نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الاستعلاء بالوظيفة والتدين.. حين تُقدَّم المصلحة الشخصية على المصلحة العامة - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 08:35 صباحاً
أخطر الفساد ليس أن تسرق مالاً، بل أن تسرق باسم الدين والوطن والوظيفة، ثم تُقنع نفسك والناس أنك تفعل ذلك من أجلهم. وأخطر الاستعلاء أن تتحول النعمة إلى وهم تفوق، فيرى صاحب المنصب نفسه فوق الناس، وصاحب التدين أصفى منهم، وصاحب الوطنية أحق منهم بالوطن.
من هنا تكتسب كلمة الرئيس عبد الفتاح السيسي، حين حذّر من الاستعلاء بالوظيفة أو المنصب، والاستعلاء بالدين أو الاستقامة، دلالتها الأخلاقية العميقة، إذ قال: «انتبهوا جميعًا من الاستعلاء بالوظيفة أو بالدين أو بالاستقامة، لأن ده بيكون خطر على صاحبه»، ثم جاء التحذير الأشد وضوحًا: «أوعى تشوف نفسك أحسن من غيرك.. اللي هيحكم في الحكاية دي هو ربنا يوم القيامة، مش إحنا».
هذه ليست مسألة منصب فحسب، ولا حديثًا عن فئة بعينها، إنها محنة إنسانية تبدأ في اللحظة التي ينسى فيها المرء أن ما بين يديه أمانة، لا امتيازًا، وأن المكانة اختبار وليست شهادة تفوق.
فالوظيفة التي خُلقت لخدمة الناس قد تتحول، إذا غاب الضمير، إلى وسيلة للمحاباة والنفوذ وتحقيق المصالح، وقد يصبح المنصب حجابًا يحجب صاحبه عن رؤية الناس كما هم، ويجعله يرى نفسه كما يحب أن يراها.
والأخطر حين يدخل الدين إلى هذه المعادلة، فالتدين في جوهره خشوع ومسؤولية ومحاسبة للنفس، لا منصة لإدانة الآخرين.
ولذلك يقول القرآن الكريم: ﴿فَلَا تُزَكُّوا أَنفُسَكُمْ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اتَّقَى﴾، فالتقوى ليست مظهرًا يُرفع في وجه الناس، ولا بطاقة تمنح صاحبها حق التعالي عليهم.
ولعل أبلغ ما يضع هذا الداء في موضعه قول النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «لا يدخل الجنة من كان في قلبه مثقال ذرة من كِبر»، وحين سُئل عن معنى الكبر بيّنه بقوله: «الكِبر بَطَرُ الحق وغَمْطُ الناس».
وهنا تتكشف الحقيقة: فليست المشكلة في منصبٍ يعلو، ولا في مظهر تدينٍ يَظهر، وإنما في قلبٍ يرى نفسه فوق الناس، فيرد الحق إذا خالف هواه، ويحتقر الآخرين إذا لم يبلغوا منزلته المتوهمة. ومن هنا يصبح الاستعلاء بالسلطة أو بالتدين خطرًا على صاحبه قبل أن يكون خطرًا على غيره.
وهكذا حذّر النبي صلى الله عليه وآله وسلم من الكِبر، وبيّن أن حقيقته ليست في الهيئة والمال، وإنما في رد الحق واحتقار الناس.ومن أخطر صور الخداع أن يستخدم الإنسان استقامته الظاهرة لإخفاء انحراف غايته، فيصبح الدين ستارًا للمصلحة، والوطنية غطاءً للنفوذ، والمنصب حصانةً من النقد.
وهنا يتحول الإنسان من مجرد مخطئ إلى شخص يصعب عليه اكتشاف خطئه، لأنه لا يبرره لنفسه بعبارات المصلحة الشخصية، وإنما يكسوه بألفاظ أكبر منه: الدين، والوطن، والمصلحة العامة وهذه هي لحظة «خداع النفس» قبل خداع الآخرين.
ومن الناحية النفسية، فإن السلطة الطويلة بلا مراجعة قد تصنع مسافة بين الإنسان ومن حوله، وتغريه بتصديق صورته التي يصنعها المادحون عنه. ومع تكرار التصفيق، قد يصبح النقد في نظره إساءة، والنصيحة خصومة، والاعتراض مؤامرة.
وحينها لا يعود الخطر في السلطة ذاتها، وإنما في الوهم الذي يصاحبها: وهم أن صاحبها لا يخطئ، وأن موقعه دليل على فضله، وأن من دونه أقل منه شأنًا.
وقد عبّر الإمام علي بن أبي طالب عليه السلام عن جوهر هذا المعنى في قوله: «من نصب نفسه للناس إمامًا فليبدأ بتعليم نفسه قبل تعليم غيره». فالبداية دائمًا من الداخل، من محاسبة النفس قبل محاسبة الناس، ومن سؤال الضمير قبل سؤال الآخرين: لماذا أفعل هذا؟ ولمن؟ وهل كنت سأفعله لو لم تكن لي سلطة أو مصلحة أو جمهور يصفق لي؟ أما الوطنية الحقيقية فلا تحتاج إلى متاجرة، ولا إلى شعارات تُرفع.
حب الوطن عملٌ وأمانة وإتقان ونزاهة، وليس ادعاءً يمنح صاحبه حصانة أخلاقية. ومن يحب وطنه حقًا لا يجعله سلّمًا لمصلحته، ولا يجعل اسمه سيفًا على رقاب الناس، ولا يطلب من الآخرين أن يصدقوا وطنيته بينما أفعاله تقول شيئًا آخر.
ومع ذلك، فإن الحديث عن هذه النماذج لا ينبغي أن يقودنا إلى سوء الظن بالجميع. فالمجتمع لا يُختزل في أصحاب الأصوات الأعلى، ولا في من يسيئون استخدام مواقعهم، ولا في من يتاجرون بالدين أو الوطنية. هؤلاء، مهما بدا حضورهم صاخبًا، لا يمثلون الناس جميعًا، فالخير باقٍ، والضمير الحي باقٍ، وفي هذه الأمة من يحمل الأمانة بصمت، ويخدم الناس دون منّة، ويتدين دون أن يحتقر، ويحب وطنه دون أن يتخذه ستارًا لمصلحته.
ولذلك فإن النصيحة الأهم ليست فقط أن نحذر من هؤلاء، بل أن نحذر من أن نصير مثلهم، أن يسأل كل صاحب مسؤولية نفسه قبل أن يسأله الآخرون: هل خدم المنصب أم خدمته الوظيفة؟ هل كان الدين في سلوكه رحمة وتواضعًا أم وسيلة للاستعلاء؟ وهل كانت الوطنية عنده تضحيةً وأمانة أم مجرد كلمات حين تخدم مصلحته؟
في النهاية، لا المنصب يدوم، ولا النفوذ يدوم، ولا التصفيق يدوم الذي يبقى هو العمل، والنية، والأثر، ثم الوقوف بين يدي الله حيث تسقط الألقاب كلها، ولا يبقى للإنسان إلا ما قدم، ومن هنا يجب أن تؤخذ رسالة التحذير من الاستعلاء مأخذ الجد: لا تجعل ما أُعطي لك سببًا لترى نفسك أفضل ممن لم يُعطَه، فما في يدك اليوم أمانة، وغدًا سؤال.
اقرأ أيضاً
الخطر الصامت

















0 تعليق