نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
إلى متى تبحثون عن «قيادة خارجية»؟! - تواصل نيوز, اليوم السبت 3 يناير 2026 10:42 صباحاً
يشعر كل مواطن قومي- عروبي بحزن كبير ومرارة شديدة وهو يراقب تزايد اعتماد دول عربية على الدعم الخارجي، استمرارًا لنهج فرضه الاستعمار الأوروبي منذ أكثر من قرن، حينها أقر الاحتلال حدودًا سياسية واقتصادية، وتعمد إبقاء النخب المحلية ضعيفة ومتعاونة، حتى أصبح مستقبل دولها مرتبطًا بتوازنات خارجية، هذا الإرث الخبيث خلّف تبعية مستمرة في إدارة تلك البلدان.
الشعور الذي أعيشه، ويعيشه كثيرون غيري، ينبع من قناعة بالانتماء للأمة العربية، وإدراك أهمية الوحدة الثقافية والسياسية بين شعوب المنطقة، مع الاهتمام بالمصالح المشتركة دون المساس بخصوصية كل دولة. هذه الروح التي تجمع بين الانتماء المحلي والوعي القومي تساعد في الحفاظ على الوحدة النسبية للمنطقة رغم التحديات المستمرة، والصراعات المعقدة التي تهدد الأمة.
أعلم أن التقسيمات الاستعمارية تركت دولًا ذات هويات متناقضة، مما أتاح للقوى الدولية التي ملأت الفراغ، لاحقًا، فرض نفوذها عبر دعم عواصم بعينها، وجماعات موالية ترى الاعتماد على الخارج ضرورة للبقاء السياسي والاقتصادي، هذا الأسلوب المتكرر ينعكس على مفاصل القرار فيها، ويجعل دولها مستسلمة للتوجيهات، بعدما صارت سياساتها الداخلية رهينة للضغط الخارجي.
خلال الحرب الباردة، وجدت بعض دول الإقليم نفسها مضطرة للانحياز إلى واشنطن أو موسكو لتأمين الدعم العسكري والاقتصادي، هذا الانحياز كان تعبيرًا عن تناقضات جيوسياسية أكبر، وأدى إلى تعكير صفو العلاقات العربية- العربية، وتشتيت القدرة على اتخاذ قرارات مستقلة، صار الاختيار الاستراتيجي مرتبطًا بالتحالفات الدولية بدلًا من المصالح الوطنية.
تكبيل السياسات الداخلية في بعض دول الجوار يظهر بقوة خلال العقود الأخيرة، خاصة أن المنطقة تشهد تدخلات مباشرة وغير مباشرة تتراوح بين الدعم العسكري والتخطيط السياسي والاستخباراتي. التحالفات الاستراتيجية، وإن كانت تحقق مكاسب مؤقتة، فإنها تحوّل السياسات المحلية إلى أدوات لخدمة مصالح القوى الكبرى، وتصبح دولها عرضة لتقلب السياسات الإقليمية والدولية.
يمكن رصد تأثير التبعية في فقدان شعوب مجاورة الثقة في مقدراتها الوطنية، بعدما رهنت دولها قراراتها الداخلية للتدخل الخارجي. يعكس ذلك تقصير الحكومات في تعزيز السيادة، مما يزيد الفجوة بينها وبين المجتمعات المحلية، وفي المقابل، أصبحت البنى السياسية والمؤسسية أكثر هشاشة، فاقدة القدرة على مواجهة الأزمات، ويصعب عليها حماية الاستقرار الداخلي أمام أي مؤثرات.
الصورة أصبحت أوضح منذ مطلع عام 2011، مع تدخلات متكررة في الشؤون السياسية والعسكرية، حيث صارت خيارات التخطيط الدفاعي مرتبطة بمصالح قوى خارجية «طامعة» في الإقليم. تتسبب هذه الظاهرة في اتساع نطاق التهديدات، وتجعل التحركات السياسية والأمنية لتلك العواصم رهينة لمصالح خصوم خارجيين، مع تراجع هامش المناورة الداخلية.
تفاقم الصراعات الداخلية في دول عربية تواجه استنزافًا وتفتيتًا، يظهر ضعف مؤسساتها وعجزها عن فرض الأمن والسيادة في مواجهة المخططات التآمرية، بينما كشف العدوان الإسرائيلي على فلسطين (قطاع غزة والضفة الغربية) وأزمات أمن الملاحة في البحر الأحمر والقرن الإفريقي هشاشة سياسية ودبلوماسية واضحة نتيجة غياب الاستراتيجيات التي تحمي المصالح الإقليمية.
أدت عقود من التبعية في صناعة القرار السياسي إلى اضطرار الحكومات للتكيف مع الضغوط الخارجية عند صياغة تحالفاتها واستراتيجياتها الداخلية. هذا الوضع قلل استقلالية مؤسساتها الرسمية، فيما دفعت المجتمعات الثمن عندما وجدت نفسها ضحية لأجندات حكوماتها، التي أعادت إنتاج إرث الاحتلال الخبيث الذي رسخته في النخب القديمة واستكمله ورثتها الحاليون.
الدول التي تتعاطى التبعية، مهما فعلت، تظل رهينة للدعم المقدم من دول كبرى: تزويد الجيوش بالأسلحة، تبادل المعلومات الاستخباراتية. على المدى الطويل، تتحول الاستراتيجية الدفاعية إلى انعكاس لمصالح خارجية، ما يضع الدول المتورطة في هذا النوع من التحالفات في موقف ضعف أمام أي تغير يخدم مصالحها الوطنية، ويجعلها رهينة للخطط العسكرية والاقتصادية للقوى الداعمة.
يرتبط ملف التسليح غالبًا بتقنيات ومعدات محددة تجعل العمليات العسكرية الداخلية غير قابلة للتطوير دون دعم خارجي مستمر. يعتمد التدريب والتخطيط العسكري على استراتيجيات العواصم الكبرى الداعمة، ما يحد من قدرة الدول التابعة على تطوير قدراتها الذاتية، ويجعلها مرهونة لتقييم القوى المانحة لكل تحرك عسكري أو أمني، ويقيد أي استقلالية في صناعة القرار الدفاعي.
استراتيجيات التعاون في مجالات أخرى تكون مصممة باحترافية من قبل قوى كبرى لتؤثر مباشرة في السيادة الوطنية. تحاول هذه القوى تعطيل قدرة المجتمع المستهدف على بناء وعي مستقل، فيتحول النشاط المدني إلى أدوات للتوجيه، ما يؤدي إلى ارتباط متعدد المستويات ويضعف هامش المناورة، ويجعل خيارات الحكومات محدودة في مواجهة الأزمات، وتظل السيادة الوطنية معرضة للتآكل المستمر.
التاريخ الحديث في الإقليم يوضح أن استمرار هذه الأجواء يضعف المؤسسات المحلية، ويجعل النخب الموالية للدعم الخارجي موالية للعواصم الممولة، حتى لو تعارضت خططها مع السيادة الوطنية. تصبح أي محاولة لإصلاح السياسات المحلية تحديًا كبيرًا، حيث تتشابك مصالح داخلية وخارجية، تغذيها الاعتمادية الشاملة، وتطيل عمر التبعية المستمرة، ما يرسخ نمط الاعتماد عبر الأجيال.
قوى المصالح الدولية تخترق المجتمع المدني عبر تمويل مراكز بحث وجمعيات ومنظمات تحمل عناوين تنموية أو حقوقية، مع ربط التمويل بأجندات محددة. تُعاد صياغة الأولويات، ويجري استقطاب النخب المحلية عبر التدريب والمنح، فيتحول النشاط المدني إلى قناة تأثير سياسي غير مباشر يخدم مصالح خارجية، ويعمل على توجيه الخطاب العام بما يتوافق مع مصالح القوى الممولة.
النخب الموالية للخارج تُعد جزءًا من منظومة مكاسب القوى الدولية في المنطقة، تشمل هذه المكاسب الاقتصادية والاستراتيجية والسياسية، إذ تمثل الموارد الطبيعية عاملاً مباشرًا لجذب النفوذ الخارجي. ترسيخ التبعية يساعد على السيطرة على أسواق النفط والغاز والمعادن، وفتح فرص للاستثمار والبنية التحتية، بينما تبقى الدول المحلية محدودة الخيارات في تحديد سياساتها الوطنية دون موافقة داعميها الخارجيين.
الموقع الجغرافي الحيوي لبعض الدول يجعلها محط أنظار القوى الكبرى، التي تسعى لتأمين طرق التجارة والممرات البحرية وحماية قواعدها العسكرية. لذلك، تُصبح نشر القواعد والقوات أولوية بالنسبة للعواصم الكبرى، ويجد الحكام المحليون أنفسهم مضطرين لقبول شروط أمنية وترتيبات السيطرة العسكرية، ما يفرض قيودًا على القرارات السيادية ويقلل من استقلالية التخطيط الدفاعي، مع استمرار التبعية.
التوجيه السياسي الداخلي والإقليمي يعزز مصالح القوى الدولية المتصارعة، ويظهر في تقديم الحوافز المالية أو العسكرية المشروطة بتنفيذ سياسات محددة. كما تُستخدم التهديدات المباشرة وغير المباشرة، مثل العقوبات الاقتصادية، لفرض الطاعة. هذه الآليات تعمل كعامل ردع لإجبار الحكومات على الالتزام بسلوكيات متفق عليها، ما يضمن مصالح القوى الكبرى ويحد من أي محاولة لتحرير القرار الوطني والسياسة الداخلية من النفوذ الخارجي.
السياسة الدبلوماسية تُعد أداة أساسية لاستمرار التبعية، إذ يتم استخدام التحالفات الدولية والاتفاقيات الثنائية أو متعددة الأطراف لخلق شبكة رسمية وشرعية للنفوذ الخارجي. أي محاولة لاستقلال القرار الوطني تصبح محفوفة بالمخاطر السياسية والاقتصادية، بينما تضمن التحالفات استمرار التأثير الخارجي على السياسات المحلية، وتجعل الدول عاجزة عن التحرر الكامل دون مواجهة ضغوط دولية مستمرة.
هذه الآليات المتكاملة تخلق التزامات إجبارية تجعل بعض الدول تشعر بعدم القدرة على مراجعة اعتمادها الخارجي، حتى وإن كان يفرض تكلفة سياسية واقتصادية باهظة. ترى أن أي محاولة لتحرير السياسة الوطنية ستواجه صعوبات فورية، من خفض الحماية العسكرية إلى تحريك وسائل الإعلام الدولية لتشويه السياسات المحلية. وترتضي تحويل الاعتماد إلى تبعية دائمة، فيواجه القرار الوطني تحديًا مستمرًا.
تتعدد الأمثلة خلال السنوات الـ25 الماضية، بداية من غزو العراق، وتغيير أنظمة الحكم في سوريا، ليبيا، واليمن. استخدمت القوى الكبرى الضغط العسكري والاقتصادي والسياسي لضمان تبعية الأنظمة المحلية أو لتغيير موازين القوى، حتى إن البدائل المتاحة كانت أحيانًا جماعات وميليشيات كانت جزءًا من منظومة الإرهاب الإقليمي والدولي. كل هذه الحالات تثبت أن التبعية استراتيجية متكررة ومؤسسية.
التدخلات الاقتصادية الخارجية لا تقل تأثيرًا عن التدخلات العسكرية، توظف الضغوط المالية، التلاعب بأسعار السلع الأساسية والطاقة، وفرض قيود على القروض والمساعدات الدولية. السياسات توظفها القوى الكبرى ضد الدول تحاول الحفاظ على سيادتها، وغالبًا ما تُشوه أي حكومة تعمل على ترسيخ الاستقرار والتنمية الشاملة، ما يعيد إنتاج الاعتماد على الخارج كنهج طبيعي للإدارة السياسية.
تجربة مصر في تقليل الاعتماد الخارجي تُظهر أن بناء القدرات المحلية ممكن إذا توفرت إرادة سياسية واستراتيجية واضحة، منذ صيف 2013، بدأت الدولة تنفيذ مشاريع في المجالات العسكرية والزراعية والصناعية، إضافة إلى تطوير البنية التحتية الأساسية والطاقة المتجددة. هدفت هذه الخطوات إلى الحد التدريجي من التدخل الخارجي وإعادة الاعتبار للقرار السيادي المستقل.
شهدت نفس الفترة جهودًا لرفع كفاءة القوات المسلحة تقنيًا وعمليًا، شملت تحديث التسليح، تطوير برامج التدريب، وتعزيز القدرات الاستخباراتية والاستراتيجية. ركزت الدولة على بناء وحدات متخصصة للتعامل مع التهديدات الداخلية والإقليمية، بما يضمن استقلالية القرار العسكري وتقليل الاعتماد على الدعم الخارجي، مما يعكس مدى أهمية القيادة المركزية في تحقيق الأمن القومي والسيادة الوطنية.
الشروع المبكر في تطوير البنية التحتية كان جزءًا من رؤية استراتيجية شاملة، شملت شبكات الطرق والكباري، محطات المياه والصرف الصحي، الموانئ والمطارات. ساهمت هذه الجهود في تحسين كفاءة الخدمات وربط المحافظات ببعضها، ما دعم النمو الاقتصادي وخلق فرص عمل، وعزز القدرة على إدارة الموارد محليًا، ما قلل الاعتماد على الدعم الخارجي في المشاريع الحيوية وأسهم في تحقيق استقلالية نسبية.
حققت الزراعة المصرية منذ عام 2014 مكاسب ملموسة على مستوى التوسع الأفقي والرأسي، مع استصلاح مساحات واسعة من الأراضي الجديدة وتحسين إدارة الموارد المائية وتطوير نظم الري. عززت الدولة الإنتاج المحلي من المحاصيل الاستراتيجية، ورفعت كفاءة سلاسل التوريد والتخزين، ما دعم الأمن الغذائي وقلل الاعتماد على الاستيراد، مع تعزيز القدرات الإنتاجية المحلية لضمان استدامة الموارد الوطنية.
منذ منتصف العقد الماضي، اتخذت مصر خطوات واسعة نحو الطاقة المتجددة، بإطلاق مشاريع محطات الرياح والطاقة الشمسية على نطاق واسع، وتطوير البنية التحتية للغاز الطبيعي. ركّزت الدولة على زيادة الحصة المحلية من الكهرباء المنتجة من مصادر نظيفة وتحسين كفاءة استهلاك الطاقة، ما عزز الاستقلالية النسبية في هذا القطاع الحيوي.
في القطاع الصناعي، ركّزت مصر على تعزيز الإنتاج المحلي للسلع الحيوية والمواد الأساسية. أدرك المخططون مخاطر التوسع في الاستيراد والتمويل الخارجي، فصارت الصناعات الاستراتيجية تعتمد بشكل متزايد على الموارد المحلية والخبرة الوطنية، مع تعزيز سياسات التوطين. هذا التوجه ساهم في بناء قاعدة صناعية وطنية قوية ومستدامة، تقلل الاعتماد على الخارج.
تواصل الإصلاحات المالية والاقتصادية المصرية يخلق بيئة مستقرة للاستثمار المحلي، مع تركيز الدولة على دعم المشاريع الصغيرة والمتوسطة وربط القروض والمساعدات بالشركات الوطنية لتعزيز القطاعات الداخلية. هذا التوجه، رغم تباينه بين المدارس الاقتصادية المختلفة، زاد مرونة إدارة السياسات الاقتصادية، وساعد على توجيه الاستثمارات نحو القطاعات الاستراتيجية، بما يحقق تنمية مستدامة ويحد من الاعتماد على التمويل الخارجي.
التنسيق بين القطاعين العام والخاص لعب دورًا حاسمًا، حيث كانت الشركات المحلية جزءًا من تنفيذ المشاريع الاستراتيجية بالتعاون مع الحكومة. الاعتماد على الخبرة المحلية جعل المشاريع أقل عرضة للهيمنة الخارجية، وأظهر أن الاستثمار الوطني الموجه يمكن أن يعوّض جزءًا من الدعم الخارجي في مجالات محددة، دون التأثير على الاستقرار السياسي أو الاقتصادي، مع تعزيز القدرة على التخطيط المستقل طويل المدى.
أسهم نجاح هذه التجربة في وجود قيادة مركزية قوية قادرة على اتخاذ قرارات حاسمة، وتنسيق بين مؤسسات الدولة لتوحيد الجهود نحو بناء القدرات المحلية. تركز الاستراتيجية حاليًا على تطوير التعليم والتدريب المهني لتعزيز الكفاءات الوطنية، بهدف خلق قاعدة بشرية جاهزة لتشغيل المشاريع، وتحقيق الاكتفاء الذاتي تدريجيًا، بما يتيح استقلالية نسبية في اتخاذ القرار الوطني والسياسات الداخلية.
التحرر، رغم صعوبته، أقل خطرًا من استمرار التبعية، التي تترك آثارًا واضحة على التنمية الاقتصادية، إذ تتحول المشاريع الكبرى إلى امتداد لمصالح الداعمين بدل تلبية احتياجات المجتمع المحلي. البنية التحتية تتأخر، تصبح الاقتصادات عرضة لتقلبات التمويل الخارجي، ما يصعب تحقيق الاكتفاء الذاتي ويجعل التخطيط المستدام محكومًا بإيقاع المساعدات والقروض الدولية، مع تقييد الاستقلالية الوطنية.
الاستقرار السياسي يتأثر بشكل مباشر بالاعتماد على الخارج، حيث تعتمد الأنظمة غالبًا على التمويل والدعم العسكري لحماية سلطتها. يظهر الضعف المؤسسي بوضوح في إدارة الأزمات، إذ لا تستطيع الحكومات التعامل مع النزاعات الداخلية أو الضغوط الاقتصادية دون تدخل خارجي. تتراجع الثقة بين المواطن والحكومة، ويصبح الاستقرار عرضة للتهديدات.
التأثير الاجتماعي والثقافي يظهر في فقدان الثقة بالقدرات المحلية، حيث يشعر المواطنون أن الحلول الوطنية محدودة، وأن الاستقرار والتقدم مرتبطان بمدى قبول الجهات الأجنبية تقديم الدعم. يولد هذا إحباطًا واسع النطاق ويعزز شعور العجز الجماعي، كما يؤثر على الحراك المدني والمشاركة السياسية، ويضعف قدرة المجتمعات على تبني مواقف وطنية- قومية تعزز الدفاع عن المصالح الداخلية والإقليمية.
الثقافة السياسية نفسها تتأثر، إذ تصبح القيم المرتبطة بالاستقلالية والابتكار أقل تأثيرًا أمام منطق التبعية. النخب والمواطنون قد يعيدون إنتاج الاعتماد كخيار طبيعي، ويصبح من الصعب تعزيز السياسات المحلية التي تركز على التنمية الذاتية والمؤسسات القوية، ما يعمّق الفجوة بين الدولة والمجتمع ويزيد من صعوبة مواجهة الضغوط الخارجية الداخلية المتزامنة.
التحرر من الاعتماد الخارجي يرتبط مباشرة ببناء قدرات داخلية شاملة تشمل الجوانب الاقتصادية والسياسية والعسكرية والثقافية. تطوير الصناعات المحلية وتعزيز الموارد الوطنية والابتكار في البنية التحتية يمنح الدولة استقلالية أكبر ويقلل الحاجة للتمويل والتوجيه الخارجي، ما يوفر هامشًا أوسع لصياغة السياسات الداخلية والخارجية، ويجعل القرار الوطني أكثر مرونة واستقلالًا.
سياسيًا، يتطلب التحرر إنشاء مؤسسات قوية قادرة على إدارة الأزمات واتخاذ القرارات الاستراتيجية دون تدخل خارجي. تحتاج السياسات الداخلية إلى قواعد شفافة ومستقرة تضمن حماية مصالح الدولة وتعزز الثقة بين الحكومة والمواطنين، ما يقلل من فرص استغلال القوى الخارجية للانقسامات أو ضعف المؤسسات المحلية لتحقيق مصالحها الخاصة، ويعزز قدرة الدولة على حماية سيادتها الوطنية.
عسكريًا، الاستثمار في القدرات الذاتية ضروري لضمان استقلال القرار الدفاعي. تطوير الصناعات العسكرية المحلية وبرامج التدريب والتخطيط الاستراتيجي يقلل الاعتماد على الأسلحة والخبرات الأجنبية، ويزيد القدرة على الرد على التهديدات دون الحاجة لدعم خارجي مستمر، ما يحمي السيادة الوطنية على المدى الطويل ويضمن جاهزية القوات للتعامل مع أي تهديد داخلي أو إقليمي.
ثقافيًا وإعلاميًا، يلعب التعليم والإعلام الوطني المستقل دورًا مركزيًا في تعزيز التحرر، إذ يمكن بناء وعي جماهيري قادر على دعم السياسات المستقلة للدولة. تطوير المناهج التعليمية وتشجيع البحث العلمي المحلي يعزز الابتكار ويخلق خطابًا وطنيًا متوازنًا، ما يحد من تأثير القوى الخارجية على الرأي العام والمواقف الاجتماعية، ويقوي القدرة على اتخاذ قرارات وطنية مستقلة.
دور التعليم والبحث العلمي يتجاوز الجانب العلمي، ليشمل تدريب الكوادر على مهارات استراتيجية وفنية، وتطوير التقنيات المحلية، وخلق شبكات معرفة لدعم المشاريع الاقتصادية والصناعية والعسكرية. الاستثمار في البحث العلمي يعزز القدرة على الاكتفاء الذاتي ويجعل القرار الوطني أقل هشاشة أمام الضغوط الدولية، مع بناء قاعدة بشرية وطنية تستطيع مواكبة التطورات المستقبلية في جميع القطاعات الحيوية.
تواجه الدول الراغبة في التحرر تحديات كبيرة، منها المقاومة الدولية التي تحاول الحفاظ على نفوذها الاقتصادي والسياسي. القوى الخارجية تمارس ضغوطًا عبر العقوبات أو الحوافز المشروطة، وتستفيد من أي انقسامات داخلية أو ضعف مؤسساتي لتقويض جهود بناء القدرات المحلية، ما يجعل التحرر عملية معقدة وطويلة الأمد، تتطلب تخطيطًا استراتيجيًا وإرادة سياسية قوية ومستدامة.
الصراعات الإقليمية تمثل عقبة إضافية، حيث تضطر بعض الدول أحيانًا للاعتماد على تحالفات خارجية لضمان الأمن، ما يضعف القدرة على التحرر الكامل. التوازن بين الأمن الداخلي والاستقلال الوطني يصبح صعبًا، خاصة في مناطق تتسم بالتوتر الحدودي والنزاعات السياسية بين دول الجوار، ما يجعل استراتيجية التحرر الوطني عملية دقيقة ومعقدة، تتطلب جهودًا مستمرة لتقوية الدولة ومؤسساتها.
الانقسامات الداخلية تمثل تهديدًا إضافيًا للتحرر، إذ يؤدي ضعف الوحدة الوطنية إلى استغلال القوى الخارجية للنفوذ عبر الدعم السياسي أو الاقتصادي لأطراف معينة. أي استراتيجية لبناء القدرات المحلية تحتاج إلى مشاركة مجتمعية واسعة وتعزيز الثقة بين الدولة والمواطنين، لتقليل فرص تدخل الخارج في التأثير على القرار الوطني، وضمان أن السياسات تتوافق مع المصالح الوطنية لا مع أجندات خارجية.
مصالح القوى الدولية لن تتغير جذريًا، لأن النظام العالمي قائم على التنافس الشامل. لذلك ستستمر المنطقة في مواجهة ضغط دائم للبقاء ضمن دائرة التبعية، إلا إذا تمكنت الدول من بناء أدوات قوية للسيادة الاقتصادية والسياسية والعسكرية. هذا تحدٍ يتطلب تغييرات عميقة في المؤسسات والسياسات الوطنية، ورؤية وطنية طويلة المدى تراعي مصالح الشعوب والأمن القومي.
التحرر من التبعية عملية تراكمية تحتاج إلى تخطيط استراتيجي واستثمارات متوازنة في جميع القطاعات الحيوية. الدروس المستفادة من التجربة المصرية تؤكد ضرورة تبني رؤية وطنية طويلة المدى توازن بين تعزيز الاستثمار الداخلي والحد من الاعتماد على الخارج، مع تخطيط استراتيجي متدرج لتطوير القطاعات الحيوية في وقت واحد، بما يخلق قدرة محلية قابلة للتوسع.
بناء القدرات الوطنية الشاملة يتطلب التركيز على الاقتصاد والتعليم والبحث العلمي، والبنية التحتية والصناعة، فضلاً عن تطوير القطاع العسكري والثقافي والإعلامي، كل هذه العناصر تشكل منظومة متكاملة للسيادة الوطنية.
الدول التي تنجح في ذلك ستتمكن من صياغة سياسات مستقلة، وحماية مصالحها الوطنية، وتقليل التأثيرات الخارجية على كل مستويات القرار السياسي والاجتماعي والاقتصادي.
اقرأ أيضاً
«الإخوان» ومعركة الدستور.. شهادات وذكريات مصطفى بكري «الحلقة 69»«الماراثون الأخير».. انطلاق جولة الإعادة في الدوائر الملغاة بانتخابات مجلس النواب اليوم










0 تعليق