نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"الصعود إلى النهار"… رواية عن مدينة تأكل أبناءها - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 07:03 صباحاً
في رواية "الصعود إلى النهار" لا يَعِدُ الضوء بالخلاص، بل يكشف عن وجهٍ آخر للحياة، وجه متوحّش ينهض حين تنحسر العتمة. هكذا يقلب علي السقّا المعنى المتوقّع للعنوان، ليقترح أنّ النهار ليس مساحة أمان، بل ساحة افتراسٍ معلنة، وأنّ من عاشوا في "ظلّ" المدينة مضطرون إلى الصعود نحو وضوح قاس، حيث لا أقنعة ولا تسويات.
تبدأ الرواية الصادرة عن شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بواقعيّة شديدة: رجلٌ متّكئ على أريكة، رطوبةٌ تُفشل القيلولة، تسرّب ماء من أنابيب الجار، وتلفاز يبثّ نشرة أخبار في خلفية يوم لبنانيّ مألوف. غير أنّ هذه التفاصيل اليومية لا تأتي بوصفها ديكوراً، بل بوصفها مدخلاً إلى فكرةٍ مركزية: الانهيار الكبير يبدأ من الشقوق الصغيرة. ومن هنا تتقدّم شخصية حسن، ابنُ طفولةٍ مكسورة، اختفى والده منيف وهو صغير، وأُجبر على ترك المدرسة في سنّ العاشرة لتلقيه أمّه في سوق العمل، بين صيادين ومهنٍ هامشية، كأنها تقول له باكراً إن الحياة ليست حقاً، بل "دوام".
حسن ليس بطلاً تقليدياً، ولا تُصاغ ملامحه ليحصل بسهولة على تعاطف القارئ. هو كائنٌ ينمو على نقص مضاعف: نقص العدالة ونقص العاطفة. ولعلّ أكثر ما يميّز الرواية أنّها تقترح أنّ الفقر ليس مادياً فقط، بل عاطفيّ أيضاً: جوعٌ إلى عناقٍ لم يحدث، إلى أمومةٍ لم تكتمل، إلى كلمةٍ لا تُقال إلا على هيئة تأنيب أو سخرية. ومن هذا الجوع بالذات تنبثق إحدى أكثر أدوات الرواية فرادة: دمية "نجلاء" التي يلجأ إليها حسن، يحاورها ويبثّها خوفه ومشاعره، يؤنّب صمتها أحياناً ويحبّ هذا الصمت أحياناً أخرى، في عالمٍ يصف ناسه بأنهم "كلاب ووحوش وبغال". الدمية هنا ليست زينة سريالية، بل جهازٌ نفسيّ يفضح هشاشة الداخل وعجزه عن التواصل مع بشرٍ لا يسمعون.
الكاتب علي السقا
لكنّ الرواية لا تكتفي بعزلة حسن النفسية، بل تضعها في قلب سؤالٍ اجتماعيّ واقتصاديّ حاد: الوظيفة بوصفها عبودية حديثة. فالمشهد المفصليّ يأتي حين يقرّر حسن مواجهة مديره راجي، الذي ينفق على رفاهيته فيما لا يبقى للعمّال من رواتبهم في أوّل الشهر سوى القليل. يصرخ حسن في وجه زملائه: "طالبوا بحقوقكم… إنها مجرّد وظيفة، ليست حياة"، ويطرح سؤالاً يُشبه صفعةً أخلاقية: "لماذا يشتري منا الأغنياء الوقت؟ ولماذا نبيعه لهم؟". هنا تتكثّف فلسفة السقّا: الاستغلال ليس مجرّد مدير شرير، بل نظامٌ كامل يجعل الفقير يبادل عمره بأجهزة تُشترى بالتقسيط، وبأيامٍ تُستنزف من دون ضمان.
ولأن الرواية ابنة راهنها، يدخل الذكاء الاصطناعي لا بوصفه موضوعاً تقنياً، بل بوصفه تهديداً اجتماعياً: آلاتٌ جديدة تُستقدم تمهيداً للاستغناء عن العمّال لاحقاً. وحين يحاول حسن إحراق الماكينات، لا ينجح في إشعال ثورة، بل في كشف حقيقةٍ أكثر مرارة: العمّال أنفسهم يطفئون الحريق خوفاً على أرزاقهم، ثم يقفون ضده. إنها مفارقة الرواية الأساسية: المقهور قد يكره القهر، لكنه قد يخاف الحرية أكثر، لأن الحرية بلا ضمانات قد تعني الجوع الفوري. هكذا يتحوّل حسن إلى "متّهم" لا إلى مُخلّص، ويُقال في المحكمة إن دافعه سياسيّ/حزبيّ لا نقابيّ، كما لو أنّ المطالبة بالحقّ تحتاج دائماً إلى وصمةٍ تُسهّل سحقها.
من المصنع إلى السجن، تنتقل الرواية إلى فضاءٍ يشبه لبنان مصغّراً: مظاليم من كلّ الأنواع، قسوة، دناءة، ووعود رسمية كاذبة عن تعافٍ، ومحاربة فساد، ووحدة وطنية. وفي السجن يتعرّف حسن إلى رفاقه: رياض، فارس، رشدي، سليمان… شخصيّات لا تقدّمها الرواية كأبطال، بل كضحايا متفاوتي الانحراف، أبناء مدينة دفعتهم إلى الحافة. يقول السجّان "الحنش" جملته الصادمة: "البلد خرب… احمدوا ربكم تأكلون مجاناً في السجن"، فتبدو الحرية في الخارج أقلّ ضماناً من "سقف" الزنزانة. هنا يتجلّى ذكاء السقّا: السجن ليس انعطافاً حكائياً، بل مرآة لنظامٍ فقد معنى الرعاية.
بعد الهروب، تنفتح الرواية على بيروت كغابة، في مقابل مدينة الأغنياء المحصّنة "دريمز أند بيوند" يوتوبيا مسوّرة بالكهرباء والخدمات والحراس، بينما تُترك أحزمة البؤس خارجها لتأكل بعضها. ليس هذا الخيال بعيداً. إنّه استعارة لبنانية وعالمية معاً عن مجتمعاتٍ تُقسَّم إلى فردوسٍ خاص وجحيمٍ عام.
وتأتي النهاية لتُثبت أنّ الرواية، في جوهرها، ليست عن الذكاء الاصطناعي أو السجن بقدر ما هي عن الحرمان العاطفي. ففي لحظة ذروة، يعانق حسن فارس، المريض بالقلب، ظانّاً أنّه أمّه فريال، فيموت فارس اختناقاً. موتٌ بالعناق: كأنّ الحنان، حين يُفقَد طويلاً، يتحوّل إلى قوّة عمياء لا تعرف قياس الحبّ فتقتله. هكذا يختم السقّا روايته بإشارةٍ موجعة: الإنسان قد يحتاج إلى عناق أكثر مما يحتاج إلى مال، لكنّ الجوع إذا طال قد يفسد حتى معنى العناق.
في المحصّلة، "الصعود إلى النهار" رواية قاتمة عن بيروت/المدينة التي تُهمّش الفقراء وتفتح صدرها للأغنياء، وعن العمل كقيد، وعن الخوف الذي يُطفئ شرارة التمرّد، وعن بشرٍ يخرجون من السجن ليكتشفوا أنّ الخارج سجنٌ أكبر. قوّتها في واقعيّتها الخشنة، ولغتها المقطعيّة كالشظايا، وفي قدرتها على تحويل اليوميّ إلى سؤالٍ وجودي. أمّا قسوتها وسوادها فليسا نقطة ضعف، بقدر ما هما خيارٌ: نهارٌ لا يضيء… بل يفضح.









0 تعليق