وول ستريت والذهب ينتظران قرار الاحتياطي الفيدرالي… ماذا يحمل اجتماع كانون الأول؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
وول ستريت والذهب ينتظران قرار الاحتياطي الفيدرالي… ماذا يحمل اجتماع كانون الأول؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 30 نوفمبر 2025 09:13 صباحاً

يقترب موعد اجتماع الفيدرالي الأميركي في كانون الأول/ ديسمبر، فيما تبدو الأسواق أمام واحدة من أكثر المراحل ضبابية منذ بدء دورة التشديد النقدي قبل عامين. فالصورة الاقتصادية اليوم لا تُقرأ بسهولة، بعدما ازدادت تعقيداً بفعل تشوّه البيانات، والقلق السياسي الناتج من الإغلاق الحكومي، والانقسام المتصاعد داخل لجنة السياسة النقدية، إلى جانب الجدل حول مستقبل قيادة الفيدرالي مع اقتراب نهاية ولاية جيروم باول في 2026.

الاجتماع الأخير في تشرين الأول/أكتوبر شكّل محطة مفصلية في مسار السياسة النقدية. فقد قررت اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة خفض الفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، لتنزل إلى 4.00% بعد أن كانت عند 4.25%، توافقاً مع توقعات الأسواق، ومثّلت الخفض الثاني هذا العام بعد خفض مماثل في أيلولسبتمبر.

مع ذلك، لم ينجح خفض الفائدة في تهدئة الأسواق طويلاً، إذ شدّد باول في مؤتمره الصحافي على أن الخطوة لا تعني بدء دورة خفض مستمرة. كما أشار إلى أن بعض الأعضاء يخشى استدامة التضخم المرتفع، ما يجعل الفيدرالي أكثر اعتماداً على البيانات المقبلة قبل اتخاذ أي قرار جديد. هذه النبرة التحفظية قلّصت أثر الخفض وأعادت الأسواق سريعاً إلى حالة التوتر السابقة.

زيادة التعقيد تعزّزت بفعل الاضطراب السياسي المرتبط بتهديدات الإغلاق الحكومي الأميركي، الذي شوّه جزءاً مهماً من البيانات الاقتصادية. فقد تأخّر صدور كثير من التقارير، وتراجعت دقة بعضها في ظل التوترات السياسية، إلى جانب موجة حذر أصابت الشركات والمستهلكين، ما جعل مؤشرات التوظيف والإنفاق والثقة أقل تعبيراً عن الواقع وأكثر تأثراً بالمخاوف.

في ظل هذه الظروف، برز الانقسام بين أعضاء الفيدرالي كأحد مصادر قلق الأسواق، بحيث تبدو اللجنة منقسمة بين قسم يرى أن التضخم فقد زخمه وأن دورة خفض الفائدة يجب أن تكتسب وتيرة أسرع لتفادي ركود محتمل، وقسم آخر يخشى أن يؤدي أي تسرّع في التيسير إلى إشعال موجة تضخمية جديدة تقوّض ما تحقق من تقدم. هذا التباين في المواقف لم يعد مجرد اختلاف طبيعي في الآراء، بل تحوّل إلى عنصر ضاغط في ذاته، لأن الأسواق باتت تتلقّى رسائل متناقضة من داخل الفيدرالي، ما زاد من فوضى التسعير ورفع مستوى عدم اليقين قبيل اجتماع كانون الأولديسمبر.

الفيدرالي يقف أمام مشهد متناقض قبل اجتماع كانون الأول: فمن جهة، تشير البيانات الأخيرة إلى تباطؤ تدريجي في التضخم وضعف واضح في النشاط الاقتصادي، ما يعزز الدعوات إلى خفض إضافي للفائدة بهدف منع التباطؤ من التحول إلى ركود. ومن جهة أخرى، يبدي صناع القرار قلقاً من استمرار عناد التضخم الأساسي، بخاصة في قطاع الخدمات، ويخشون أن يؤدي التسرع في التيسير إلى إرسال إشارات خاطئة للأسواق وإعادة تغذية الضغوط السعرية، خصوصاً أن بعض المؤشرات قد تكون مشوّهة بسبب آثار الإغلاق الحكومي، ما يجعل قراءة الوضع الاقتصادي أكثر صعوبة وتعقيداً.

أمام هذا المشهد المعقّد، يقف الفيدرالي اليوم أمام مسارين رئيسيين، لكل منها تبعات مختلفة على الاقتصاد والأسواق. ففي السيناريو الأول، يتجه البنك إلى خفض جديد للفائدة بمقدار 25 نقطة أساس، إذا جاءت بيانات التضخم والوظائف المقبلة منسجمة مع اتجاه التباطؤ الحالي، وإذا رأت اللجنة أن الاقتصاد بحاجة إلى دفعة إضافية تمنع هشاشته من التحوّل إلى ضعف بنيوي. وفي هذه الحالة، سيحاول باول على الأرجح إرسال رسالة مزدوجة: دعم النمو من جهة، والتأكيد في الوقت نفسه على أن الخفض لا يعني بالضرورة الدخول في دورة تيسير طويلة ومفتوحة.

في السيناريو الثاني، يختار الفيدرالي الإبقاء على الفائدة من دون تغيير، وهو خيار سيكون مطروحاً إذا شعر الأعضاء أن التراجع في التضخم لايزال غير كافٍ، أو إذا بقيت مؤشرات سوق العمل أقوى مما يلزم لتحقيق توازن مريح للأسعار. وسيُقدَّم هذا الخيار عندها على أنه خطوة وقائية تهدف إلى تثبيت مسار التضخم وليس إلى تشديد السياسة، مع ترك الباب مفتوحاً أمام تحركات لاحقة تعتمد على مسار البيانات.

هذه السيناريوهات تنعكس مباشرة على وول ستريت والذهب والدولار. فإذا اتجه الفيدرالي الى خفض جديد بمقدار 25 نقطة أساس مع نبرة حذرة لا تَعِد بدورة تيسير سريعة، فقد نشهد صعوداً محدوداً في الأسهم الأميركية، يتبعه سريعاً جني أرباح مع عودة المخاوف بشأن النمو والتضخم. الذهب قد يتحرك صعوداً بشكل معتدل بدعم من تراجع العوائد الحقيقية، لكنه قد يفقد جزءاً من مكاسبه إذا استشعر المستثمرون أن الفيدرالي لا يزال متردداً في توسيع سياسة الخفض. أما الدولار، فربما يتعرض لضغوط طفيفة، لكنه سيحافظ على كثير من قوته مستنداً إلى تفوق عوائد الأصول الأميركية مقارنة بنظرائها.

 

شارع وول ستريت (وكالات)

شارع وول ستريت (وكالات)

 

في حال تثبيت الفائدة، ستقرأ الأسواق الخطوة على أنها ميل إلى التشدد النسبي، بخاصة إذا شدّد باول في خطابه على الحاجة الى مزيد من الوقت والبيانات قبل التفكير في خفض جديد. هنا قد تتعرض الأسهم الأميركية لضغوط إضافية، خصوصاً في القطاعات الحساسة لأسعار الفائدة مثل التكنولوجيا والعقارات، بينما يميل الذهب إلى التراجع مع ارتفاع العوائد الحقيقية وتزايد قناعة المستثمرين بأن السياسة التقييدية ستستمر مدة أطول. في المقابل، يحظى الدولار بدعم إضافي، وقد يواصل تحقيق مكاسب أمام العملات الرئيسية مع صعود توقعات بقاء العائد الأميركي عند مستويات جذابة.

على المدى الأبعد، يزداد المشهد تعقيداً مع اقتراب عام 2026 واحتمال تغيير رئيس الفيدرالي عند انتهاء ولاية جيروم باول. فالأسماء المتداولة لخلافته، وعلى رأسها لايل برينارد ذي التوجه الأكثر ميلاً للتيسير، وجون ويليامز المعروف بخبرته العميقة في الاقتصاد الكلي، تعكس أن مسار السياسة النقدية نفسه قد يكون على أعتاب مرحلة إعادة تشكيل. وهذا النقاش الذي بدأ مبكراً يزيد بدوره من مستوى عدم اليقين في الأسواق.

مما لا شك فيه ان الفيدرالي يدخل هذا الاجتماع وسط صورة اقتصادية غير مكتملة، وسوق مالية شديدة الحساسية، وبيئة سياسية تزيد من الضباب بدلاً من تبديده. لذلك، من المرجح أن يكون اجتماع كانون الاول وتصريحات باول المصاحبة له من أكثر المحطات تأثيراً في رسم ملامح السياسة النقدية خلال 2026 وما بعدها، في وقت أصبحت فيه كل إشارة، مهما بدت بسيطة، قادرة على تحريك الأسواق وتغيير توقعات المستثمرين حول مستقبل أكبر اقتصاد في العالم.

 (*) كبير محلّلي الأسواق المالية في FxPro، محاضر جامعي في لبنان وفرنسا.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق