نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تحمّلت مصر أكثر مما تحتمل.. شهادة زهير الشايب عن الوحدة مع سوريا - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 11:02 صباحاً
زهير الشايب (1935- 1982) كاتب ومترجم مصري، وُلد في قرية البتانون بمحافظة المنوفية، عمل في التدريس والترجمة، وأتقن اللغة الفرنسية، ما أهّله لأن يكون أحد أبرز المترجمين العرب في النصف الثاني من القرن العشرين. ارتبط اسمه بمشروع ترجمة موسوعة «وصف مصر»، حيث أنجز بمفرده ترجمة أجزاء كبيرة منها في ظروف مادية وثقافية شاقة، قبل أن يُستكمل المشروع بعد وفاته، وهو جهد نال عنه جائزة الدولة التشجيعية ووسام العلوم والفنون من الطبقة الأولى عام 1979. إلى جانب الترجمة، كتب الشايب أعمالًا إبداعية لافتة، من بينها كتابه «السماء تمطر ماءً جافًا» الذي صاغ فيه تجربته الشخصية حين عمل مدرسًا في سوريا خلال سنوات الوحدة مع مصر.
لم يكتب زهير الشايب «السماء تمطر ماءً جافًا» ليحاكم تجربة الوحدة المصرية- السورية من علٍ، ولا ليقدّم بيانًا أيديولوجيًا، ولا ليصفّي حسابًا سياسيًا متأخرًا. الكتاب منذ سطوره الأولى يقول إن صاحبه لا يدّعي امتلاك الحقيقة، لكنه يملك ما هو أخطر: المعايشة. الشايب هنا لا يتحدّث باسم دولة ولا حزب ولا تيار، بل باسم مواطن مصري وجد نفسه داخل تجربة تاريخية كبرى، لا بوصفه صانعًا لها، بل بوصفه واحدًا من أولئك الذين دفعوا ثمنها المباشر.
عمله مدرسًا في مدينة حماة خلال العام الدراسي 1960- 1961 لم يكن تفصيلًا عابرًا في حياته، بل اللحظة التي تحوّل فيها الحلم القومي من فكرة مجردة إلى واقع يومي، له وجوه وأصوات ومكاتب وإدارات ونظرات شك وعداء مكتوم. من هنا تأتي نبرة مذكرات الشايب: هادئة في ظاهرها، لكنها محمّلة بمرارة من يعرف أن ما يكتبه هو محاولة للفهم قبل أن تكون إدانة.
الشايب لا يكتب ضد الوحدة، بل ضد الوهم الذي أحاط بها. ضد تحويل الحلم إلى بديل عن السياسة، وضد التعامل مع الدولة بوصفها تفصيلًا يمكن القفز عليه بالشعارات. لذلك يبدو الكتاب أقرب إلى مساءلة عقل عربي كامل، لا إلى تسجيل موقف من حدث مضى.
هو يلتقط لحظة كان فيها كل شيء مهيأ للانفجار: دولة مصرية قديمة، مستقرة، مثقلة بالبيروقراطية لكنها تعرف نفسها، في مواجهة كيان سياسي سوري لم يحسم بعد علاقته بالدولة، ولا بحدود السلطة، ولا بمعنى الاستقرار. وبين الطرفين، حُشر عبد الناصر، لا باعتباره ديكتاتورًا يفرض إرادته، بل باعتباره زعيمًا جرى تحميله أكثر مما يحتمل.
في المذكرات، يظهر بوضوح أن الوحدة لم تكن ثمرة نضج سوري داخلي، بل جاءت نتيجة ضغط متواصل من نخب سياسية وعسكرية سورية رأت في عبد الناصر مخرجًا من مأزق خانق. سوريا ما قبل الوحدة لم تكن دولة تبحث عن شراكة متكافئة، بل ساحة مفتوحة على الانقلابات والمؤامرات وتبدّل الولاءات. الدولة هناك لم تكن قدرًا مستقرًا في الوعي العام، بل كيانًا مؤقتًا يمكن تغييره ببيان إذاعي.
في هذا السياق، لم يكن اللجوء إلى عبد الناصر تعبيرًا عن إيمان طويل الأمد بمشروع وحدوي، بقدر ما كان محاولة للاستقواء برجل ودولة قادرين على فرض النظام من الخارج، من دون أن تضطر النخب المحلية إلى دفع ثمن بناء الدولة من الداخل. وهنا تكمن نقطة التوريط الكبرى التي يلمّح إليها الكتاب بذكاء.
عبد الناصر لم يذهب إلى سوريا فاتحًا، بل دُعي بإلحاح. لم يفرض الوحدة، بل جرى استدعاؤه لإنقاذ وضع سياسي مأزوم. لكنه حين قبل، لم يُمنح شريكًا حقيقيًا، بل أُلقيت على عاتقه دولة كاملة، بكل تناقضاتها وأزماتها المؤجلة. ما جرى عمليًا هو أن عبد الناصر حُمِّل عبء إدارة بلد لم يكن مستعدًا لأن يُدار، ولا لأن يندمج، ولا لأن يتخلّى عن شبكات مصالحه الداخلية. ومع ذلك، استمر، مدفوعًا بإيمانه العميق بالحلم القومي، وبثقته في الجماهير، وباعتقاده أن الزمن كفيل بتسوية التناقضات.
زهير الشايب، وهو يراقب التفاصيل اليومية في سوريا، يلتقط هذا الخلل البنيوي بدقة لافتة. المصري، القادم من دولة مركزية عتيقة، يتعامل مع السلطة بوصفها قدرًا ثقيلًا لكنه مستمر. يمكنه الاعتراض داخلها، لكن لا يُفكّر في هدمها. السوري، على العكس، يتعامل مع السياسة بوصفها ساحة مناورة، لا بوصفها إطارًا ثابتًا. الدولة ليست نهاية المطاف، بل مرحلة عابرة. هذا الفارق العميق لم يُؤخذ في الحسبان، لا في لحظة الوحدة، ولا في إدارتها، ولا حتى في لحظة انهيارها.
الأخطر أن العلاقة السورية لم تكن في جوهرها مع مصر كدولة، بل مع عبد الناصر كشخص. السوريون لم يحبّوا مصر بقدر ما أحبّوا عبد الناصر، لأنهم رأوا فيه الرجل الذي حقق لهم ما عجز حكامهم السوريين عن تحقيقه: وزنًا سياسيًا إقليميًا، تحسّنًا اقتصاديًا، توسّعًا في التعليم، وإحساسًا بالقوة والانتماء. كان حبًا للحل الجاهز، لا للشراكة طويلة المدى. وحين بدأ هذا الحل يطالب بثمن حقيقي، حين ظهرت المركزية والانضباط وتقييد اللعب السياسي الداخلي، انقلب الحلم إلى عبء.
الانفصال في 28 سبتمبر 1961، لم يكن مجرد قرار سياسي، بل لحظة سقوط أخلاقي وسياسي معًا. لم تجرِ مراجعة ذاتية حقيقية، ولم يُطرح سؤال المسؤولية، بل جرى تحميل التجربة كلها للطرف المصري. عبد الناصر، بحضوره الطاغي، صار شماعة جاهزة لكل فشل، وغُطّي بذلك عجز بنية سياسية سورية لم ترغب في النظر إلى نفسها. هذا الانفصال كان أول هزيمة سياسية حقيقية لعبد الناصر، لا لأنه خسر مشروع الوحدة، بل لأنه اكتشف أن الحلم الذي حمله لم يكن مشتركًا بالقدر الذي تصوّره.
ما بعد الانفصال كان أكثر فجاجة. هنا يتحوّل الكتاب إلى شهادة دامغة على ما تعرّض له المصريون في سوريا. لم يكن الأمر خروجًا هادئًا من تجربة لم تكتمل بل انتقامًا غير مبرر: نهب ممتلكات، مصادرة بيوت، ملاحقات إدارية وأمنية، ومعاملة مهينة لمعلّمين وموظفين لا ذنب لهم سوى أنهم مصريون. الشايب لا يبالغ ولا يصرخ، لكنه يترك الوقائع تتراكم حتى تصبح الإدانة ذاتية. من استفادوا من ثقل الدولة المصرية لم يترددوا في التنكّر لها لحظة الخروج، بل في التنكيل بأفرادها، وكأنهم يريدون محو أي أثر للشراكة السابقة.
ويتجاوز الكتاب مستوى السياسة إلى تفكيك البنية الاجتماعية نفسها. فالكاتب يشير بوضوح إلى أن المجتمع السوري لم يكن مجتمعًا متجانسًا، بل فسيفساء متجاورة أكثر منه كيانًا واحدًا، محافظات متباعدة عرقيا ودينيا ونفسيًا وثقافيًا، وبلدات لكلٍّ منها ولاءاتها وحساباتها، وهو ما جعل فكرة الدولة المركزية — فضلًا عن الوحدة — فكرة هشّة في الوعي اليومي.
في المقابل، يضع الشايب هذه الصورة على النقيض من المجتمع المصري، الذي تشكّل تاريخيًا بوصفه مجتمعًا متجانسًا، اعتاد العيش داخل دولة واحدة، بسلطة واحدة، وإيقاع اجتماعي واحد، مهما اختلفت طبقاته أو تنوّعت طبقاته الثقافية.
ومن داخل هذا التفاوت البنيوي، يكشف الشايب مفارقة نفسية شديدة القسوة: قطاعات واسعة من السوريين أسقطت على مصر، وعلى عبد الناصر تحديدًا، كل أزماتها السابقة. عبد الناصر هو من سيعيد لواء الإسكندرونة السليب، وهو من سيجلب المطر حين يشحّ، وهو من يُنتظر منه أن يعلّم الأبناء، ويوظّف الشباب، ويشغّل العاطلين، ويعوّض غياب الدولة السورية عن مواطنيها. وحين تعثّر الحلم، أو تبيّن أن الدولة المصرية ليست قادرة — ولا مطالبة — بأن تكون دولة بديلة عن مجتمع كامل، انقلبت هذه التوقعات إلى نقمة، وتحولت من تعويل إلى اتهام.
ويسجّل الكتاب، بمرارة واضحة، هذا التناقض الحاد في التعامل مع المصريين داخل سوريا، حاجة دائمة إلى الدولة المصرية، يقابلها شكّ وعداء تجاه كل مصري موجود على الأرض السورية. فالمعلّم، والموظف، والخبير، لم يُنظر إليهم بوصفهم شركاء في مشروع، بل جرى التعامل معهم — في كثير من الحالات — كضباط مخابرات محتملين، وجواسيس لعبد الناصر، وامتداد مباشر لسلطة مركزية يُخشى حضورها بقدر ما يُستدعى عند الحاجة.
وهكذا يكشف الشايب أن الأزمة لم تكن فقط أزمة قرار سياسي أو إدارة مركزية، بل أزمة وعي اجتماعي لم يحسم علاقته بفكرة الدولة، ولا بفكرة الشراكة، ولا حتى بفكرة المسؤولية عن الفشل.
تحملت مصر العبء الاقتصادي الكامل للوحدة، من استثمارات وبنية تحتية ومشاريع تعليمية، بينما لم تحقق أي مكاسب على أرضها. بالمقابل، استفادت سوريا من هذه الموارد، ومع ذلك لم يرضِ هذا السوريين الذين استمروا في المطالبة بمزيد من الحقوق، دون أن يقدموا شيئًا بالمقابل.
يرصد الشايب أثر هذه التجربة على الرئيس عبد الناصر نفسه. منذ الوحدة، ثم الانفصال، بدأ الرجل يدفع ثمنًا جسديًا ونفسيًا واضحًا. الضغوط، الخذلان، الإحساس بأن الحلم انكسر من الداخل، كل ذلك سبق هزيمة 1967، ومهّد لها نفسيًا وسياسيًا. وليس من المصادفة أن الطريق إلى تلك الهزيمة مرّ مرة أخرى عبر المسرح السوري، بمشاكله المزمنة في القيادة والتنسيق وتقدير المواقف. كأن الجرح الذي لم يُعالَج سياسيًا عاد لينزف عسكريًا.
كانت علاقة عبد الناصر بسوريا وبالا عليه وعلى مصر من كل النواحي سياسيًا واقتصاديًا وعسكريًا، بل إن عبد الناصر لم يصب بالأمراض إلا بعد أن حكم سوريا.
في النهاية، «السماء تمطر ماءً جافًا» ليست كتابًا عن سوريا فقط، ولا عن مصر فقط، ولا حتى عن عبد الناصر وحده. بل شهادة عن وهم عربي متكرر: الاعتقاد بأن الحلم يمكن أن يعوّض غياب الدولة، وأن النوايا الحسنة يمكن أن تحل محل التفكير العقلاني، وأن زعيمًا واحدًا قادر على حمل ما تعجز عنه مجتمعات كاملة.
المطر نزل، لكن الأرض لم تكن مهيّأة. لا لأن الحلم كان خاطئًا، بل لأن من استدعوه لم يكونوا مستعدين لتحمّل تبعاته. وهذا هو الاتهام الحقيقي الذي يوجّهه زهير الشايب، بهدوء قاسٍ، ومن موقع الشاهد لا الخصم.
















0 تعليق