محمد مصطفى الضو: حين تصير الصورة سيرة، والمعرفة مقاماً - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
محمد مصطفى الضو: حين تصير الصورة سيرة، والمعرفة مقاماً - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 يناير 2026 08:23 صباحاً

في حضن الصحراء حيث يشعّ الضوء ببهائه، وفي مدينة السماء التي يسمّيها أهلها دبي — تلك التي صارت واجهةً للتنوّع، والابتكار، وحرية التعبير — ظهر رجلٌ عرف أن يقرأ العالم بعينه وقلمه وروحه.

محمد مصطفى الضو، ابن أرمناز (1974)، حيث تعلّم من الريح صفاء البصيرة، ومن الحقول معنى الانتظار، ومن التفاصيل الصغيرة حكمة النظر الطويل. هناك، في بلدةٍ لا تُكثر الكلام، بدأ وعيه يتشكّل على إيقاع الطبيعة، حتى صار يُحاور الضوء والظل في قصائد لا تُنطق، بل تُرى وتُحَسّ. ثم جاءت ثانوية جمعة خشان في كفرتخاريم (1989) لتفتح أمامه أبواب التفكير قبل بوّابات الحياة، ويأتي بعدها مقام العلم في جامعة حلب (1992)، حيث اتّسعت الأسئلة، وتحوّل الشغف إلى مسارٍ لا يشيخ نحو المعرفة، والثقافة، وحكايات البشر المختزلة في لحظة، أو صورة، أو معنى عابر.

لم يكن دخوله إلى دبي مجرّد انتقال جغرافي، بل عبوراً إلى زمن جديد. بدأ حياته المهنية معلّماً ومدرّباً في المعهد الدولي الثقافي، وكأن القدر أراد أن تكون البداية — كما النهاية التي يتمناها — في ميدان التعليم، حيث تُزرع الفكرة لا تُستهلك. ومن التعليم، اتّسعت الدائرة إلى إنتاج المحتوى التقني في الموقع الرسمي لصاحب السمو الشيخ محمد بن راشد آل مكتوم، حيث تعلّم أن الكلمة مسؤولية، وأن التقنية لا تكتمل إلا بوضوح الرسالة وجمال الصياغة.

وعلى التوازي، كان شريكاً في صناعة المعرفة التقنية العربية، محرّراً مشاركاً في مجلة PC Magazine العربية ضمن مجموعة الدباغ للتقنية، قبل أن ينتقل إلى مشاريع أكبر في تعريب المحتوى التقني العالمي، وفي مقدمتها مشروع أكاديمية سيسكو الإلكترونية، وبرامج الشبكات المتخصصة (CCNA وCCNP)، حيث ساهم في بناء جسر معرفي بين العالم والتقنية واللغة.

ثم جاءت مرحلة العمل المؤسسي الواسع في المنطقة الحرة للتكنولوجيا والإعلام والتجارة الإلكترونية (TECOM)، متنقلاً بين مشروع الشيخ محمد لتعليم تكنولوجيا المعلومات، وقرية المعرفة، ومجلس التعليم في دبي، وصولاً إلى هيئة المعرفة والتنمية البشرية في دبي. هناك، لم يعد العمل مجرّد تنفيذ، بل تحوّل إلى تفكيرٍ بنيوي، فانتقل من البناء المؤسسي إلى الاستراتيجيات والسياسات، لتصبح تلك المرحلة الجسر الحقيقي نحو مساره الحالي.

ويصف تلك المرحلة — تحت قيادة الدكتور عبد الله الكرم وبإشراف بيتر مولسون — بوصفها لحظة فاصلة، تعلّم فيها أن المعرفة لا تُراكَم، بل تُضاف إليها قيمة جديدة كل يوم، وأن العمل العام لا يُقاس بما يُنجز فقط، بل بما يُغيّر في طريقة التفكير.

اليوم، يعمل في جائزة حمدان بن محمد بن راشد آل مكتوم الدولية للتصوير الضوئي (HIPA) في مجال البحوث والتطوير واستشراف المستقبل، كجزء من إدارة مؤسسة جعلت من الصورة لغةً عالمية، ومن الفن أداة معرفة، ومن الثقافة فضاءً إنسانياً مشتركاً. وهناك، يلتقي مساره المهني مع قناعته العميقة بأن الصورة ليست تابعاً للنص، بل نصٌّ موازٍ له، وربما سابقٌ عليه.

ولأن الكتابة كانت دائماً رديف التجربة، لم تخلُ مسيرته من الكتب:
من دليل المحترف لبرنامج 3D Studio Max (1998) مع دار شعاع للعلوم في حلب، إلى كتاب البحث عن أرض خصبة للاستثمار في التقنيات مع الدار العربية للعلوم، وصولاً إلى مشاركته — كمحرر ومراجع ومؤلف مشارك — في سلسلة كتب السياسات العامة مع كلية جون كينيدي للإدارة الحكومية، التي استقرّت لاحقاً باسم كلية محمد بن راشد للإدارة الحكومية.

في هذا السياق، تأتي مساهمته في منصة «جليس» — وهي منصة جامعة للكتّاب من مختلف المشارب، تنشر الثقافة والعلم والأدب والفن — لا بوصفها منبراً شخصياً، بل مجلساً معرفياً يكتب فيه الإنسان من موقع التجربة لا الادّعاء، ومن موقع السؤال لا الجواب. في «جليس»، يكتب محمد مصطفى الضو نصوصاً تحاول أن تفتح مساراً جديداً في الكتابة، مساراً يُنصت للصورة، ويتأمّل أثرها، ويعاملها بوصفها كائناً حيّاً له ذاكرة وصوت.

من هنا، يتشكّل ما يسميه «أدب الصورة»: أدبٌ قريب من أدب الرحلات، لكنه لا يرتحل في الجغرافيا، بل في عوالم الصورة؛ يكتب قراءتها لا وصفها، يعيش داخلها لا حولها، ويلاحق ما تتركه في المتلقي لا ما قصده المصوّر بالضرورة. وإلى جواره، يلوح في الأفق «أدب الذكاء الاصطناعي»، بوصفه أدباً قادماً، يتناول التوأمة الإبداعية بين الإنسان والآلة، وما يمكن أن تفتحه من آفاق جديدة في الكم والكيف، دون أن تلغي جوهر الإنسان أو دهشته الأولى.

هكذا، لا يُقدَّم هذا النص بوصفه سيرة رجل، بل بوصفه مسار فكرة: فكرة أن المعرفة مسؤولية، وأن الصورة لغة، وأن التعليم بداية لا نهاية، وأن المستقبل لا يُنتظر… بل يُستشرف ويُكتب.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق