نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
آلة الدعاية بالخارج: كيف يبني إعلام الإخوان الإرهابية روايات متضاربة ويغذي التضليل؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 يناير 2026 06:55 مساءً
يعتمد إعلام جماعة الإخوان في الخارج على خطاب متقلب لا تحكمه معايير مهنية بقدر ما تحكمه ضرورات اللحظة السياسية ومصالح التنظيم العابر للحدود. هذا الإعلام الذي يبث من دول في المنطقة وأوروبا يقدم نفسه كمنصة للدفاع عن الديمقراطية وحقوق الإنسان بينما يكشف تتبع محتواه عبر السنوات عن شبكة من التناقضات الصارخة في المواقف والتصريحات، وتبدل الروايات وفق اتجاه الريح السياسية لا وفق الحقيقة أو الوقائع الثابتة.
ففي الوقت الذي يهاجم فيه هذا الإعلام بعض القوى الدولية ويتهمها بالتآمر أو النفاق السياسي عند اتخاذ مواقف لا تخدم التنظيم، سرعان ما يتحول الخطاب نفسه إلى نبرة استعطاف ومناشدة عندما تتقاطع المصالح، فتخرج الدعوات للضغط والتدخل الدولي وإعادة فتح قنوات الحوار. هذا التناقض لا يعكس تطورًا طبيعيًا في الرؤية السياسية بقدر ما يعكس براغماتية حادة تستخدم الخطاب كأداة لا كمبدأ.
ويظهر الارتباك بوضوح في التعاطي مع ملف العنف، حيث تصر بعض المنصات التابعة للتنظيم على تقديم الجماعة في صورة الضحية السلمية، بينما تتجاهل أو تبرر خطابات وتحركات أكثر تشددًا صدرت عن قيادات أو تيارات داخلية في فترات مختلفة. وبينما يتم نفي أي صلة بهذه الخطابات أمام الرأي العام الخارجي، تعود نفس المنصات لتبريرها ضمنيًا عند مخاطبة جمهور مختلف، ما يكشف ازدواجية متعمدة في الرسائل الإعلامية.
كما يعتمد هذا الإعلام على الانتقائية المفرطة في تغطية الأحداث، فيتم تضخيم وقائع معينة وتقديمها خارج سياقها الإقليمي أو الزمني لإثارة التعاطف، مقابل تجاهل أحداث أخرى لا تخدم السردية المطلوبة. ويتم ذلك عبر إعادة تدوير نفس المواد والمصطلحات في أكثر من منصة وبأكثر من لغة، لخلق انطباع زائف بوجود إجماع دولي حول رواية واحدة، بينما المصدر الحقيقي واحد والخط التحريري واحد وإن تعددت الواجهات.
ولا ينفصل هذا الأداء عن شبكة من الجمعيات والمنصات الحقوقية والإعلامية التي تعمل في دول بالمنطقة وأوروبا تحت عناوين مدنية وإنسانية، بينما توظف فعليًا في معارك ضغط سياسي وإعلامي. تقارير بحثية وأمنية متعددة رصدت هذا النمط، وأكدت أن الخطاب الحقوقي يستخدم أحيانًا كغطاء لتبرير مواقف سياسية متناقضة، أو لتبييض أخطاء حلفاء التنظيم والتغاضي عنها تمامًا.
النتيجة النهائية لهذا النهج هي حالة مستمرة من التضليل وإرباك الوعي العام، حيث لا يسعى إعلام الإخوان إلى إقناع الجمهور بالحقيقة بقدر ما يسعى إلى إنهاكه بتعدد الروايات وتشابكها. ومع تكرار الرسائل نفسها عبر منصات مختلفة، يتحول الكذب من واقعة قابلة للانكشاف إلى سردية متداولة يصعب تفكيكها دون جهد بحثي جاد ومقارنة دقيقة بين التصريحات والمواقف عبر الزمن.
من أبرز الوقائع الدالة على تضارب مواقف إعلام الإخوان في الخارج ما حدث عقب عزل الجماعة من الحكم في مصر عام 2013، إذ شنّت المنصات التابعة لهم هجومًا حادًا على الدول الغربية واتهمتها بدعم ما وصفوه بالانقلاب على الديمقراطية، ووصفت مواقفها بالخيانة لمبادئ الحرية وحقوق الإنسان. وبعد فترة قصيرة، عاد الخطاب نفسه ليناشد هذه الدول ذاتها بالتدخل والضغط السياسي والإفراج عن قيادات الجماعة وإعادة دمجها في المشهد السياسي، في تحول فج كشف أن الهجوم لم يكن موقفًا مبدئيًا بل أداة ضغط مؤقتة تتغير بتغير المصالح.
الواقعة الثانية تتعلق بملف العنف، حيث دأب إعلام الإخوان على تقديم التنظيم أمام الرأي العام الخارجي باعتباره حركة سلمية تتعرض للقمع، نافياً أي صلة له بأعمال عنف أو تحريض. في المقابل، وثّقت فترات متعاقبة صدور بيانات وتصريحات من قيادات محسوبة على الجماعة تبرر ما أسمته “المقاومة” أو “الدفاع المشروع”، بينما تجاهلت المنصات الإعلامية هذه التصريحات أو أعادت تأطيرها لتبدو معزولة أو مجتزأة. هذا التناقض بين الإنكار العلني والتبرير الضمني كشف ازدواجية واضحة في الخطاب الموجّه للجمهورين المحلي والدولي.
أما المثال الثالث فيتجسد في التعاطي مع قضايا حقوق الإنسان في دول المنطقة، حيث يضخم إعلام الإخوان أي انتهاكات في دول تختلف سياسياً مع التنظيم، مستخدماً لغة حادة وتقارير مطولة وشهادات إنسانية مؤثرة، بينما يلتزم الصمت أو يخفف لهجته إلى حد التبرير عندما تتعلق الوقائع بدول أو أطراف توفر له ملاذًا أو دعمًا سياسيًا وإعلاميًا. هذا الانتقاء الصارخ حوّل الخطاب الحقوقي من أداة دفاع عن القيم إلى وسيلة تصفية حسابات، وأسقط عنه أي ادعاء بالحياد أو المصداقية.
إعلام الإخوان في الخارج لا يمكن قراءته كإعلام معارض، بل كأداة اشتباك سياسي تستخدم التناقض، وتتعامل مع الحقيقة بوصفها مادة قابلة لإعادة الصياغة. كشف هذه المنظومة لا يكون بالرد الانفعالي، بل بتتبع التصريحات، وربطها بسياقاتها، وفضح الفجوة الواسعة بين ما يقال اليوم وما قيل بالأمس، وهي فجوة كافية وحدها لإسقاط سردية المظلومية من أساسها.













0 تعليق