نحن نطرد أطباءنا! - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نحن نطرد أطباءنا! - تواصل نيوز, اليوم الخميس 24 سبتمبر 2026 03:05 مساءً

«عليا الطلاق بابا عايش!».. هكذا كان رد ابن مريض على طبيب أخبره بوفاة والده. الطبيب قال: «البقاء لله.. والدك توفاه الله»، لكن الابن لم يصدق، وأغلق الباب في وجهه. قد تبدو الواقعة مجرد مشادة داخل مستشفى، لكنها تختصر مأساة أكبر: طبيب يتعامل مع الموت كل يوم، ثم يجد نفسه مضطرًا للدفاع عن كرامته وتشخيصه، وكأنه متهم وليس صاحب مهنة يفترض أن نحميها ونحترمها.


هذه الحكاية يرويها طبيب مصري يعمل في إنجلترا منذ يناير 2020. يقول إنه طوال سنوات عمله هناك في أقسام الطوارئ لم يتعرض للإهانة أو الاعتداء، ويعمل ويحصل على حقوقه ويستطيع أن يعود إلى بيته ويرى أبناءه. ثم يقارن ذلك بما عاشه في مصر، حيث يحكي عن أطباء بالكاد كانوا يرون بيوتهم، وعن طبيب ترك عمله كمعيد في قصر العيني بعدما أصبحت ابنته لا تتذكر شكله.


وهنا لا تعود القضية مجرد حكاية طبيب قرر السفر.. وإنما تصبح سؤالًا مخيفًا: لماذا أصبح الطبيب المصري يجد كرامته خارج بلده، بينما يجد داخل مستشفياته ضغطًا وإهانة وخوفًا وإرهاقًا لا ينتهي؟


الأرقام تكشف حجم الكارثة. بيانات نقابة الأطباء تشير إلى استقالة 11 ألفًا و536 طبيبًا من العمل الحكومي خلال الفترة من بداية 2019 وحتى 20 مارس 2022. أكثر من أحد عشر ألف طبيب خلال ثلاث سنوات! وهذا الرقم لا ينبغي أن نقرأه باعتباره عددًا من الموظفين الذين غادروا وظائفهم، لأن كل طبيب من هؤلاء كان جزءًا من مستشفى، وقسم، وطوارئ، وعناية مركزة، وغرفة عمليات.


وهنا تحديدًا تبدأ الحكاية الأخطر: رحيل الطبيب لا ينتهي عند باب المستشفى.. بل يبدأ منه انهيار الخدمة. حين يرحل طبيب، يتحمل زملاؤه عبء غيابه. وحين يرحل عدد أكبر، يصبح الطبيب الموجود مطالبًا بأن يعمل ساعات أطول ويتعامل مع مرضى أكثر، فيزداد الإرهاق ويقل الوقت المتاح لكل مريض. ثم تزداد الضغوط والمشكلات، وقد تتراجع الخدمة، ويزداد غضب المرضى، ويصبح الطبيب أكثر تعرضًا للصدام والإهانة.. فيقرر طبيب آخر أن يرحل.


وهكذا ندخل في الدائرة الجهنمية: طبيب يرحل، فيزداد العجز.. والعجز يزيد الضغط.. والضغط يدفع طبيبًا آخر إلى الرحيل.. فتزداد المستشفى عجزًا.


نحن لا نعاني فقط من هجرة الأطباء.. نحن نصنع داخل المستشفيات بيئة تدفع من تبقى إلى الهجرة أيضًا. والأغرب أن التعامل مع القضية لا يزال في كثير من الأحيان وكأن الطبيب موظف عادي يمكن استبداله بجملة «اللي عاوز يمشي يمشي.. فيه غيره». نعم.. هناك غيره. لكن «غيره» أيضًا يمشي!


والطبيب ليس كرسيًا شاغرًا نعلن عن مسابقة لشغله. إنه سنوات من الدراسة والتدريب والخبرة، واستثمار ضخم أنفقته الدولة والمجتمع حتى أصبح قادرًا على إنقاذ حياة إنسان. وعندما يرحل، لا نخسر راتبه ولا وظيفته فقط؛ نخسر سنوات من الخبرة، ونترك مكانه فراغًا لا تسده لافتة جديدة ولا جهاز جديد.


نحن ببساطة نفعل شيئًا شديد الغرابة: نعلّم الطبيب، ندربه، ننفق عليه، ثم نترك دولًا أخرى تستفيد من الطبيب الذي صنعناه. ثم نغضب عندما نراه في الخارج! والأكثر ظلمًا أن نختصر أسباب الرحيل في المال. الطبيب لا يقول إنه يريد مليون جنيه في الشهر. هو يقول بوضوح: «إحنا مش عاوزين حاجة.. بس عاوزين بلدنا تعاملنا باحترام».


يريد أن يعمل دون أن يخاف من الاعتداء عليه. يريد نظامًا يحميه. يريد وقتًا يستطيع فيه أن يرى أبناءه. يريد أن يعرف أن سنوات عمره التي قضاها في كلية الطب والتدريب والسهر في المستشفيات لها قيمة في وطنه. وهذا ليس ترفًا. لأن الطبيب المرهق ليس آلة، والطبيب الخائف ليس آلة، والطبيب الذي يعمل فوق طاقته ليس آلة. وفي النهاية المريض هو أول من يدفع ثمن هذا الاستنزاف.


وعندما يقل عدد الأطباء، لا تتوقف المستشفى في اليوم التالي، ولا تسقط جدرانها، ولا تنطفئ أجهزتها. الانهيار يكون أكثر خبثًا من ذلك: مواعيد تتأخر، أقسام تعمل بأقل من طاقتها، طبيب واحد يتحمل ما يفترض أن يتحمله ثلاثة، مرضى ينتظرون، أطباء ينهكون، وأخطاء محتملة تزداد مع الضغط. ثم نقول: الخدمة الصحية تحتاج إلى تطوير.
أي تطوير هذا ونحن نفرغ المستشفيات من أهم عنصر فيها؟


يمكن أن نبني ألف مستشفى، ونشتري أحدث الأجهزة، ونفتتح عشرات الأقسام، لكن كل هذه الإنجازات تتحول إلى ديكور باهظ الثمن إذا لم يكن لدينا الطبيب الذي يشغلها. المستشفى ليست مبنى. المستشفى طبيب يقف أمام المريض في اللحظة التي لا يملك فيها المريض سوى أن يثق به.
 

والطبيب المصري موجود بالفعل.. لكنه يعالج في لندن، ويعمل في الخليج، ويبحث عن المكان الذي يحترم علمه ويحميه ويمنحه حياة يمكن احتمالها. وهنا المفارقة التي يجب أن تخيفنا: نحن لا نخسر أطباءنا لصالح دول أخرى فقط.. نحن نخسر قدرتنا على تشغيل مستشفياتنا بكفاءة.

فكل طبيب يخرج من المنظومة يترك فراغًا، وكل فراغ يضاعف الحمل على من بقي، وكل حمل زائد قد يدفع طبيبًا جديدًا إلى الباب. إلى أن نصل إلى اليوم الذي تكون فيه لدينا مستشفيات حديثة، وأجهزة باهظة، وأسرة جاهزة، ومبانٍ ضخمة.. لكن عدد الأطباء لا يكفي لتشغيلها. عندها لن يكون السؤال: لماذا هاجر الأطباء؟ السؤال الذي سيؤلمنا أكثر هو: من الذي ترك مستشفياتنا بلا أطبائها؟ والإجابة ستكون قاسية جدًا..

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق