نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ترامب في المستنقع الإيراني.. هل تغيرت قواعد القوة في العالم؟ - تواصل نيوز, اليوم السبت 13 يونيو 2026 11:18 صباحاً
في السياسة الدولية، لا تقاس نتائج الحروب بعدد الصواريخ التي أطلقت أو حجم الدمار الذي خلفته، وإنما بمدى تحقيق الأهداف السياسية والاستراتيجية التي خيضت من أجلها الحرب. ومن هذا المنطلق، تبدو المواجهة الأمريكية الإيرانية واحدة من أكثر الصراعات التي كشفت عن التحولات العميقة التي يشهدها النظام الدولي، وعن حدود القوة العسكرية التقليدية في مواجهة خصوم يمتلكون أدوات مختلفة في إدارة الصراع.
دخل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب المواجهة مع إيران وهو يراهن على التفوق العسكري الأمريكي الهائل، وعلى أن الضغوط الاقتصادية والقوة النارية قادرتان على فرض شروط واشنطن وإجبار طهران على تقديم تنازلات استراتيجية. غير أن مجريات الصراع أظهرت أن إيران استطاعت امتصاص الضربات والحفاظ على تماسك مؤسساتها، وإدارة المواجهة بمنطق الاستنزاف طويل الأمد، وليس بمنطق الحسم السريع الذي اعتادت عليه الولايات المتحدة في حروبها السابقة.
وفي المقابل، بدأت دوائر الفكر الأمريكية ومراكز الدراسات الاستراتيجية تتحدث عن حدود القوة الأمريكية وعن التكلفة المتزايدة لاستمرار الانخراط العسكري المفتوح، خاصة مع الضغوط التي تواجهها الصناعات العسكرية الأمريكية في تعويض مخزون الذخائر والصواريخ، فضلاً عن التعقيدات البيروقراطية التي تحكم عمليات الإنتاج والتسليح.
ولأول مرة منذ نهاية الحرب العالمية الثانية، تواجه القوة العسكرية الأمريكية اختباراً حقيقياً أمام دولة من العالم النامي تمتلك قدرات عسكرية غير تقليدية، الأمر الذي فتح الباب أمام نقاشات واسعة حول طبيعة الحروب الحديثة، وحدود التفوق التكنولوجي، وقدرة الدول الكبرى على خوض حروب الاستنزاف الممتدة.
وفي المقابل، استطاعت إيران أن تقدم نموذجاً مختلفاً في بناء قدراتها العسكرية، من خلال الاعتماد على التصنيع المحلي وتطوير برامجها الصاروخية ومنظومات الردع الخاصة بها، بما منحها هامشاً واسعاً للمناورة وفرض معادلات جديدة في الإقليم. كما أن الأداء الإيراني في إدارة الصراع أثار اهتمام القوى الكبرى، التي تراقب هذه المواجهة باعتبارها مختبراً مفتوحاً للحروب المستقبلية.
ومن وجهة نظري كباحث في الجيوسياسية والصراعات الدولية، فإن قراءة هذه المواجهة لا ينبغي أن تتم من خلال الحسابات العسكرية المباشرة فقط، بل من خلال فهم الجغرافيا السياسية والجغرافيا العسكرية. فإيران لا تستمد أهميتها من قدراتها العسكرية وحدها، وإنما من موقعها الاستراتيجي الذي يربط الخليج العربي ببحر العرب والمحيط الهندي، ومن إشرافها على واحد من أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق هرمز، الذي تمر عبره نسبة كبيرة من تجارة الطاقة العالمية.
كما أن الطبيعة الجغرافية لإيران، بما تحتويه من عمق استراتيجي ومساحات واسعة وسلاسل جبلية معقدة، تجعل من أي مواجهة طويلة الأمد ضدها حرباً مكلفة للغاية، وهو ما أدركته الإدارات الأمريكية المتعاقبة منذ عقود.
وفي المقابل، تواجه الولايات المتحدة تحدياً يتمثل في اتساع رقعة مصالحها العسكرية والاستراتيجية، الممتدة من أوروبا إلى الشرق الأوسط وصولاً إلى المحيطين الهندي والهادئ، وهو ما يفرض عليها توزيع مواردها وقدراتها على عدة جبهات في وقت واحد.
ومن هنا، فإن ما نشهده ليس مجرد مواجهة بين واشنطن وطهران، بل اختبار حقيقي لمدى قدرة القوة العسكرية التقليدية على التعامل مع استراتيجيات الردع غير المتماثل التي أصبحت تعتمدها القوى الإقليمية الصاعدة.
وفي تقديري، فإن الأهمية الحقيقية لهذه المواجهة تتجاوز حدود الشرق الأوسط، لأن الصين وروسيا تتابعان تفاصيلها بدقة بالغة. فبكين تنظر إلى هذه الحرب باعتبارها نموذجاً يمكن الاستفادة من دروسه في أي صراع مستقبلي حول تايوان، بينما ترى موسكو أن تآكل الهيمنة الأمريكية يفتح الباب أمام نظام دولي أكثر تعددية.
لقد أثبتت التطورات الأخيرة أن القوة العسكرية وحدها لم تعد كافية لحسم الحروب، وأن الجغرافيا، والاقتصاد، والقدرة على الاستنزاف، وإدارة الزمن السياسي والعسكري، أصبحت عوامل لا تقل أهمية عن حاملات الطائرات والقاذفات الاستراتيجية.
وربما يكون السؤال الأكثر أهمية الذي تطرحه هذه المواجهة هو: هل نشهد بداية النهاية لعصر الهيمنة الأمريكية المنفردة، وبداية تشكل نظام دولي متعدد الأقطاب؟
من وجهة نظري، فإن العالم يقف بالفعل أمام مرحلة انتقالية كبرى، لا تشبه مرحلة الحرب الباردة، ولا تشبه النظام الأحادي الذي أعقب انهيار الاتحاد السوفيتي. إنها مرحلة جديدة تعاد فيها صياغة موازين القوى، وتتشكل فيها خرائط النفوذ من جديد، ليس فقط عبر القوة العسكرية، بل من خلال التفاعل المعقد بين الجغرافيا السياسية، والاقتصاد، والتكنولوجيا، وإرادة الدول في الدفاع عن مصالحها.
ولهذا، فإن الحرب الأمريكية الإيرانية لا يمكن النظر إليها باعتبارها أزمة عابرة، بل باعتبارها أحد المؤشرات الكبرى على أن القرن الحادي والعشرين قد يكون قرن نهاية الهيمنة المطلقة، وبداية عصر التوازنات الدولية الجديدة، حيث لم تعد القوة وحدها كافية لكتابة السطر الأخير في التاريخ!!
اقرأ أيضاً
وفد باكستاني يتوجه لجنيف للمشاركة في توقيع اتفاق السلام بين أمريكا وإيرانباكستان: تم الاتفاق على النّص النهائي لمذكرة التفاهم بين أمريكا وإيران
مسؤول أمريكي: مسودة الاتفاق مع إيران تتضمن رفع الحصار وتفكيك برنامجها النووي















0 تعليق