نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"يا موز مين يشتريك"... كيف حلّقت أسعاره في تونس؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 08:13 صباحاً
أكتب هذا التقرير وأنا أستعيد ذلك الطعم القديم، ليس لأنه كان لذيذاً، بل ربما لأنه كان نادراً... في طفولتي، أتذكّر الموز خلال تسعينيات القرن الماضي كضيف يزور مائدتنا على استحياء، في بعض المناسبات القليلة، ثم يختفي سريعاً تاركاً خلفه مذاقاً غريباً. لم يكن الموز في تلك الفترة جزءاً من مائدة معظم التونسيين؛ وفي أغلب الأحيان، كانت تلك الفاكهة تشترى بالحبّة، وتعامل كضيفٍ عزيز لا يزور البيوت إلا نادراً.
التاريخ يعيد نفسه
بسبب سياسة الدولة في العقد الأخير من القرن الماضي، تصالح التونسيون مع فاكهة الموز ليصبح عنصراً ثابتاً على موائدهم، حتى أنه تفوق على فواكه أخرى محلية، وذلك بعد رفع نسق الاستيراد الذي احتكر مسالكه حينها، والذي يعود - وفق روايات عديدة - إلى مقربين من عائلة الرئيس الأسبق زين العابدين بن علي، ما أدى إلى انخفاض الأسعار التي بلغت وقتها نحو دينار واحد للكلغ الواحد (أقل من نصف دولار).
اليوم، وبعد أكثر من ثلاثين سنة، تغيّر كل شيء، ولم يتغيّر شيء في الوقت نفسه، فقد عاد الموز فاكهة بعيدة المنال عن فئات واسعة من التونسيين، وصار بالنسبة إليهم ترفاً لا يقدرون على توفيره. وفي حين أنه يعتبر من أرخص أنواع الفاكهة في الكثير من دول العالم، فإن الوضع مختلف في تونس، حيث تتجاوز أسعار الكلغ الواحد الـ 7 دولارات، ما أعاد التونسيين إلى شرائه بالحبة.
الموز في تونس (وكالات)
من الندرة إلى الأزمة
تشكو المحال التونسية من ندرة الموز مقابل ارتفاع كبير لأسعاره. ويقول منجي، تاجر الفواكه في مدينة أريانة، في العاصمة تونس لـ"النهار"، إن المواطن لم يعد قادراً على شراء كلغ واحد من هذه الفاكهة، مؤكداً أن البعض يكتفي بشراء حبتين أو ثلاث من أجل صنع الحلويات أو العصير. ويلفت إلى أن المحال التي تعمل بشكل قانوني لم تعد تعرض هذه الفاكهة، مشيراً إلى أن هناك من يشتريها ليقوم بضخها في الأسواق الموازية.
تقول سيدة كانت تقلب حبات برتقال في المحل إنها نسيت متى اشترت آخر مرة الموز، وتؤكد لـ"النهار" أن أسعاره تعتبر "خيالية" بالنسبة إلى عموم التونسيين، وتتابع:" هل يعقل أن أشتري بضع حبات بأكثر من 20 ديناراً". وتضيف "قبل سنوات كان لا يغيب عن بيوتنا، خصوصاً في المناسبات، وفي شهر رمضان، أو عند زيارة مريض".
يشرح رئيس منظمة ارشاد المستهلك لطفي الرياحي لـ"النهار" بأن الكميات التي تعرض حالياً في الأسواق مهربة، وتعتبر مجهولة المصدر، مؤكداً أنه لم يتم في الأشهر الأخيرة استيراد كميات من هذه الفاكهة، ما فتح المجال أمام المهربين لاحتكار السوق وفرض أسعارهم.
ويشير إلى أنه في مثل هذه الوضعية لا يمكن التحكم بأسعار عرض هذه المادة التي باتت الأغلى في الأسواق.
تأتي هذه الأسعار في وقت حددت فيه وزارة التجارة وتنمية الصادرات التونسية الأسعار القصوى لبيع الموز بخمسة دينارات لكلغ الموز المصري، وبسبعة دينارات للموز من بقية المصادر. ويقول مراقبون إن تحديد الأسعار رسمياً دفع المستوردين للتوقف عن استيراده بسبب انخفاض هامش الربح، ما فتح المجال أمام المهربين.
لماذا الموز غالٍ في تونس؟
أزمة الموز في الحقيقة ليست وليدة السنوات الأخيرة فهي قديمة، لكنها تعد وفق العديد من المراقبين مؤشراً إلى الصعوبات التي تعيشها تونس، بدءاً من تدهور القدرة الشرائية للتونسيين وغلاء الأسعار، وصولاً إلى تأثير شبكات التهريب على اقتصاد البلد.
لكن تونس لا تعتبر بلدًا منتجًاً للموز، وهي لذلك تعول بشكل يكاد يكون كلياً على استيراد هذه الفاكهة؛ وهو ما جعل أسعارها رهينة للتقلبات الاقتصادية والسياسات التجارية المحلية والعالمية.
وعندما نقارن أسعار الموز في تونس بأسعاره في دول منتجة أو حتى مستوردة أخرى، نكتشف مفارقة صادمة؛ فأسعار الموز في تونس من بين الأعلى في العالم. وحسابياً، يساوي ثمن الكلغ الواحد من الموز في تونس أجر يوم عمل في بعض القطاعات.
وعلاوة على تقلبات الأسعار العالمية وتكاليف النقل والتحديات اللوجستية في سلاسل التوريد التقليدية، يساهم التهريب والاحتكار بدرجة كبيرة في ارتفاع أسعار الموز في تونس - وفق الرياحي -، فعدد محدود من المتدخلين يتحكّم بالاستيراد، ما يقلّص المنافسة، ويفتح الباب أمام المهربين والسوق الموازية.
ويقول الرياحي إن الأجهزة الرقابية مطالبة بتنفيذ المزيد من عمليات الرقابة على الأسواق الموازية من أجل الضرب بيد من حديد على المهربين.
الموز، الذي كان في طفولتي فاكهةً نادرة، بات اليوم معروفًا للجميع، لكن التلذذ بمذاقه عاد ليكون نادرا من جديد. وبين الأمس اليوم، بقي السؤال نفسه: كيف يمكن لأرخص فواكه العالم أن تكون مرآة للأزمة الاقتصادية في البلد؟













0 تعليق