حين يسبق الفرد المؤسّسة: قراءة في قمّة المليار متابع بدبي - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يسبق الفرد المؤسّسة: قراءة في قمّة المليار متابع بدبي - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 يناير 2026 08:45 صباحاً


لم يعد صعود المؤثرين وصنّاع المحتوى ظاهرة هامشية مرتبطة بالترفيه أو الشهرة العابرة، بل تحوّل في السنوات الأخيرة إلى تعبير بنيوي عن انتقال عميق في موازين القوة داخل المجتمع والاقتصاد معاً. من هذا المنظور، تكتسب قمة Billion Followers Summit 1 في دبي دلالة تتجاوز كونها حدثاً إعلامياً أو تجمعاً رقمياً، لتغدو لحظة كاشفة عن زمن يسبق فيه الفرد المؤسسة، ويُعاد فيه تعريف مفاهيم التأثير والقيمة والعمل.

سوسيولوجياً، تعكس هذه القمة تحوّل مركز التأثير من الهياكل التقليدية – الإعلام الكلاسيكي، الأحزاب، النخب الثقافية – إلى الأفراد. فالفرد اليوم، بأدوات بسيطة ومنصات رقمية مفتوحة، قادرٌ على بناء جمهور يتجاوز في حجمه وتأثيره جمهور مؤسسات عريقة استغرقت عقوداً لتكريسه.

ولا يرتبط هذا التحول بتكنولوجيا الاتصال وحدها، بل بتغيّر عميق في أنماط الثقة؛ إذ بات الجمهور يميل إلى السرد الشخصي والخبرة المباشرة أكثر مما يثق بالخطاب الرسمي أو المؤسسي المجرّد. بهذا المعنى، تمثل القمة اعترافاً صريحاً بأن السلطة الرمزية لم تعد حكراً على المؤسسة، بل أصبحت موزّعة أفقياً بين ملايين الفاعلين الرقميين.

اقتصادياً، تكشف القمة عن نضوج ما بات يُعرف بـ"اقتصاد المحتوى" أو "اقتصاد المبدعين". فلم يعد المحتوى مجرد أداة تابعة للتسويق، بل صار قطاعاً اقتصادياً قائماً بذاته، يولّد فرص عمل ويستقطب استثمارات ويخلق سلاسل قيمة تمتد من الإعلان والتجارة الإلكترونية إلى التعليم الرقمي والترفيه. ووفقاً لتقديرات مؤسسات أبحاث سوق دولية متخصصة، بينها Grand View Research، بلغت القيمة الإجمالية لهذا الاقتصاد نحو 205 مليارات دولار في عام 2024، مع توقعات بنمو سنوي يتجاوز 20% في السنوات المقبلة. وهذا يؤكد أن التأثير الرقمي بات مورداً اقتصادياً قائماً بذاته.

في هذا السياق، تحمل استضافة دبي للقمة بُعداً يتجاوز التنظيم اللوجستي. فالمدينة تقدّم نفسها نموذجَ حوكمةٍ جديداً للاقتصاد الرقمي، يقوم على تشريعات مرنة، وبنية تحتية متقدمة، وانفتاح على المواهب العابرة للحدود. والرسالة الضمنية واضحة: التأثير لم يعد شأناً ثقافياً فحسب، بل صار أداةً من أدوات التنافس الاقتصادي والقوة الناعمة. ومَن ينجح في تنظيم هذا التأثير واستقطابه، ينجح في حجز موقع متقدم في خريطة الاقتصاد العالمي الجديد.

غير أن هذا التحول لا يخلو من أسئلة إشكالية. فتصاعد تأثير الأفراد يضع المجتمعات أمام تحديات أخلاقية ومعرفية: مَن يضع المعايير؟ مَن يحاسب؟ وكيف يمكن الموازنة بين حرية التعبير وحماية الفضاء العام من التضليل أو الابتذال؟ هنا تبرز أهمية القمة بوصفها منصة نقاش، لا للاحتفاء فحسب، بل لمحاولة التفكير في أطر تنظيمية وأخلاقية تضمن أن يتحول التأثير إلى قيمة مضافة، لا إلى فوضى رقمية.

بالنسبة إلى العالم العربي، ولبنان تحديداً، تكتسب هذه التحولات معنى خاصاً. ففي ظل تراجع دور المؤسسات التقليدية وأزمات الاقتصاد والإعلام، يبرز الفرد الرقمي فاعلاً بديلاً، قادراً على إيصال صوته إلى العالم، وبناء فرص خارج القيود المحلية. غير أن الفرصة تحمل في طياتها تحدياً مزدوجاً: هل يتحوّل هذا الحضور الرقمي إلى أداة إنتاج للمعرفة والوعي، أم يبقى أسير الاستهلاك السريع والمنصات العابرة؟ وهل يستطيع الفرد العربي أن يسبق المؤسسة ليبنيها من جديد، لا ليحلّ مكانها فحسب؟

في المحصلة، لا تمثّل "قمة المليار متابع" حدثاً عادياً في روزنامة المؤتمرات، بل علامة فارقة على تحوّل تاريخي في العلاقة بين الفرد والمؤسسة، وبين المجتمع والاقتصاد. إنها إعلانٌ عن زمن جديد يُقاس فيه النفوذ بعدد المتابعين، لكن قيمته الحقيقية تُقاس بعمق الرسالة والأثر. والسؤال الأهم لم يعد "من يملك المنصة"؟ بل "كيف نُحسن استخدام هذا التأثير، قبل أن يتحول من فرصة للتقدم إلى عبء على المجتمع؟".

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق