفى وتوفر الدعم اللازم لإعادة دفنه.
من هنا تبدو أهمية كلام طنوس. فالمفقود اللبناني اليهودي لا يفقد لبنانيته بسبب ديانته، كما أن رفات المواطن اللبناني لا يتحول إلى ملك لدولة أخرى لمجرد أن إسرائيل تعتبر صاحبه جزءاً من تاريخ الطائفة اليهودية، أو لأن بعض أفراد عائلته قد يكونون موجودين في إسرائيل.
بل إن المادة الرابعة من القانون أكثر وضوحاً، إذ تلزم السلطات المختصة ضمان حقوق عائلات المفقودين من دون التمييز على أساس الدين أو الأصل القومي أو الانتماء إلى أقلية أو أي وضع تمييزي آخر. والهيئة الوطنية نفسها تؤكد أن ولايتها إنسانية وتقوم على معالجة قضية المفقودين والمخفيين قسراً من دون تمييز.
لكن التدقيق ضروري في نقطة أخرى. فالقانون لا يمنع الدولة اللبنانية من التعاون مع دولة أخرى في البحث عن المفقودين أو تبادل المعلومات، ولا ينص حرفياً على منع الحكومة من مناقشة الملف في مفاوضات دولية. وبالتالي فإن المشكلة ليست في التفاوض على كشف الحقيقة أو الحصول على معلومات، بل في أن يتحول هذا التعاون إلى حق للدولة في التصرف بالرفات أو نقله أو تسليمه كجزء من صفقة سياسية، متجاوزة أصحاب الحق الذين حددهم القانون.
وهنا تحديداً يصبح الفصل بين المسارين ضرورياً. يمكن الدولة أن تبحث، ويمكنها أن تتعاون، ويمكنها أن تحصل على معلومات تساعد في تحديد مصير المفقودين. ولكن بعد العثور على الرفات وتحديد هويته، لا تكون الحكومة صاحبة الحق فيه. القانون وضع آلية واضحة تبدأ بالهيئة الوطنية وتنتهي بتسليم الرفات إلى أفراد الأسرة لإعادة دفنه.
من مواطنين لبنانيين إلى "رفات إسرائيلي"؟
الأخطر في الملف هو أن يتحول الانتماء الديني للضحايا إلى وسيلة لإعادة تعريفهم بعد وفاتهم. هؤلاء كانوا جزءاً من المجتمع اللبناني، وكانوا مواطنين لبنانيين من طائفة معترف بها في لبنان. وما تعرضوا له من خطف أو قتل أو إخفاء خلال الحرب لا يسقط هذه الصفة.
لذلك، فإن حق إسرائيل في الاهتمام بمصير أفراد الطائفة اليهودية اللبنانية لا يعني تلقائياً حقها في امتلاك رفاتهم أو المطالبة بنقله. وإذا كانت هناك عائلات لبنانية صاحبة حق، فالقانون اللبناني هو الذي يحدد مسار الرفات، لا ميزان المفاوضات السياسية.
وبهذا المعنى، فإن كلام طنوس يصيب جوهر القضية: الرفات ليس ملك الحكومة اللبنانية كي تتنازل عنه، ولا ملك إسرائيل كي تطالب به. إنه جزء من قضية مفقودين لبنانيين، والحق الأساسي فيها يعود إلى عائلاتهم وفق القانون.
أما تحويل هذا الملف إلى بند في صفقة بين بيروت وتل أبيب، فيحتاج قبل أي شيء إلى جواب واضح عن سؤال قانوني بسيط: هل يجوز للدولة أن تفاوض على شيء لا تملكه؟













0 تعليق