قيس غوش وكتابه «التقمّص: أهو حقيقة أم خيال؟» — رحلة في أسرار الرُّوح والوعي - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قيس غوش وكتابه «التقمّص: أهو حقيقة أم خيال؟» — رحلة في أسرار الرُّوح والوعي - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 12:33 مساءً

فاروق غانم خداج

كاتب لبناني وباحث في الأدب والفكر الإنساني

 

هل تتذكر حياتك السابقة؟ هذا السؤال الذي شغل الدكتور قيس غوش في كتابه «التقمّص: أهو حقيقة أم خيال؟»، الذي نُشر عن دار جروس برس في طرابلس عام 1991 (الطبعة الأولى)، ويقدّم دراسة فكرية عميقة تحاول معالجة هذا المفهوم من منظور معرفي وفلسفي وروحاني في آن واحد. يُركّز غوش على التمييز بين التقمّص بمعناه الرُّوحيّ والميتافيزيقي، وبين التناسخ الذي غالبًا ما يقتصر على إطار ديني محدّد، ما يعكس وعيه بفروق دقيقة في مفهوم الرُّوح واستمراريتها بعد الموت، ويضع القارئ أمام تجربة فكرية تتجاوز المسلّمات التقليدية لتفتح نقاشًا حول حدود العقل البشري في فهم ما وراء الحياة والموت.

 

يتتبع غوش جذور فكرة التقمّص تاريخيًا، مشيرًا إلى حضارات قديمة مثل مصر الفرعونية، حيث كان الاعتقاد ببعث الرُّوح جزءًا أساسيًا من الممارسات الدينية والطقوس الجنائزية، مرورًا بالفلسفات الهندية والبوذية التي أسست مفهوم دورة الحياة والموت والعودة إلى الجسد، كما في نصوص البهاغافاد غيتا، وصولا إلى بعض التجارب الغربية الحديثة التي تناولت الموضوع في سياق روحاني مستقل عن النصوص الدينية. هذا الاستعراض التاريخي يُظهر أن التقمّص لم يكن مجرد خيال أو أسطورة، بل كان إجابة عقلية وبشرية على سؤال الموت والخوف من نهاية الجسد. ويؤكد غوش أن الفكرة تتنوع حسب الثقافة والدين، فبينما ترتبط في الهندوسية بنظام الكارما ودورة الحياة، تظهر في سياقات أخرى كرمز للوعي المستمر للروح بلا إطار محدّد.

 

يعتمد غوش في كتابه على منهج تحليلي يجمع بين العقل والرُّوح، مستندًا إلى مصادر متعددة، منها تجارب مفترضة للأشخاص الذين يذكرون تذكر حياتهم السابقة، والجانب الروحي من التراث الديني والفلسفي، والجانب العقلي من خلال نظريات علم النفس والوعي التي تحاول تفسير الإدراك والذاكرة وما بعد الموت، مستلهمًا أعمال إيان ستيفنسون في عشرين حالة تشير إلى التقمّص، ونصوص أفلاطون في الجمهورية. من خلال هذا التحليل، يدفع القارئ إلى التساؤل حول الوعي والرُّوح والذاكرة والوجود بعد الموت، ما يجعل الكتاب جسرًا بين المجال العلمي الذي يسعى لتفسير الظواهر العقلية، والمجال الروحاني الذي يعالج التجارب الإنسانية بأساليب فلسفية وعقلية. وبهذا، يتحول التقمّص من فكرة غامضة إلى تجربة معرفية تتطلّب من القارئ التفكير في حدود إدراكه وحدود الوعي البشري.

 

ولا يقف اهتمام غوش عند الجانب الفلسفي فحسب، بل يواصل دراسة الظاهرة من خلال كتابه الآخر «التقمّص في أدب المهجر»، حيث يدرس أثر هذه الفكرة بين اللبنانيين والعرب في الأميركيتين. في هذا الكتاب، يظهر التقمّص ليس كظاهرة روحانية بحتة، بل كمفهوم ثقافي وأدبي يظهر في نصوص تعبّر عن تجربة الاغتراب والحنين إلى الوطن والجذور. وهنا تتلاقى الفلسفة الهندية مع تجربة المهاجرين، ليصبح التقمّص رمزيًا للهوية والذاكرة والبحث عن الذات، ما يضفي على دراسة غوش بعدًا ثقافيًا متكاملاً يربط بين الفكر الروحي وتجربة الحياة الواقعية في المهجر.

 

يُعد كتاب غوش من بين المحاولات العربية القليلة والمبكرة التي تناولت موضوع التقمّص بهذا العمق والتجرد من المواقف المسبقة، ممهدًا الطريق أمام حوار جاد بين التراث الروحي الشرقي والمناهج النقدية الحديثة. لقد ساهم الكتاب في فتح نقاش ثقافي حول مواضيع كانت تُعتبر هامشية أو تابوهات في بعض الأوساط، مما يضفي عليه قيمة مزدوجة: قيمته الفكرية الداخلية، ودوره في توسيع دائرة المواضيع المقبولة للنقاش العام والفلسفي في العالم العربي.

 

في عصر اليوم، مع انتشار دراسات الوعي الكمّي، يعود كتاب غوش كدليل عربي رائد يربط الروحانيات بالعلم الحديث، ويُظهر أهمية دراسة التقمّص ليس فقط كفكرة فلسفية أو روحانية، بل كموضوع يمكن ربطه بالوعي والإدراك البشري، مما يجعله أكثر راهنية للقارئ المعاصر.

 

يقدم الكتابان معًا رؤية شاملة لموضوع التقمّص، تجمع بين التاريخ والفلسفة والأدب والروحانية، مع التركيز على المنهجية والتطبيق الأدبي، في إطار نقدي متماسك. إن قوة الكتاب تكمن في أنه لا يقدم إجابات جاهزة، بل يثير الأسئلة ويحفّز القارئ على استكشاف موضوعات وجودية عميقة، ويُظهر جهد غوش في تقديم دراسة متكاملة لموضوع ظل غامضًا ومعقدًا، مانحًا القارئ تجربة معرفية وفكرية متفردة تجمع بين التأمل والفهم النقدي.

 

النتيجة من البحث حول التقمّص:

بناءً على تحليل كتب قيس غوش، لا توجد إثباتات علمية قاطعة لوجود التقمّص، لكنه ظاهرة فكرية وروحية وثقافية مثبتة بالاعتقاد والتجارب التي وثقتها الثقافات المختلفة، والحالات المدروسة مثل تجارب تذكر حياة سابقة. الفكرة تبقى مفتوحة للتأمل والنقاش، وقدّم غوش حججًا قوية تجعلها موضوعًا فلسفيًا ومعرفيًا جديرًا بالدراسة، وتحوّل النقاش من مجرد خيال إلى تجربة معرفية يمكن فهمها ثقافيًا وروحيًا وأدبيًا.

 

في النهاية، يقدم كتاب «التقمّص: أهو حقيقة أم خيال؟» قراءة فكرية مدهشة وعميقة لقضية لطالما أثارت الإنسان منذ أقدم العصور، ما يجعله أكثر من مجرد كتاب روحاني؛ إنه دعوة للتفكير النقدي والتأمل الفلسفي في طبيعة الإنسان ووعي الرُّوح، مع تقديم قراءة موسعة تربط بين الماضي والحاضر، بين الفكر الشرقي والغربي، وبين الفلسفة والأدب، مما يجعله مرجعًا عربيًا رائدًا في موضوع التقمّص.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق