نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين تصبح الجودة ملفاً.. ويغيب أثرها - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 04:48 مساءً
تابع قناة عكاظ على الواتساب
في أروقة مؤسساتنا التعليمية، يتكرر مشهد يومي مؤلم: أكاديمي متميّز وباحث نادر، يحمل شغفاً كبيراً لنقل المعرفة ومتمكن تعليمياً من أرقى الجامعات، لكنه غارق خلف تلال من النماذج ومؤشرات الأداء. يلاحق «الموعد النهائي» لتسليم الملفات والمهام الإدارية، بينما ينتظره طلابه شغفاً بمعلومة قد لا يجد وقتاً لتحضيرها كما ينبغي. وهنا يبرز السؤال الذي يُخشى طرحه: هل أصبحنا نهتم بـ «إثبات» أننا نعمل، أكثر من اهتمامنا بـ «العمل» نفسه؟
لا خلاف على أهمية الجودة كإطار لضبط الأداء والتحسين، لكن الإشكالية تبدأ حين يتلاشى الحد الفاصل بين ثقافة الجودة وبيروقراطية التوثيق، ويتحول الهدف من تحسين تجربة الطالب إلى إرضاء الجهات الحاكمة للجودة. فالمكلفون بهذه النماذج غالباً غير مقتنعين بجدواها لكنهم مجبرون عليها، حيث اختزل مفهوم الجودة في ملف مكتمل ومدعّم بالشواهد، وكأن اكتماله يعني بالضرورة تعليماً متميزاً، بينما الواقع قد يروي قصة مختلفة.
إن الهوس بملء الخانات حوّل (غيّر ونقل) الأستاذ الجامعي من باحثٍ مُنتج وقائدٍ فكري، إلى «موظف أرشيف» يقضي نصف وقته في التوثيق؛ مما يستنزف الطاقة الذهنية التي هي حق أصيل للطالب، ويقتل روح البحث العلمي والابتكار التي تتطلب وقتاً وتفرغاً تلتهمه بيروقراطية الورق. فالجودة الحقيقية هي ما يحدث داخل عقل الطالب وما يُنتج في معامل البحث؛ هي المهارة والشغف والاكتشاف العلمي الذي لا تسعه النماذج الجامدة.
نحن بحاجة ماسة لإعادة ضبط البوصلة نحو نظام جودة «رشيق» (Agile Quality) يخدم العملية التعليمية ولا يثقل كاهلها؛ نظام يقيس الأثر لا مجرد الجهد. فالهدف الأسمى أن أعظم منتجاتنا هم «بشر» يبنون المستقبل، وليست «تقارير» تُهمل.
حقائق للتفكر من الواقع:
• تضطر بعض المؤسسات لتجميع قرابة 9,500 ورقة وكتابة 1,500,000 حرف في ملف «الدراسة الذاتية» لمحاكاة معايير الجودة!
• السعي لإعادة طرح وثائق قديمة فقط لتحتوي على «ختم» يوثقها استجابة للمتطلبات.
• البعض لا يفقه جزءاً كبيراً مما كُتب في تلك الملفات، والبعض يلجأ لحلول شكلية لتغطية الفجوات.
• انحسار النشر النوعي؛ إذ استُهلك وقت الباحث في «وصف» الجودة بدلاً من «صناعتها».
كل ذلك في سبيل شهادة اعتماد قد تتحول إلى «ورقة مُذهبة» تعكس خلاف الواقع. والسؤال الذي يبقى برسم الإجابة: هل الخلل في التنفيذ، أم في منظومة الحوكمة ومعاييرها؟
إذا كانت الجودة عبئاً على المعلّم ومُلهية له عن أساس مهنته، فهي في جوهرها مشكلة لا حلاً. الجودة المستحقة هي التي تُحرر العقل الأكاديمي ليبدع، لا التي تُقيده ليُثبت أنه يعمل. وأي نظام لا يضع الطالب أو المنتج المعرفي في مركزه يحتاج إلى مراجعة تحسينية شجاعة، لا شكليات ورقية طائعة؛ وإلا تصبح الجودة ملفاً.. ويغيب أثرها.
قدمنا لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى هذا المقال : حين تصبح الجودة ملفاً.. ويغيب أثرها - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 04:48 مساءً











0 تعليق