فنزويلا ليست فقط نفطاً: هل أصبحت كراكاس مفتاح السيادة التكنولوجية لواشنطن؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
فنزويلا ليست فقط نفطاً: هل أصبحت كراكاس مفتاح السيادة التكنولوجية لواشنطن؟ - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 08:23 صباحاً

تحولت فنزويلا إلى مركز اهتمام عالمي عقب الهجوم الأميركي على كراكاس، الذي أدّى إلى اعتقال الرئيس نيكولاس مادورو وزوجته ونقلهما خارج البلاد.

 

لطالما ارتبط اسم الدولة الواقعة في أميركا اللاتينية بالنفط، بوصفها صاحبة أكبر احتياطي نفطي مُثبت في العالم. لكن وراء هذا العنوان التقليدي، تختبئ ثروات أخرى أقلّ تداولاً لكنها قد تكون أكثر حساسية، وتزنُ ثقلاً في ميزان ترامب، بعدما أصبحت اليوم في قلب سباق عالمي يقوده الذكاء الاصطناعي والتكنولوجيا المتقدمة، حيث تتشابك السياسة مع الأمن الرقمي والجيوتقني.

معادن تُشغّل العالم الرقمي

تمتلك فنزويلا احتياطات مهمة من المعادن الاستراتيجية التي تشكّل العمود الفقري للصناعات التكنولوجية العالمية، أبرزها:

الكولتان: يُستخرج منه التانتالوم المستخدم في الهواتف الذكيّة، الرقائق الإلكترونية، ومعدات الاتصالات الدقيقة.

الذهب: يدخل في تصنيع الدوائر الإلكترونية والأنظمة الدفاعية المتقدمة.

الحديد والبوكسيت (الألومنيوم): أساسيان للبنية التحتية التقنية والمعدات الصناعية الثقيلة.

هذه الموارد لم تعد مجرّد ثروة طبيعية، بل تحوّلت إلى أصول حقيقية، تُحدّد من خلالها مواقع النفوذ في عالم يعتمد على التكنولوجيا المتقدمة والقدرات الرقمية.

المصدر: (أ ف ب)

المصدر: (أ ف ب)

 

لماذا يزداد الاهتمام الدولي؟

في السنوات الأخيرة، ومع تصاعد التوترات بين القوى العالمية، لم يعد الوصول إلى المعادن الحيوية مسألة اقتصادية فقط، بل غدا مفتاحاً للأمن التكنولوجي والجيوتقني. فالدول الكبرى تسعى إلى تقليل اعتمادها على الصين في سلاسل توريد المواد الخام الحيوية للتكنولوجيا، وتأمين الموارد التي تدخل في صناعة الذكاء الاصطناعي والرقائق الدقيقة والطاقة المتجددة. وفنزويلا، بموقعها الغني بالمعادن، أصبحت مركزاً استراتيجياً في معادلة الأمن الرقمي العالمية، لا مجرد مصدّر للنفط.

من نفط القرن الـ20 إلى معادن القرن الـ21

إن كان النفط محرّك الصراعات في القرن الماضي، فإن المعادن النادرة والمواد الأساسية لتصنيع الرقائق وسلاسل التوريد الرقمية هي اليوم وقود الصراعات الجديدة.

التحكم في الكولتان والذهب يعني القدرة على التأثير في صناعة الهواتف والرقائق والأنظمة الدفاعية. والمعادن مثل الحديد والبوكسيت التي تُستخدم في البنية التحتية الرقمية ومراكز البيانات الضخمة، تجعل أي دولة تتحكم بها لاعباً أساسياً في الأمن التكنولوجي العالمي.

 

جدارية لمادورو خلال محاكمته. (أ ف ب)

جدارية لمادورو خلال محاكمته. (أ ف ب)

 

من يسيطر على المعادن النادرة يملك المفاتيح

 

في حديثٍ لـ"النهار"، أكّد د. محمد الكيالي، رئيس الاتحاد الدولي للتكنولوجيا والاتصالات (IFGICT)، أنّ من يختزل فنزويلا في كونها مجرّد خزان نفطي ضخم تحت الأرض يقع في خطأ جوهري، مشيراً إلى أنّ البلاد تمتلك، إلى جانب النفط، ثروة كبيرة من المعادن النادرة والثمينة، لا يتوافر بعضُها إلا في عدد محدود من الدول، من بينها جمهورية الكونغو الديموقراطية. وأوضح أنّ هذه المعادن عنصر أساسي في الصناعات التكنولوجية الدقيقة، ولا سيّما في تصنيع الشرائح الإلكترونية المتقدّمة، ما يجعل منها كنزاً استراتيجياً بامتياز، بالإضافة إلى كونها مكوّنات حيوية تدخل في تصنيع الحواسيب والهواتف المحمولة وسائر الأجهزة الإلكترونية.

 

ولفت إلى أنّ العالم في السابق كان يركّز على مفهوم أمن الطاقة، بينما بات اليوم يتحدّث عن معادلة مزدوجة تجمع بين أمن الطاقة وأمن التكنولوجيا، إذ أصبح الاثنان مترابطين ترابطاً وثيقاً. وأضاف أنّ أي تحوّلات أو توتّرات جيوسياسية لم تعد تؤثّر على أسواق الطاقة فحسب، بل باتت تنعكس مباشرة على استقرار الاقتصاد الرقمي العالمي بأسره.

وفي هذا السياق، يرى الكيالي أنّ الولايات المتحدة الأميركية تنطلق في سياسة الضغوط التي تمارسها على فنزويلا من اعتبارٍ استراتيجي يهدف إلى منع كلٍّ من روسيا والصين من الاستحواذ على هذا النوع من "الكنز التكنولوجي" المتمثّل بالمعادن النادرة، معتبراً أنّ طبيعة الصراع الجيوسياسي بين القوى الكبرى لا تزال ترفض منطق الاستقرار والتنمية المشتركة، وتُصرّ على تكريس معادلة الهيمنة والقوّة.

 

درع غويانا.. وتخوّف أميركي من حضور روسي - صيني

 

لم تعد فنزويلا مجرد بؤرة نفطية في أميركا اللاتينية، بل أصبحت مفصلاً استراتيجياً حاسماً بفضل موقعها ضمن درع غويانا الغني بالمعادن النادرة والثمينة. هذه الأرض التي كانت تُعرف بكونها مخزناً للنفط، تتصدّر اليوم اهتمامات القوى الكبرى لما تختزنه من كنوز معدنية تشكّل أساس التكنولوجيا المتقدمة.

لذا فإن أي حضور قوي للصين أو روسيا اليوم في مناجم فنزويلا يشكل تهديداً مباشراً لسلاسل التوريد الأميركية. فالسيطرة على المعادن الاستراتيجية لم تعد رفاهية، بل أصبحت قضيّة أمن قومي وتقني.

في الختام، وفي قلب هذه الاستراتيجية تكمن فكرة الاستقلال التكنولوجي بالنسبة إلى أميركا: ضمان الوصول إلى الموارد الحيوية بعيداً عن الاعتماد على آسيا، وتأمين مستقبل الاقتصاد الرقمي الأميركي أمام أي اضطرابات في سلاسل الإمداد العالمية. 

 

فهل تنجح فنزويلا في مقايضة استقرارها برهن ثرواتها لتكون الشريان الحيوي للثورة التكنولوجية الأميركية؟ ربما، لكن السؤال الأكثر إثارة للقلق يبقى معلقاً في الأفق: ماذا لو غيّر ترامب بوصلة رهاناته غداً نحو جغرافيا جديدة؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق