نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صدام الحلفاء.. لماذا تحدّت واشنطن نتنياهو في أخطر توقيت إقليمي؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 18 يناير 2026 08:52 صباحاً
في توقيت بالغ الحساسية إقليميًا ودوليًا، نقل موقع أكسيوس عن مسؤول أمريكي رفيع المستوى قولًا لافتًا يعكس حجم التحول في مقاربة إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لملف الحرب في غزة، مفاده: «فليركز على إيران ويترك لنا مهمة القطاع»، في إشارة واضحة إلى رفض واشنطن اعتراضات رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو على المضي قدمًا في المرحلة الثانية من اتفاق غزة.
هذه العبارة المكثفة تختزل مشهدًا سياسيًا معقدًا، يتقاطع فيه الأمن القومي الأمريكي مع حسابات الداخل الإسرائيلي، ويكشف في الوقت ذاته عن إعادة ترتيب أولويات واشنطن في الشرق الأوسط، حيث لم تعد غزة الملف الأكثر إلحاحًا مقارنة بالتصعيد المتنامي مع إيران.
ما وراء العبارة.. دلالات الرسالة الأمريكية
الرسالة الأمريكية المنقولة عبر أكسيوس ليست مجرد تصريح عابر، بل تمثل موقفًا استراتيجيًا يعكس نفاد صبر واشنطن من سياسات المماطلة الإسرائيلية، فحين تقول الإدارة الأمريكية لرئيس الحكومة الإسرائيلية «ركّز على إيران»، فهي عمليًا تعيد توزيع الأدوار داخل معسكر الحلفاء. تريد واشنطن من تل أبيب أن تنخرط بعمق في استراتيجية احتواء إيران إقليميًا، سواء عبر الضربات الاستباقية أو العمل الاستخباراتي أو الضغط السياسي، بينما تحتفظ هي بإدارة ملف غزة، بما يشمله من ترتيبات أمنية وإنسانية وسياسية.
هذا التحول يعكس إدراكًا أميركيًا متزايدًا بأن استمرار الحرب في غزة دون أفق سياسي واضح بات عبئًا على صورة الولايات المتحدة عالميًا، خاصة في ظل الانتقادات الحقوقية والاحتجاجات الشعبية في الغرب، فضلًا عن التوترات المتصاعدة مع الحلفاء الأوروبيين، ومن ثمّ، فإن تمرير المرحلة الثانية من الاتفاق يمثل محاولة أميركية لإغلاق هذا الملف نسبيًا، أو على الأقل تخفيف حدته، تمهيدًا للتفرغ لمواجهة إيران التي تراها واشنطن التهديد الأكبر لأمنها ومصالحها في المنطقة.
لماذا تعترض حكومة نتنياهو؟
اعتراض نتنياهو على المرحلة الثانية من اتفاق غزة لا يمكن فصله عن تركيبته السياسية الداخلية. فالرجل يقود حكومة يمينية متطرفة، تعتمد في بقائها على دعم أحزاب دينية وقومية ترى في أي تهدئة أو انسحاب من غزة "هزيمة استراتيجية" أمام حركة حماس. هذه القوى تضغط باتجاه استمرار العمليات العسكرية حتى "القضاء الكامل" على الحركة، وهو شعار فضفاض لكنه فعّال تعبويًا داخل المجتمع الإسرائيلي.
كما أن نتنياهو نفسه يواجه أزمات سياسية وقضائية خانقة، ويعلم جيدًا أن أي تراجع في غزة قد يُستخدم ضده داخليًا بوصفه ضعفًا أو تنازلًا، ما قد يسرّع من سقوط حكومته. لذلك، فإن اعتراضه على المرحلة الثانية لا ينبع فقط من حسابات أمنية، بل من هواجس سياسية شخصية تتعلق بالبقاء في السلطة.
واشنطن تحسم خياراتها
إصرار إدارة ترامب على المضي قدمًا في المرحلة الثانية من الاتفاق رغم اعتراض نتنياهو يحمل رسالة واضحة: واشنطن لن تسمح بعد الآن بأن تكون رهينة لحسابات الداخل الإسرائيلي. هذا تطور لافت في نمط العلاقة بين الطرفين، إذ اعتادت الإدارات الأميركية المتعاقبة مراعاة حساسيات السياسة الإسرائيلية الداخلية، لكن الظرف الحالي يبدو مختلفًا.
الإدارة الأميركية تدرك أن استمرار الحرب في غزة يهدد بتفجير الإقليم بأسره، خاصة مع توسع رقعة الاشتباك في لبنان والبحر الأحمر والعراق وسوريا. كما أن استمرار النزيف الإنساني في القطاع يضعف من قدرة واشنطن على حشد تحالف دولي واسع ضد إيران. فكيف تطلب من العالم مواجهة طهران بينما تبدو عاجزة عن كبح جماح حليفها في غزة؟
من هنا، فإن قرار واشنطن بفرض مسار الاتفاق يعكس انتقالها من سياسة "التفهم" إلى سياسة «الإملاء الناعم»، حيث تستخدم نفوذها السياسي والعسكري والاقتصادي لإجبار إسرائيل على الالتزام بالترتيبات المتفق عليها.
إيران في قلب المعادلة
حين تطلب واشنطن من نتنياهو التركيز على إيران، فهي تعلن بوضوح أن المواجهة الكبرى القادمة ليست في غزة، بل مع طهران. فإيران اليوم تمثل العقدة الأساسية في الحسابات الأميركية: برنامج نووي يتقدم بخطى متسارعة، نفوذ إقليمي واسع عبر أذرع مسلحة، وقدرة متزايدة على تهديد المصالح الأميركية وحلفائها.
الولايات المتحدة تسعى لإعادة بناء جبهة إقليمية لمواجهة إيران، تضم إسرائيل ودول الخليج وربما أطرافًا عربية أخرى. لكن هذه الجبهة لا يمكن أن تتماسك طالما تستمر الحرب في غزة بهذا الشكل الدموي، الذي يحرج العواصم العربية ويضعها تحت ضغط شعبي هائل. لذلك، فإن تمرير المرحلة الثانية من الاتفاق ليس هدفًا إنسانيًا فقط، بل هو شرط سياسي لإعادة ترتيب التحالفات الإقليمية ضد طهران.
غزة بين الإدارة الأمريكية والوصاية السياسية
بقولها «اتركوا لنا مهمة القطاع»، تعلن واشنطن عمليًا رغبتها في لعب دور مباشر في رسم مستقبل غزة، وهذا يشمل ترتيبات الحكم، وإعادة الإعمار، وإدارة الملف الأمني، وربما الدفع نحو صيغة حكم فلسطيني جديدة لا تكون فيها حماس اللاعب الأساسي.
هذا التوجه ينسجم مع رؤية أمريكية أوسع لإعادة هندسة المشهد الفلسطيني، عبر تقوية السلطة الفلسطينية أو إيجاد إدارة مدنية بديلة تحظى بدعم دولي وإقليمي. واشنطن لا تريد فراغًا في غزة، لكنها في الوقت ذاته لا تريد عودة حماس إلى سابق عهدها. ومن هنا، فإن المرحلة الثانية من الاتفاق تمثل بوابة العبور إلى هذا المشروع السياسي الأوسع.
انعكاسات الموقف الأميركي على العلاقات مع إسرائيل
رغم عمق التحالف الأمريكي الإسرائيلي، إلا أن الخلاف الحالي يكشف عن تصدعات غير مسبوقة. فإصرار واشنطن على تجاوز اعتراض نتنياهو يعني عمليًا تقليص هامش المناورة الإسرائيلية. هذا لا يعني نهاية التحالف، لكنه يؤشر إلى إعادة ضبط العلاقة على قاعدة المصالح الأميركية أولًا، وليس الاعتبارات الأيديولوجية أو الضغوط الداخلية الإسرائيلية.
على المدى المتوسط، قد يدفع هذا التوتر بعض القوى داخل إسرائيل إلى مراجعة رهاناتها على الدعم الأميركي المطلق، وربما يفتح الباب أمام نقاش داخلي حول كلفة السياسات التصعيدية التي تنتهجها الحكومة الحالية.
المضي قدمًا في المرحلة الثانية من اتفاق غزة رغم اعتراض نتنياهو يمثل نقطة تحول في إدارة الصراع. واشنطن باتت ترى أن استنزافها السياسي والأخلاقي بسبب غزة أخطر على مصالحها من أي مكاسب عسكرية تحققها إسرائيل هناك، لذلك، فإنها ستواصل الضغط حتى لو أدى ذلك إلى اهتزاز حكومة نتنياهو.
في المقابل، فإن تركيز إسرائيل على إيران قد يدفع المنطقة إلى مرحلة جديدة من التصعيد، ربما عبر ضربات نوعية أو عمليات سرية، وهو ما يفتح الباب أمام ردود إيرانية غير متوقعة. بمعنى آخر، قد نكون أمام انتقال الصراع من غزة إلى ساحات إقليمية أوسع، حيث تصبح إيران الخصم المركزي بدلًا من الفصائل الفلسطينية.
تصريح المسؤول الأمريكي لأكسيوس ليس مجرد تسريب صحفي، بل هو إعلان سياسي صريح عن تغيير قواعد اللعبة. إدارة ترامب قررت أن غزة لم تعد ساحة الاشتباك الأساسية، وأن الوقت قد حان لإغلاق هذا الملف نسبيًا والتفرغ للمواجهة الأكبر مع إيران. اعتراض نتنياهو لم يعد عائقًا، بل أصبح تفصيلًا يمكن تجاوزه.
نحن أمام لحظة مفصلية في الشرق الأوسط، حيث تعاد صياغة الأولويات والتحالفات. غزة تدخل مرحلة جديدة من الترتيبات السياسية تحت رعاية أميركية مباشرة، بينما تتحول الأنظار نحو إيران بوصفها الخصم الاستراتيجي الأول، وفي قلب هذا المشهد، تتأكد حقيقة واحدة: القرار لم يعد إسرائيليًا خالصًا، بل أمريكا بامتياز.
اقرأ أيضاً
نيويورك تايمز عن مسؤول أمريكي: نتنياهو طلب من ترامب تأجيل أي خطط لشن هجوم عسكري على إيرانواشنطن تربط إعادة الإعمار بتسليم سلاح حماس.. هل يصمد اتفاق غزة أمام ضغوط نتنياهو- ترامب؟


















0 تعليق