"لن ترَى" - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"لن ترَى" - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 11:13 صباحاً

سارة الدّنف

 

 

لن تكون المساحة بهذا الفراغ الداكن لو وجدت رقعة من الإيمان لتهدّأ من روعك، فقد قيل في الإصحاح الحادي عشر، الآية الأولى، من الرسالة إلى العبرانيين، إن الإيمان هو الثقة بما يُرجى، والإيقان بأمور لا ترى. لكن كيف السبيل للتمسك بما تصعب رؤيته، بذلك الذي ينساب من بين الأصابع كالعبرات المنهمرة بعد الخذلان والفرص؟ كيف السبيل إلى الرجاء، وطريق الأحلام لم تكن محفوفة إلّا بالأوهام والحفر؟

الصلوات قد تساعدهم على بلوغ الرجاء. رأيتهم، وسمعت أصواتهم، وشاهدتهم يركعون وأنا متسمَرة في مكاني، عاجزة. أدرك أن ما يدور من حولي تمثيلية نرغب أشد الرغبة في إتقانها كي لا يقتلنا الشك بين حيطاننا المقفلة. أدرك أن التمسك بطواحين الكتب الموحَدة بلغنا عندما خانتنا الوحدة مع الكتب الكثيرة وغير المجدية. ولم استخدام صيغة المتكلم وأنا منفصلة عنهم، ولا تربطني بهم إلّا الذكريات القديمة، ولرغبتي في محاكاة صلواتهم حاجة أقرب منها إلى النوستالجيا من الإيمان؟

pexelspixabay268134_110800.jpg

لقد أعطوا بعضهم البعض السلام. وجاؤوا به إليّ، فكذبت. أعطيت شيئًا لا أمتلكه، ولم أعرف يومًا كيف أصبو إليه. فكليّ فورة ونقمة وعدم انضباط أمام الحياة. أعطيته بطرف اليد، خشية أن أشارك مع من استكان لوعة من لوعاتي المضجرة، والمحبَة للسهر. 

استمعت مطوّلًا. استمعت بإمعان إلى تلك القصة التي أعرفها منذ الصغر. وتركت عقلي يهيم في ترجمة الترانيم للّغة التي عرفها بها للمرة الأولى. حينها عدت إلى مذودي الخاص، في جوقة الميلاد وزينة العائلة المقدسة في بحمدون. عدت إلى تلك الفتاة المتباهية بحفظ التراتيل عن ظهر قلب، وتمنيّت لو كنت مكانهم، لو كان لي مكان بينهم. 
القداس الذي اعتدته لم يكن بذلك الزخم، لم يكن فيه "أورغ" ضخم يذكر بأجواء شبح الأوبرا. الأورغ الذي عهدته كان لوحًا إلكترونيًا يمتلكه أستاذ الموسيقى، ويتنقّل به أينما حلّ. هو الذي ألّف لي في أحد الأيام أغنية متماشية مع اسمي يوم ثرثرت في حصّته، فآثر الموسيقى بدلًا من التوبيخ. غالبًا ما كنت محبوبةً من أساتذة الموسيقى في صغري، حتّى ذلك الذي تمرّدت على طريقته "الاستبداديّة" بالتعامل مع الآخرين. هذه الذكرى تحديدًا، في خضم القداس أعادت شيئًا من ابتسامة لدموعٍ هَوَت رغمًا عنّي. 
لحظاتٌ كهذه ليست بالعمق الذي نرجوه. لا شيء يجمع البشر في إطار باذخ كهذا يحمل معنى روحانيًا بنظري، إلّا أن ما مُنحته آنذاك كان عودة عنيفة إلى الماضي، لا أعلم إن كنت بحاجة إليها؛ فهي لم تأتِ أبدأ في وقتها، ولم تكتفِ بل بعثرت كل شيء في طريقها. بعثرت كلّ ما أحاول يوميًا توضيبه في ظل فوضاي التي تعيش في خريف دائم المشكلات المتساقطة.
تذكرت حينها عبارة، يقال إنها لجلال الدين الرومي :"ما زرع الله في نفسك رغبة في الوصول لأمر معين إلّا لأنه يعرف أنك ستصل إليه، إذ لا يكلّف الله نفسًا إلّا وسعها". فهل كانت نفسي هي التي لم تعد تتسع لأحلامي، فضيّقت عليها جميع الأبواب؟ أم أنني لا أصل، لأن الله ليس بالزارع لتلك الرغبة؟ وأنّ عليّ العودة إلى الوراء بحثًا عن تلك اللحظة التّي فقدته فيها، فيرشدني؟! 
لكن تلك اللحظة قديمة جدًا، ولا يسعني فيها المسامحة على من فقدت. كيف أسامح ومن فقدت كانت جدّتي، والفراغ الذي أحدثته لم تسعه كل سنيني اللاحقة لملئه بذكراها؟  فأنا أعود إليها كل ليلة، إلى تلك اللحظة التي تشبه الدهر، فهي قد أضحت الآلهة التي قد أصلّي لها، وأدنو من شالها الرمادي، ولا أعرف كيف قد تخوّلني نفسي أن أؤمن مجدّدًا بمن أخذها مني عنوةً، ذات مساء شديد المطر والبرودة.

هل أعود واضطر إلى أن أصلي هذه المرة لأجلها، وأقول رغبة في إراحة كاهلي، متّكئةً على المنزّه عن الأزواج والعدد: توكّلت… توكّلت على مولاي… الحاكم الأحد؟

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق