السعودية في عيدها الوطني... تاريخ من التكيف والاستمرارية - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السعودية في عيدها الوطني... تاريخ من التكيف والاستمرارية - تواصل نيوز, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 02:59 مساءً

فيصل أبوزكي

 

يأتي اليوم الوطني السعودي هذا العام في ظرف مختلف. حرب إيران والاضطرابات الواسعة في المنطقة وضعت دول الخليج أمام تحديات اقتصادية وأمنية ولوجستية مباشرة، وأثرت في حركة التجارة والطاقة والاستثمار. والسعودية ليست خارج هذه التداعيات، ولا يمكن لاقتصاد بحجم اقتصادها وموقعها في أسواق الطاقة وفي قلب المنطقة أن يكون بمنأى عنها.

وقد انعكست الحرب على صادرات النفط وحركة التجارة والنشاط غير النفطي. صندوق النقد الدولي خفّض توقعاته لنمو الاقتصاد السعودي ولكافة اقتصادات المنطقة، مشيراً في الوقت نفسه إلى أن الاقتصاد السعودي أظهر قدرة على التعامل مع الصدمة مستفيداً من مرتكزاته المالية القوية وتنوع منافذ تصدير النفط وقدراته اللوجستية.

لكن النظر إلى السعودية من زاوية هذه الأزمة وحدها يفوّت جزءاً كبيراً من الصورة. فالدول الكبيرة لا تتحدد قدرتها بما تواجهه في سنة واحدة، وإنما بما راكمته على مدى عقود، وبقدرتها على تعديل أدواتها عندما تتغير الظروف من دون أن تفقد اتجاهها الأساسي. وهذه ربما إحدى أهم دلالات التجربة السعودية في يومها الوطني.

 

تاريخ من التكيف

لم تكن مسيرة السعودية خلال العقود الماضية خطاً مستقيماً من النمو. مرت المملكة بفترات من الانخفاض الحاد في أسعار النفط، والحروب إقليمية، والإرهاب، والأزمة المالية العالمية، ثم جائحة كورونا، وصولاً إلى الاضطرابات الحالية.

وفي كل واحدة من هذه المراحل ظهرت تحديات مختلفة أمام الدولة والاقتصاد. بعضها فرض خفض الإنفاق، وبعضها استدعى إعادة ترتيب السياسات الاقتصادية، وبعضها غيّر الحسابات الأمنية والإقليمية. لكن ما استمر هو القدرة على إعادة التموضع والتعامل مع المتغيرات من دون فقدان الاتجاه الطويل للدولة.

وتنبع هذه القدرة من مرتكزات يصعب اختصارها في النفط وحده. هناك دولة متماسكة، ومؤسسات راكمت خبرة طويلة في إدارة الأزمات، وقدرات مالية واستثمارية كبيرة، وعلاقات دولية واسعة، وموقع جغرافي واقتصادي يمنح السعودية أهمية تتجاوز حجم إنتاجها النفطي.

كذلك، فإن المملكة لم تعتمد تاريخياً على أداة واحدة في التعامل مع التحولات؛ فهي تعدّل الإنفاق وفق الظروف، وتعيد ترتيب أولويات الاستثمار، وتغيّر أدواتها الاقتصادية، وتتحرك سياسياً وفق التحولات في البيئة الإقليمية والدولية. هذه القدرة لا تمنع الخسائر ولا تلغي كلفة الأزمات، لكنها تقلّل احتمال أن تتحول كل أزمة إلى تغيير كامل في الاتجاه.

ولهذا، فإن الأثر الذي تتركه الحرب على الاقتصاد السعودي لا يشكل وحده المعيار الأهم. الأثر موجود بالفعل، لكن الأهم هو مقدار ما تغير داخل السعودية خلال السنوات الماضية، ومدى قدرة ما تحقق على الصمود أمام صدمة بهذا الحجم.

 

التحول أصبح واقعاً

من السهل التعامل مع رؤية 2030 باعتبارها مجموعة أهداف وخطط ومشاريع مرتبطة بتاريخ محدد. لكن ما جرى خلال العقد الماضي تجاوز ذلك.

ظهرت قطاعات اقتصادية جديدة، وزاد حضور السياحة والترفيه والخدمات والتقنية والصناعات الجديدة، واتسعت قاعدة الاستثمار المحلي والأجنبي، وأصبح صندوق الاستثمارات العامة لاعباً مركزياً في الاستثمار داخل المملكة وخارجها.

وتغيرت أيضاً سوق العمل، وارتفعت مشاركة السعوديين في أنشطة لم تكن تستقطب الأعداد نفسها، كما أصبح القطاع الخاص جزءاً أكبر من مشاريع التنمية والاستثمار.

لكن الأهم أن التحول بدأ ينتج مصالح اقتصادية واجتماعية مرتبطة باستمراره. هناك شركات بنت أعمالاً في قطاعات جديدة، ومستثمرون ربطوا رؤوس أموالهم بها، وسعوديون بنوا مساراتهم المهنية فيها. وحين ينتج الإصلاح شركات ووظائف واستثمارات وخبرات ومصالح واسعة، يصبح جزءاً من بنية الاقتصاد والمجتمع.

قد يتغير الجدول الزمني لبعض المشاريع، وبعضها قد يعاد ترتيب أولوياته، كما أن الإنفاق العام لا يستطيع أن يستمر بمعزل عن الموارد والظروف الاقتصادية. لكن هذا يختلف كثيراً عن عكس الاتجاه الذي بدأ قبل سنوات.

فالتحول الاقتصادي أصبح مرتبطاً بمصالح واستثمارات وتطلعات تدفع باتجاه استمراره. ولهذا قد تتغير سرعة المسار، من دون أن يتغير اتجاهه.

 

الحرب تبرز أهمية ما تم بناؤه

المفارقة أن حرب إيران نفسها تعطي مثالاً عملياً على أهمية جزء من الاستثمارات التي قامت بها السعودية خلال عقود.

إغلاق أو اضطراب الملاحة في مضيق هرمز كان سيشكل في ظروف أخرى تهديداً أكبر بكثير لصادرات النفط. وجود خط أنابيب شرق–غرب وميناء ينبع على البحر الأحمر وفر طريقاً بديلاً لنقل ملايين البراميل.

وعندما تعرض الخط نفسه لهجمات في سبتمبر، تحركت أرامكو مجدداً لإعادة توزيع الصادرات عبر موانئ الخليج ومسارات أخرى، قبل استئناف تشغيل خط شرق–غرب تدريجياً. وأظهرت هذه التطورات أن البدائل لا تلغي المخاطر، لكنها توفر للدولة خيارات أوسع عندما تتعرض إحدى القنوات للاضطراب.

وهذا ربما هو المعنى الأكثر عملية للمرونة الاقتصادية. فالتنويع السعودي لا يتعلق حصراً بتقليل حصة النفط في الناتج المحلي، وإنماً بالموانئ ومسارات التصدير ومصادر الدخل والاستثمارات والعلاقات الاقتصادية والقدرات التي تستطيع الدولة استخدامها عندما تتغير البيئة المحيطة بها.

 

مجتمع تغير أيضاً

ربما يكون التحول الاجتماعي أحد الجوانب الأقل حضوراً عند الحديث عن قدرة السعودية على الاستمرار.

خلال السنوات الماضية دخل جيل جديد من السعوديين إلى سوق العمل في بيئة مختلفة تماماً عن تلك التي عرفتها أجيال سابقة. توسعت مشاركة النساء، وبرزت ريادة الأعمال، ونمت قطاعات جديدة في التقنية والسياحة والترفيه والخدمات والصناعة.

هذا الجيل لم يعد ينتظر فقط ما تقوم به الدولة. كثير من أفراده أصبحوا جزءاً من الشركات والمشاريع والاستثمارات التي تقود التحول، وأصبحت خبراتهم ومصالحهم المهنية مرتبطة باستمرار هذه القطاعات ونموها.

وتغيرت التوقعات أيضاً. السعوديون اليوم يريدون اقتصاداً يوفر فرصاً أوسع، وقطاعاً خاصاً أكثر قدرة، ومدناً وخدمات أفضل، ومكاناً أكبر للمملكة في الاقتصاد العالمي. وهذه التوقعات أصبحت جزءاً من التحول نفسه، وكلما اتسعت مشاركة المجتمع في الاقتصاد، أصبح استمرار الإصلاح أكثر ارتباطاً بالطلب الداخلي على الفرص والنمو.

 

السعودية في معادلة المنطقة

ستكون المنطقة التي ستخرج من حرب إيران مختلفة على الأرجح عما كانت قبلها. ستعاد مناقشة أمن الخليج، وطرق التجارة والطاقة والممرات الرقمية، والعلاقات بين دول المنطقة، وربما شكل الترتيبات الأمنية والاقتصادية لسنوات مقبلة.

وسيكون من الصعب تجاوز السعودية في هذه الملفات.

ليس ذلك حكماً على كيفية تطور الأحداث، وإنما نتيجة مباشرة لحجم الاقتصاد السعودي، وموقع المملكة في أسواق الطاقة، وقدرتها الاستثمارية، وموقعها الجغرافي، وثقلها السياسي العربي والإسلامي والدولي.

وتأتي أهمية الدور السعودي من اجتماع هذه العناصر. وهذا يمنح المملكة هامشاً واسعاً للحركة في بيئة إقليمية ودولية سريعة التغير.

ومن هنا يصبح دور السعودية مرتبطاً بما هو أكبر من إدارة تداعيات حرب قائمة. المسألة تتصل أيضاً بموقعها في صياغة ما سيأتي بعدها، وبقدرتها على تحويل ثقلها الاقتصادي والسياسي إلى عنصر في بناء ترتيبات أكثر استقراراً في المنطقة.

 

اتجاه أبعد من الأزمة

اليوم الوطني مناسبة للنظر إلى ما تم تحقيقه، لكنه يمكن أن يكون أيضاً مناسبة للنظر إلى ما يجعل دولة ما قادرة على التكيف عندما تصبح الظروف أكثر صعوبة.

السعودية لا تواجه اليوم ظرفاً سهلاً، وقد تفرض التطورات إعادة ترتيب الأولويات والجداول الزمنية لبعض المشاريع. لكن السعودية التي تواجه هذه التحديات ليست السعودية نفسها التي واجهت أزمات النفط والحروب الإقليمية قبل عقود.

أصبحت قاعدة الاقتصاد أوسع وأكثر تنوعاً، والقدرة الاستثمارية أكبر، والمجتمع أكثر انخراطاً في النشاط الاقتصادي، والدولة أكثر وضوحاً في تحديد ما تريد الوصول إليه.  

قوة السعودية ليست في أنها لا تواجه الأزمات، وإنما في أنها بنت على مدى تاريخها قدرة على التعامل والتكيف معها، وإعادة ترتيب الأولويات والاستعداد لما يليها.  

ولهذا، فإن حرباً أو أزمة أو دورة اقتصادية يمكن أن تغير الحسابات، وتبطئ بعض المشاريع، وتفرض أولويات جديدة. لكنها تواجه في كل مرة دولة تنطلق من قاعدة أكثر رسوخاً وقدرة على التكيف

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق