نهاية الأمم المتحدة - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
نهاية الأمم المتحدة - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 04:50 صباحاً

ربما لم تكن الأمم المتحدة تنتظر وصول دونالد ترامب إلى سدة الرئاسة الاميركية للمرة الثانية لتدخل في موت سريري، هي كانت كذلك قبله بكثير بعدما تحوّلت إلى مجمع دولي للخطابات واتخاذ التوصيات والقرارات التي لا تلزم أحداً من أقوياء العالم أو متمرّديه أو محظيّي واشنطن. كان التعويل كبيراً على دور حاسم للمنظمة الدولية ومجلس أمنها عند إنشائها عام 1945 بعد نهاية الحرب العالمية الثانية على أنقاض عصبة الأمم التي مسح هتلر الأرض بها عام 1939 معلناً الحرب (العالمية الثانية). لكنها سرعان ما تحوّلت إلى كيان ضعيف على المستوى السياسي بسبب هيمنة الدول الكبرى الخمس، ولا سيما الولايات المتحدة، على أداتها الأهم مجلس الأمن الذي عبره كان يُفترض أن تُحلّ النزاعات العسكرية والحروب وقضايا الحدود والأمن الدولي.
ليس ترامب الرئيس الأميركي الأول الذي يتجاهل الأمم المتحدة التي نصّ ميثاقها على أنه "يمتنع أعضاء الهيئة جميعاً في علاقاتهم الدولية عن التهديد باستعمال القوة أو استخدامها ضد سلامة الأراضي أو الاستقلال السياسي لأيّ دولة أو على أيّ وجه آخر لا يتفق ومقاصد الأمم المتحدة"... 
في المدى القريب فعل جورج بوش الابن ذلك عندما احتل العراق عام 2003 بزعم امتلاكه أسلحة محرمة وبرنامجاً نووياً، وهو زعم تأكد العالم من كذبه، وقبله فعله والده جورج بوش الأب الذي أرسل عام 1989جيشاً إلى بنما لاعتقال رئيسها مانويل أورتيغا، تماماً كما حصل مع اختطاف الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو، بتهمة ظاهرة هي إغراق الولايات المتحدة بالمخدرات، فيما الهدف الحقيقي كان قناة بنما الاستراتيجية للتجارة الأميركية.
سريعاً تحولت الأمم المتحدة إلى منظمة إنسانية بدل أن تكون منظمة رادعة للحروب، فلم تستطع أن توقف كثيراً من الحروب والمجازر، وإن شكلت أحياناً غطاءً شكلياً لتدخلات القوى الغربية وحلفها الأطلسي في يوغوسلافيا السابقة وكوريا وليبيا وغيرها من مناطق النزاعات. وحتى هذا الجانب فقد الكثير من أهميته في ظل الحرب التي يخوضها ترامب على المنظمة الأممية والمنظمات الإنسانية والثقافية والاقتصادية الدولية كمنظمة الصحة العالمية واليونيسكو وبرنامج الغذاء العالمي ومنظمة التجارة العالمية والأونروا وغيرها، بعدما علق العمل بكثير من المنظمات والهيئات الأميركية التي تُعنى بتقديم مساعدات مالية وغذائية وصحية وتنموية في دول محتاجة للمساعدة، حتى لو كانت هذه المساعدات تخفي وراءها أهدافاً اقتصادية وسياسية.

لا يمكن التنبؤ بدقة بالخطوة التالية لترامب وأين سيضرب بلا أي اعتبار للأمم المتحدة ومجلس أمنها وللقانون الدولي: في كوبا أم في كولومبيا أم في إيران، الأرجح أن الرجل المنتشي بإنجازاته العسكرية سيواصل هذا النهج حتى نهاية ولايته، هذه عقيدته وفلسفته السياسية القائمة على نزعة استعلائية تعززها القوّة العسكرية والتكنولوجية المتفوقة وعجز العالم كله عن المواجهة المباشرة. قال ترامب بصراحة إنه يريد القسم الغربي من الكرة الأرضية تابعاً لأميركا التي سيضم إليها جزيرة غرينلاند الفسيحة التابعة للدنمارك رغم أنف ملكتها مارغريت الثانية، وما على دول أميركا الجنوبية المعارضة لمشروعه إلا انتظار الموجة التي ستأتي عبر الحصار والقلاقل الداخلية أو حتى الانتخابات.
أظهر ترامب نرجسيته وإعجابه بنفسه في حديثه إلى النواب الأميركيين أخيراً. نسب كل الإنجازات إلى نفسه. هو القويّ وهو الذكيّ وهو المخلص وهو باني أميركا الحديثة... وهو "الظريف" أيضاً الذي يسوّغ لنفسه أن يهزأ من رؤساء دول مهمة كما فعل عند الحديث عن الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون ويحطم معنويات "الحلفاء" قبل الخصوم. رجل يحب الصراع، عاش حياته كلها مصارعاً على جبهات عديدة منها جبهة منافسه السابق العجوز المتهالك جو بايدن الذي لا يوفر مناسبة إلا ويطعن به فيها، بقدر ما يبدو مشتت الأفكار يطرح الأمر ونقيضه في خطاب واحد، إلا أنه صاحب مشروع واضح: الإمبرطورية الأميركية "العظيمة" التي ستحكم العالم، والإمبراطور المتباهي بقوة بلده وفتكها والذي سيدخل التاريخ كرئيس "سوبر ماني" للولايات المتحدة. 
يبث ترامب الرعب، ولا يجد من يردعه، لا الصين التي لا تحب الحرب ولا روسيا المنهكة في حربها الأوكرانية التي كشفت ضعفها العسكري والتكنولوجي وعجزها عن منع البحرية الأميركية عن مصادرة سفينة نفط روسية، وبالطبع ليست أوروبا التابعة غالباً لأميركا، سواء كان رئيسها ترامب أم غيره.

عقيدة ترامب لا تتحمّل وجود منظمة دولية ومؤسسات حقوقية دولية ومحاكم وعدالة، لا يريد منظمات تدين خرق القوانين الدولية وتحاكم نتنياهو على جرائمه في غزة، وعليه على المجتمع الدولي أن يتوقع مزيداً من التجاهل للأمم المتحدة في عهد ترامب وستصبح مجرد منتدى دولي للثرثرة والكلام الفارغ.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق