نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أعجوبة الحبّ في "الطريق إلى أغمات" - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 19 يناير 2026 12:33 مساءً
تحاكم لمياء دلّة جميع ملوك الطوائف في الأندلس في روايتها "الطريق إلى أغمات قصّة الرميكيّة"، فتنتصر للمعتمد حاكم دولة بني عبّاد. وتكشف عن الوجه الحقيقيّ لأمراء الحرب مسلمين ومسيحيّين، والذين اتّخذوا من الدين والتقاليد مطية للتحكّم بمصائر الشعوب، وغطاءً لأكثر المعارك وحشيّة. فكان السبي والقتل سلوكات مشروعة مشرعنة برؤية دمويّة، لا ينص عليها كتاب دين.
كتبت دلّة هذه الرواية بموضوعيّة، ولم تهمل أي حدث دوّنه معظم الباحثين في مراجع عن الأندلس، خلال المسافة الزمنيّة من عام 431 هجري الموافق 1040 ميلاديّ، إلى عام 488 هجري الموافق 1095 ميلاديّ. وهي الفترة التي سيطرت فيها دولة بني عبّاد على أشبيلية. فقد استندت إلى 85 مرجعاً، وكانت تدويناتها في غالبيتها تجسيداً لحياة البذخ والترف، وحبّ الشعر، والحرب والبؤس والنفي في تلك الفترة.
هل القراءة من قارىء آخر نزهة صحيّة للعقل؟ فقد وضعت لمياء دلّة المتصفّح في مواجهة مشوّقة مع انتظار نهاية كلّ فصل من الرواية، بصحبة قارئة من زمن افتراضيّ تدعى "تيرينا". فتقاسمت الأخيرة بطولة الرواية مع "اعتماد" و"المعتمد"، وتحوّلت الصحبة الافتراضيّة مع قارىء هذا الكتاب إلى صحبة ورقيّة.
وما أدراكم ما هي الصحبة الورقيّة!؟ هي الكلام عندما ينساب على الورق، ويُشعر القارئ أنّ لا وقت للكاتب ليمنحه إلى الذين ينتظرون فيه أن يحدث شيء، فإما أن يعيش في زمن الرواية، أو يُقلع عن القراءة. وها أنّ تيرينا التي قرأت الأحداث بعد حوالي ثمانية قرون من حصولها، لم تنفصل عن الأزمنة والأمكنة التي توهم بالحقيقة، وهي ليست بوهمٍ، لأنّ هذه الأحداث حصلت بالفعل. فوقعت في حبّ المعتمد حاكم أشبيلية، في محاولة لمزاحمة الرميكيّة اعتماد زوجته على امتلاك قلبه، وكانت على صداقة افتراضية مع قارىء من القرن الحادي والعشرين. يضعنا هذا الاستنتاج موضع الحائر بأمر كاتبة الرواية، فهل أن قلب دلّة مال إلى المعتمد؟ لكن المؤكّد أنها عاشت افتراضيّاً في زمانه عند كتابتها للرواية. فقد قرأت الأحداث في مراجع عديدة قبل صياغتها روائياً، وكانت القارئة الأولى لروايتها، قبل تيرينا التي جعلتها قارئة ثانية، في زمن بعيد جد البعد عن أحداث الرواية، وعن زمننا. وأصبح للرواية قارئتان قبل صدورها.
كيف لكاتبة رواية تأريخيّة أم تدمج أزمنة، وتلغي مسافات الوقت بينها، فهل هي أعجوبة الحبّ؟ فالقارئة تيرينا عاشت لحظات العشق، وكأنّها تعيش في زمن الدولة العبّاديّة، وهي تقرأ وقائع ازدهارها وزوالها، في مخطوطات تتحدّث عن أحداث حصلت قبل 800 عام. فهذا الدمج هو نوع جديد من الروي يجذب القارىء، فيعيش زمنين متباعدين مدموجين جيداً بحبر الكاتبة، ورسوم رسّام لشخوص رواية، انتقلوا بالروح من القرن الثاني إلى القرن التاسع: "ما أن رأت تيرينا رسومات وجه ابن عبّاد حتى شهقت، وقد وضعت يدها على فمه، وأجهشت بالبكاء... ظلّ الرّسّام صامتاً، لا يعلّق على ما حصل أمامه. تمالكت تيرينا نفسها، وأوضحت، وهي تعتذر أنّها ما توقّعت أن يكون التطابق بين ما تخيّلته، وما أرادت طلبه وبين الرسومات إلى هذا الحدّ الذي أبكاها." (صفحة 111).
في زمن الثورة الرقميّة، لم تتخلّف لمياء دلّه، عن الموعد الذي ضربه لها التاريخ. فجعلت المرأة وطناً، والحدود رجلاً، وملوك الطوائف وشعراءهم غرباء عن التغنّي بأمجادهم بعد عزٍّ. وأسكنتهم في رواية مسبوكة بحبر استعارته من قارئة عاشقة، قرأت قبل مئة عام، عن حاكم أشبيلية "المعتمد" الذي نُفي إلى أغمات قبل ثمانية قرون.












0 تعليق