نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
كتاب فرنسي عن أقليات البحر المتوسط في القرن التاسع عشر - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 يناير 2026 03:43 مساءً
أمام العجز عن بناء دولة المواطنة، ظل جزء كبير من جنوب المتوسط وشرقه عاجزاً عن إدارة مسألة الأقليات، التي فضلاً عن كونها معضلة سياسية، فهي قليلة الدرسّ من منظورٍ علمي وتاريخي في بلادنا.
يقدم الكتاب الجديد "الأقليات في البحر الأبيض المتوسط في القرن التاسع عشر: الهويات، التعريفات، التداولات"، الصادر عن جامعة رين الفرنسية تحت إشراف فاليري أسان وبرنارد هيبرغر وجاكوب فوغل، ذخيرةً ليست قليلةً لمقاربة المسألة ضمن نهجٍ جغرافي مقارن.
تُقدَّم فكرة "الأقلية" الحديثة في الدراسات التاريخية عادةً على أنها نتاج لمناقشات الخبراء الدوليين بعد الحرب العالمية الأولى، خصوصاً في سياق تفكك الإمبراطوريتين النمسوية-المجرية والعثمانية. فقد برزت مسألة إدارة الأقليات وحقوقها بقوة بعد نهاية الحرب الكونية الأولى، بخاصةً مع إعادة ترسيم الحدود وظهور دول جديدة يُفترض أنها تقوم على مبدأ الهوية الوطنية، ما أدى إلى نزاعات عديدة حول وضع هذه الأقليات. ورغم أن مؤتمر سلام باريس (1919) ومعاهدة لوزان (1923) يُعدان محطتين حاسمتين في تطور سياسة الأقليات، لم تحظ التحولات التي شهدها القرن التاسع عشر بالاهتمام الكافي.
يهدف الكتاب إلى دراسة كيفية تشكل هويات الأقليات خلال القرن التاسع عشر الطويل، إذ كانت هذه الهويات متقلبة، وتراوح بين التعريفات الدينية، واللغوية، والعرقية، والوطنية. كما يبيّن أن التصنيفات الرسمية للدول كانت غالباً غير دقيقة، لأن الهويات الفردية كانت أكثر مرونة من التصنيفات الإدارية. فالهجرات، وتغيير الجنسية، والانتماءات الدينية المختلطة، كلها وضعت تصورات الدولة للتصنيف تحت الاختبار.
يُنظر إلى القرن التاسع عشر عموماً كعصر صعود دولة الأمة، إذ تم إرساء الأسس التي شكّلت واقع الأقليات بعد الحرب العالمية الأولى. كما يُعترف بكون هذا القرن مرحلة تجريبية للفئات الوطنية واستخدامها في العلاقات القانونية الدولية، كما ظهر ذلك في مفاوضات معاهدة برلين (1878) التي أنهت حروب البلقان. وتركزت الدراسات التاريخية على الأقليات في أوروبا الوسطى والبلقان، مثل بولندا ورومانيا، ومسألة "القوميات" في الإمبراطورية النمسوية-المجرية، لكنها نادراً ما أخذت في الاعتبار التطورات الموازية في جنوب البحر الأبيض المتوسط وشرقه.
غلاف الكتاب.
في المقابل، شهدت الدراسات حول الأقليات الدينية في الجزء العربي من المتوسط، تجديداً ملحوظاً، كما تطورت البحوث حول إدارة السكان المستعمرين من القوى الأوروبية. وقد أغنيت الدراسات حول المجموعات العرقية والدينية في حوض المتوسط بمناهج جديدة، أدخلت بُعداً عابراً للحدود وعالمياً، ما يفتح آفاقاً جديدة لفهم العلاقات بين الأقليات والدول والمجتمعات في القرن التاسع عشر. كما يلقى التبادل في الممارسات والخطابات المتعلقة بالهوية بين الأنظمة الإمبريالية المختلفة اهتماماً متزايداً.
تُعدّ منطقة البحر المتوسط خلال "القرن التاسع عشر الطويل" (يمتد من الثورة الفرنسية إلى الحرب العالمية الأولى) حقلاً خصباً لتحليل التحولات السياسية والثقافية والاجتماعية والإدارية في بناء مفهوم "الأقلية"، فضلاً عن التفاعلات بين السياقات الإمبريالية والوطنية المختلفة. فرغم أن صعود القومية جعل التصنيف الهوياتي (دينياً، عرقياً، لغوياً) وسيلة لتمييز "الغالبية" عن "الأقلية"، فإن واقع المتوسط كان أكثر تعقيداً بسبب تداخل الإمبراطوريات العثمانية، البريطانية، الفرنسية، الروسية، النمساوية والإيطالية، التي أثرت بشكل كبير على السياسات العرقية والدينية. وبالتالي، كانت عملية التصنيف أو التصنيف الذاتي عاملاً سياسياً حاسماً، يدمج باستمرار القضايا الثقافية والدينية مع الاعتبارات الجيوسياسية والإمبريالية.
يشكّل القرن التاسع عشر مرحلة تحولية للأقليات في المتوسط، إذ وجدت نفسها محصورة بين الصراعات الإمبريالية، وعملية تحديث وتفكك الإمبراطورية العثمانية. ففي الفضاء العثماني، أعادت إصلاحات (1839-1876) تشكيل العلاقات بين الجماعات السكانية، بخاصة بإعلان المساواة بين جميع الرعايا بغض النظر عن دينهم، ما أنهى نظام "الذمة" الذي كان يحكم وضع "أهل الكتاب". وفي الوقت نفسه، عملت القوى الاستعمارية (فرنسا، بريطانيا، إيطاليا) على تصنيف السكان المستعمرين من خلال دراسات ميدانية، أسست لتصنيفات إدارية ثابتة، وحددت سياسات خاصة ببعض الجماعات، سواء كانت مسلمة (كالإباضية) أم غير مسلمة.
يسعى الكتاب إلى ربط ثلاث دراسات تاريخية كانت منفصلة: تاريخ القومية في أوروبا، وتاريخ الإمبراطورية العثمانية، وتاريخ الإمبراطوريات الاستعمارية. كما يهدف إلى تجاوز التجزئة بين دراسات الجماعات المختلفة (اليهود، والأرمن، والمسيحيين الشرقيين) من خلال دراسة تبادل الممارسات والسياسات بين الإمبراطوريات، مسلطاً الضوء على تعقيد مفهوم "الجنسية" في السياقات الإمبريالية، إذ بدأ السكان المستعمرون باعتماد مفهوم "الأمة" على النمط الغربي، وسيلة لتحقيق الاستقلال، بناءً على مبدأ تقرير المصير. لكن هذه "الأمم" كانت غالباً مبنية على دين أو لغة أو ثقافة مشتركة، ما أثار تساؤلات حول مكانة الأقليات داخل الحركات القومية.
لكن الكتاب لا يغطي كل جوانب موضوع الأقليات، إذ يركز أساساً على الأقليات غير المسلمة (اليهود، الأرمن، المسيحيين)، باستثناء دراستين عن الإباضية وبلاد القبائل في الجزائر، مقترحاً إعادة توجيه الاهتمام من أوروبا الوسطى والشرقية إلى البحر المتوسط، باعتباره "مختبراً" للتحولات السياسية والهوياتية. فبدلاً من اعتباره هامشاً لأوروبا، يدعو إلى إدراجه في التاريخ الأوروبي الموسع، من خلال فهم الترابطات العميقة بين المتوسط وأوروبا.








0 تعليق