السودان: مأزق "الدولة المؤجلة" ورهان العقد الجديد - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
السودان: مأزق "الدولة المؤجلة" ورهان العقد الجديد - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 08:43 صباحاً

يأتي المشهد السوداني الراهن، بما يحمله من مآسٍ تهدد بقاء الدولة ووحدة البلاد، ليضع النخب والشعب معاً أمام استحقاقات تاريخية لا تقبل التأجيل.

وفي هذا الفضاء الملبّد بدخان الحرائق، تكتسب تصريحات الدكتور عبد الله حمدوك، رئيس وزراء الحكومة المدنية، التي انقلب عليها العسكر في 25 تشرين الأول (أكتوبر) 2021، في ذكرى الثورة السودانية ويوم الاستقلال، أبعاداً تتجاوز السرد السياسي المعتاد. فقد انتهى ذلك الانقلاب بانسداد الأفق السياسي وتفجّر الحرب المدمرة الحالية، لتلامس هذه التصريحات الجذور العميقة للأزمة التي أقعدت الدولة السودانية منذ ميلادها.

إن ما طرحه حمدوك، بصفته رئيساً لتحالف القوى الديمقراطية المدنية (صمود)، لا يمكن اختزاله في كونه "خطاب ذكرى"، بل هو محاولة للاشتباك العقلاني مع لحظة شديدة الالتباس، تتداخل فيها خرائط الحرب مع أسئلة الهوية. والحال هكذا، يصبح التفكير في المستقبل، بحد ذاته، فعلاً من أفعال المقاومة المدنية ضد واقع فرضته فوهات البنادق.

جوهر الأطروحة التي قدمها حمدوك يكمن في استعادة مفهوم "العقد الاجتماعي" من رفوف النظرية إلى واقع الممارسة. فالسودان، في توصيفه الضمني، ظل لعقود "دولة بلا عقد"، وسلطة تفتقر إلى الشرعية المستدامة، وجيشاً تلاشت فيه الحدود الفاصلة بين الاحتراف المهني والتوغل السياسي. وهذا النداء لعقد جديد ليس مجرد شعار فضفاض، بل هو اعتراف صريح بأن المأزق السوداني أعمق من تغيير الوجوه.

إن الدولة التي تقوم على المواطنة المتساوية هي النقيض المباشر لدولة "الامتيازات والتمكين"، التي حكمها نظام سخّر السلاح لخدمة مشروع إيديولوجي. وهنا يبدو حمدوك كأنه يعيد تعريف "نقطة البداية"، رافضاً استئناف المسير من منتصف طريق معطوبة، وأدى بالبلاد إلى حافة الهاوية يوم تم الانقضاض على المسار الديمقراطي.

في هذا السياق التحليلي، لا تظهر الحرب الدائرة حالياً كحدث عارض، بل كتعبير عنيف عن غياب الإجماع الوطني وفشل محاولات فرض الإرادة بالقوة. فعندما تُجهض السياسة وتُستبدل بالانقلابات، يحل "الرصاص" حتماً محل "الحوار"، وتصبح القوة المادية هي المصدر الوحيد للشرعية المتوهمة.

إن هذه الحرب هي النتيجة الحتمية لفشل الدولة في حسم الأسئلة الجوهرية: من يحكم؟ وكيف يحكم؟ ولمصلحة من؟ وهي في ترجمتها اليومية تعني انهيار الضمانات الأساسية للحياة؛ دمار يتسع، وأمان يتبخر، واقتصاد يتهاوى، وخدمات تتلاشى، بينما يدفع المواطن البسيط كلفة صراع لم يشرك في قراره، لكنه صار حطبه الأول.

ثمة جرأة سياسية في مقاربة حمدوك لتركة النظام البائد، إذ إن استحضاره لنماذج "تفكيك النازية" أو "إنهاء الأبارتهايد" لا يأتي من باب الاستعراض التاريخي، بل كتحذير بنيوي: إن المجتمعات التي لا تحاسب مشاريعها التدميرية، تظل رهينة لإعادة إنتاجها بأسماء وأقنعة جديدة. إن الدعوة هنا ليست للإقصاء والتشفّي، بل لإعادة الاعتبار للسياسة كفعل مدني خاضع للقانون، لا غطاءً للدين أو ذريعة للانقلاب.

أما الموقف من المؤسسة العسكرية، فهو يلامس "عصب الأزمة". إن إعادة تعريف دور الجيش ليست ترفاً مثالياً، بل هي "شرط وجود" للدولة نفسها. فالدولة التي تتعدد فيها الجيوش، أو يحتكر فيها السلاح القرار السياسي، هي دولة مؤجّلة بامتياز. والتحذير من المليشيات الموازية يمثل تشخيصاً دقيقاً لسيادة منقوصة لن تستقيم من دون احتكار الدولة المشروع للعنف المنظّم تحت رقابة مدنية كاملة.

لا يقدم الدكتور حمدوك برنامجاً سياسياً جاهزاً بقدر ما يضع المجتمع السوداني أمام مرآة مسؤوليته. فوقف الحرب ليس مجرد مطلب إنساني، بل هو "مدماك التأسيس" الأول لاستعادة الدولة من خاطفيها. وأي توافق يقفز فوق جذور الأزمة لن يكون سوى تسوية تعيد إنتاج الصراع بصيغ أكثر وحشية.

بين منطق السلاح ومتاهات التسويات السطحية، يظل خطاب «العقد الجديد» تذكيراً بحقيقة لا تقبل المواربة: لا مستقبل للسودان بلا دولة مدنية، ولا دولة بلا عقد اجتماعي مُلزم، ولا عقد اجتماعياً يمكن أن يُكتب بغير مداد الحرية والديمقراطية، وتحت سلطة مدنية كاملة.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق