تفكيك التحالفات… خطأٌ استراتيجي أم قرارٌ محسوب؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
تفكيك التحالفات… خطأٌ استراتيجي أم قرارٌ محسوب؟ - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 08:23 صباحاً

في السياسة والإعلام لا تُقاس المواقف بحرارة اللحظة، بل بمنطق الدولة وعمق البوصلة، فالدول الرصينة لا تتخذ قراراتها وفق موجة صاخبة أو حملة عابرة، بل وفق معايير أخلاقية واضحة، ووعيٍ بكلفة المواقف وتداعياتها على الاستقرار والأمن وسمعة المنطقة ومستقبلها.
منذ تأسيسها، قدّمت دولة الإمارات العربية المتحدة نموذجاً متوازناً في الإقليم: دولةٌ تنموية في الداخل، ومسؤولة في الخارج، تُقدِّم السلم والاستقرار على منطق المغامرة، وتُجرِّم العبث، وترفض كلّ ما يمسّ الحياة الإنسانية أو يهدّد الدولة الوطنية، هذه ليست شعاراتٍ تُقال عند الحاجة؛ بل نهجٌ تجسّد في خياراتٍ سياسية، ومبادراتٍ إنسانية، وشراكاتٍ عربية ودولية قامت على احترام السيادة ومحاربة التطرّف ورفض سطوة الميليشيات.


ولم تكن علاقات دولة الإمارات مجرد ترتيبات مصلحية موقتة، بل كانت في كثير من الملفات تحالفات صيغت بمزيج من الواجب والدم والمسؤولية قبل السلاح والمال، وفي اليمن تحديداً، لم تكن الإمارات تبحث عن موطئ قدم أو نفوذ إضافي؛ بل تحرّكت بقراءة استراتيجية تدرك أن ترك الإقليم لقوى الفوضى سيُنتج كلفة أكبر على الجميع تفكيكاً للدولة، وتمدداً للتنظيمات، وتآكلاً للأمن العربي المشترك. ومهما اختلفت التقديرات لاحقاً، فإن منطق التدخل كان في جوهره دفاعاً عن المنطقة من سيناريوهات الانهيار.
لكن المؤلم أن تتحول التباينات التي هي طبيعية بين الدول إلى خصومات مفتعلة تُدار بمنطق التصعيد، وبأدوات إعلامية لا تبحث عن حلٍّ بقدر ما تبحث عن إحراجٍ أو مكسبٍ سريع، والسؤال الذي يفرض نفسه هنا ليس: من يرفع صوته أعلى؟ بل: من المستفيد الأول من نقل الخلاف من غرف الحوار إلى منصّات الاستقطاب؟ ومن الذي يربح حين تتصدّع الثقة بين الأشقاء في لحظة إقليمية حرجة تتداعى فيها الدول، وتشتعل الحروب، وتتحفز القوى الطامعة لالتقاط الفرص؟

إن ما يُقدَّم للجمهور بوصفه “اختلافاً في وجهات النظر” قد يكون في العمق، إدارةً للظهر في توقيتٍ لا يحتمل إدارة الظهر،  ففي عالم عربي مثقل بالأزمات، كانت الإمارات تؤمن بتقاسم كلفة حماية الاستقرار، دعماً تنموياً حيث يلزم، وإسناداً إنسانياً حيث تشتد الحاجة، ومشاركةً في تحمّل الأعباء حين تتسع رقعة الخطر، ولم تُقدِّم ذلك منّةً على أحد؛ بل التزاماً بمفهوم الشراكة العربية، وإيماناً بأن للخلاف سقوفاً لا يجوز كسرها، لأن كسرها يفتح أبواباً يصعب إغلاقها.
ومن زاوية براغماتية بحتة، فإن هزّ تحالفاتٍ أساسية في المنطقة لا يبقى ضمن حدود العلاقة الثنائية، بل يعيد تشكيل التوازنات الإقليمية ويزيد من شهيّة الخصوم، فحينما تُدار الأزمات علناً بلا ضوابط، تتحوّل الخلافات إلى “رمال متحركة” تبتلع ما بقي من الاستقرار، وتمنح القوى المتربصة إشاراتٍ خاطئة عن هشاشة البيت العربي وقدرة اختراقه، ولذلك فإن الحكمة الديبلوماسية الإماراتية تفضّل دائماً ضبط الانفعال، وإبقاء مسارات العودة إلى المنطق مفتوحة، لأن السياسة ليست مباراة تصفية حساب، بل فن تقليل الخسائر وتعظيم المصالح المشتركة.
الإمارات ليست تحت اختبار النوايا، ولا تحت امتحان الصبر أو القدرة، فالذي يقدّم أبناءه شهداء دفاعاً عن سلامة المنطقة لا يُساء الظن فيه، ولا يُقابَل بالتشكيك أو التطاول، والإمارات بنموذجها السياسي والاقتصادي والاجتماعي ليست دولة تبحث عن مكانةٍ تُثبتها بالصوت العالي، مكانتها تتكئ على إنجازٍ تنموي، وثقةٍ دولية، ووضوحٍ في الأولويات: أمن الوطن أولاً، واستقرار الإقليم ركيزةٌ من ركائز الأمن الوطني.

والخلاصة، أن الدول الكبيرة لا تُدار بردود الفعل، ولا تُستدرج إلى معارك جانبية تُفرّغ المنطقة من مقوّماتها، قيل قديماً : “إذا اشتدّ النزاع ضاقَت الحكمة”، والإمارات تدرك أن الحكمة هي التي تُوسّع الخيارات وتمنع الانزلاق. ستبقى دولة الإمارات رايةً لا تهزّها العواصف، لأنها تعرف أن الانفعال مكلف، وأن إدارة الخلاف بعقلٍ بارد هي الطريق الأقصر لحماية الأشقاء قبل حماية الذات، ولمنع خصوم المنطقة من كتابة مستقبلها نيابةً عنها.

*إعلامي إماراتي خبير في شؤون الاتصال الاستراتيجي وتحليل الخطاب الإعلامي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق