"حفلات الافتراس" - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
"حفلات الافتراس" - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 11:19 صباحاً

محمد سعيد حميد - اليمن

 

 

 

في مساءٍ رمضاني بدا هادئاً على غير عادته، كان سليم يجلس أمام شاشة هاتفه، يتصفح الأخبار والتدوينات بلا اكتراث. انعكس الضوء الأزرق على وجهه في غرفةٍ نصف معتمة، بينما كانت ساعة الحائط تدق ببطء، كأنها تحصي أنفاس الليل. اعتاد ضجيج الفضاء الرقمي، واعتاد أن تمرّ موجات الغضب والجدل كما تمرّ الرياح على نافذةٍ مغلقة. لكن تلك الليلة لم تكن عادية.
توقّف عند تدوينة طويلة كتبها شخص مجهول، جعلت الدم يتجمّد في عروقه. بدت الكلمات على الشاشة حروفاً سوداء حادّة، كأنها شظايا زجاج متناثرة، مشبعة بالسمّ: كلمات قاسية، اتهامات، وتلميحات جارحة تمسّ الكاتبة شريفة عبدالستار.
شريفة عبدالستار… شابة شجاعة في مقتبل العمر، لا تخاف في اللهِ لومة لائمٍ حين تكتب أو تتحدث. كان صدى صوتها في القاعات يسبقها، وتشدّ انتباه الحاضرين ما إن تمسك الميكروفون بلباقة طرحها. أنهكها المرض أخيراً، حتى أُشيع أن مرضها بفعل فاعل، بعد مأدبة غذاء على شرف أحد ضيوف الدولة.
صارت تقضي أيامها بين غرفٍ تفوح منها رائحة الأدوية: غرفةٍ بيضاء باردة في المستشفى، وغرفةٍ حارة في بيتها.
وفي الوقت الذي يواجه فيه زوجها أحمد رشيد محاكماتٍ متتابعة، وجدت نفسها هدفاً لحملة إعدامٍ مبيتة.
كان أحمد رشيد وشريفة عبدالستار حديثي التخرّج، لكن حروفهما بدت أكبر من عمرهما، وأكثر التصاقاً بالشارع؛ يلتقطان نبضه ببساطة نادرة، حتى غدت الصحف التي يكتبان فيها تُتداول بشغف، وتنتشر كتاباتهما قبل أن يجفّ الحبر.
أعاد سليم قراءة التدوينة مرة، ثم ثانية، ثم ثالثة، وهو يتناول أكواب القهوة تباعاً من دون شعور. شعر بأن الكلمات لا تجرح امرأة بعينها فقط، بل تجرح كرامة الإنسان ذاتها.
أغلق الهاتف للحظة، أشعل سيجارته وحدّق في السقف، حيث تدور مروحة بطيئة تخبئ فكرة لم تكتمل. تساءل:
كيف يمكن لكلماتٍ أن تتحول إلى رصاص؟ وكيف يصبح التشهير رياضة يومية تُمارَس بلا وجل؟
لم يكن سليم غريباً عن هذا العالم. كان يعمل في مجال الحقوق المدنية، وقد شاهد حملات تبدأ بتدوينة وتنتهي بعزلة، أو بفقدان عمل، أو بانكسار روح. كان يتذكر وجوهاً خلف ملفات قضايا: عيون متعبة، وأصوات خافتة كأضواء مدينة بعيدة. لكنه كان يؤاسي نفسه دائماً بأن الضجيج عابر، وأن الحقيقة تبقى.
إلا أن ما رآه هذه المرة بدا مختلفاً. لم يكن مجرد خلاف أو نقد، بل حفلة افتراس جماعي. تحولت شاشة هاتفه إلى مسرح مزدحم بظلالٍ متحركة: حساب يطلق الإشارة كصافرة صيد، تتبعه حسابات أخرى كقطيع جائع، وتعليقات ساخرة.
قال في نفسه:
- هؤلاء ليسوا سوى أدوات.
تذكّر وجوهاً كثيرة خلف الشاشات: غرف ضيقة مضاءة بمصابيح صفراء، شباب يكتبون بسرعة على لوحات مفاتيح رخيصة، وأكواب شاي بارد إلى جوارهم. أشخاص بلا حضور في الحياة الواقعية، لكنهم في العالم الافتراضي يتحولون إلى قضاة وجلادين معاً. بعضهم يبيع وقته في مقابل بضعة دراهم، وبعضهم يتاجر بغضبه، وبعضهم يحوّل شعوره بالهامشية إلى وقودٍ لحفلات الافتراس.
أشخاص يملكون ضجيجاً كثيراً ولا يملكون ما يقولونه. يتكئون على فراغهم، ويقتاتون من خدوش الآخرين. يبيعون ماء وجوههم في مقابل أوهامٍ تعشّش في عقولهم، ويعملون يومياً في ورشة سلخ جلود البشر.
نهض سليم من مكانه واتجه إلى الشرفة. كان الليل ساكناً، إلا من مواء قططٍ متقطع، والمدينة تمتد تحت السماء كبحرٍ من مصابيح خافتة. نوافذ مضاءة هنا وهناك، وكل نافذة تخبئ قصة لا يسمعها أحد. مرّ نسيم ربيعي خفيف على وجهه، بينما تلاشى صوت آذان متأخر في الأزقة. تذكّر كيف تتحول الخصومات إلى معارك بلا قواعد، وكيف يُستباح كل شيء: الحياة الخاصة، المرض، الأسرة، الألم.
قال بصوت خافت، وهو يراقب النجوم تلملم وهجها:
- حتى في الحروب هناك حدود… فلماذا لا توجد هنا؟
وأردف:
- هل يعقل أن يكون شرف شريفة عبدالستار عرضةً للابتزاز الرخيص؟
عاد إلى الداخل، وفتح الهاتف مجدداً. تصفّح التعليقات تحت التدوينة. مئات الردود تتدفق كطوفانٍ نصي: وجوه ضاحكة صفراء، كلمات غاضبة، تعليقات تتتابع كدقات طبول. بعضها يضحك، بعضها يشتم، وبعضها يراقب بصمت. ذلك الصمت تحديداً كان أكثر ما أخافه.
في خضم هذه المعاناة، لم يُسمع إلا الصمت.
صمت المثقفين والفنانين والمحامين والسياسيين والبرلمانيين. أسماء كبيرة تلمع في الواجهة العامة، لكنها بدت الآن تماثيل حجريةً في ساحة مهجورة. يكتفون بمراقبة المشهد عن بعد، وأقصى ما يفعلونه "الاستنكار الصامت"، منشغلين بشؤونهم الخاصة.
صمت يمنح الجلاد شعوراً بالأمان.
صمت يؤجّل دور الصامت في قائمة الضحايا: "أُكلتُ يوم أُكل الثور الأبيض".
تذكّر كلمات القس الألماني مارتن نيمولر عن أولئك الذين صمتوا حين أُخذ الآخرون، حتى جاء دورهم فلم يجدوا من يتكلم. شعر أن تلك الكلمات لم تكن تاريخاً، بل جرس إنذار معلّق فوق أبواب الأزمنة:
"عندما جاء النازيون لأخذ الشيوعيين، صمتُ - فأنا لستُ شيوعياً.
وعندما سجنوا الديموقراطيين الاجتماعيين، صمتُ - فأنا لستُ ديموقراطياً اجتماعياً.
وعندما أخذوا النقابيين، لم أقل شيئاً - فأنا لستُ نقابياً.
وعندما جاؤوا لأخذي في النهاية،
لم يبقَ أحدٌ ليقول شيئاً".
جلس سليم وبدأ يكتب. تحرّكت أصابعه ببطء أول الأمر، ثم بسرعة متزايدة كنبضٍ يستعيد قوته. لم يكتب دفاعاً عن شخص بعينه، بل عن فكرةٍ بسيطة: أن الكرامة ليست انتقائية، وأن حرية أي إنسان لا تكتمل ما دامت حرية غيره مهدَّدة، وأن التشهير -مهما تغيّرت مبرراته- يبقى عنفاً معنوياً يترك ندوباً لا تُرى، كشقوقٍ دقيقة في مرآة الروح.
كتب عن شريفة عبدالستار المستلقية على سريرها الأبيض، عيناها نصف مغمضتين، تبتسم بتعب. جهاز المراقبة على الطاولة المجاورة يطلق صفيراً متقطعاً لقلبٍ ما زال يقاوم، بينما يتسلل همس الدعاء من زوايا الغرفة، وتتكاثر الشتائم على الشبكة الافتراضية كالغيوم السوداء.
كتب عن الزوج، حاملاً ملفه الثقيل كما يحمل عمره كله على كتفيه. عيناه متعبتان، يتنقل بين الأروقة القضائية كغريب في مدينة لا تعرف الرحمة.
كتب عن مجتمع يظن أن الفرجة موقف. جموع تجلس في مدرجٍ واسع، تتبادل النظرات والهمسات، تتابع العرض من دون أن تدرك أنها جزء منه، وأن صمتها يغذي الوحش الذي يفتك بالآخرين. كل ضحكة ساخرة، وكل صمت، قطعة من اللعبة الكبرى التي لا يراها إلا من يكتوي بنارها.
كتب عن خوفه من يومٍ يصبح فيه التشهير تقليداً، مثل نشرات الطقس، يمرّ الناس عليه بلا دهشة، كغيوم عابرة في سماء معتادة.
وحين أنهى، لم يشعر بالنصر ولا بالراحة. نشر كلماته، ووضع الهاتف جانباً، وأدرك أن الصمت لا يصنع نجاة، بل يؤجّل الدور فقط؛ وأن من يكتفي بالمشاهدة طويلاً قد يستيقظ يوماً ليجد اسمه في مقدمة المشهد الأخير.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق