هل يتحوّل دفن خامنئي إستعراض قوة أم يخزل الشارع مجتبى؟ - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
هل يتحوّل دفن خامنئي إستعراض قوة أم يخزل الشارع مجتبى؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 14 يونيو 2026 04:50 مساءً

تكشف التطورات الأخيرة داخل نظام ولاية الفقيه أن مرحلة ما بعد خامنئي لا تُدار من موقع قوة، بل من موقع خوف مركّب. خوف من الشارع وخوف من تفكّك القمة. ففي آخر رسائله السياسية حدّد مجتبى خامنئي عملياً تهديدين رئيسيين للنظام. تآكل قدرة المجتمع على التحمّل، واتساع الشقاق داخل رأس السلطة. لذلك دعا الى الوحدة والإنسجام والثقة المتبادلة بين الشعب والمسؤولين" محذراً من أي تصرّف يؤدي الى فقدان ثقة الناس وإحباطهم وفي ذلك "مساعدة للعدو". هذه العبارة ليست أخلاقية أو إعلامية فقط بل أمنية بامتياز. فهي تعني أن مركز السلطة الجديد يرى أن الخطر الحقيقي لا يأتي فقط من الخارج بل من لحظةٍ تلتقي فيها الأزمة الإجتماعية مع الإنقسام داخل الحكم. من هنا يمكن فهم إلحاح النظام على خطاب الوحدة لا كدليل إستقرار بل كمؤشر على قلق عميق من إحتمال إنتقال التصدّع في القمة الى الشارع. الخلاف داخل النظام ليس جديداً لكن هذه المرة يختلف نوعياً فغياب خامنئي إزال مركزاً كان قادراً رغم كل أزماته على ضبط الأجنحة وفرض التوازن بينها. أما مجتبى فرغم نفوذه داخل بيت المرشد وإرتباطه بالأجهزة الأمنية، فان "الحرس الثوري" لا يملك حتى الآن القدرة نفسها على فرض الهيمنة على شبكات السلطة المتنافسة. لذلك فإن كثرة الحديث عن الوحدة ليست دليل قوة بل دليل أزمة. حين تحذف وسائل الإعلام الرسمية أجزاء من رسالة مجتبى وحين يكتب عشرات النواب ضد التفاوض مع الولايات المتحدة بينما يدفع آخرون في إتجاه التسوية، فهذا يعني أن الخلاف لم يعد تفصيلاً داخل الغرف المغلقة بل أصبح جزءاً من المشهد السياسي العلني. الأهم أن هذه التصريحات تأتي في لحظة لا يملك فيها النظام ترف المناورة الطويلة. فهو يواجه ملفات متراكمة: أزمة إقتصادية خانقة، غضبٌ إجتماعي، مأزق الحرب والتفاوض، وتراجع قدرة السلطة الجديدة على فرض الطاعة داخل بنية الحكم. الى جانب إنشقاق في القمة يواجه النظام أزمة إجتماعية متفاقمة. فالإحتقان الشعبي الذي كان أساس انتفاضات 2017 و2019 و2022 وما بعدها لم يتراجع، بل ازداد عمقاً بفعل الإنهيار الإقتصادي، وتراجع الخدمات، وتوسع الفقر، واستمرار الإعدامات والقمع. دلالات خطاب مسؤولي النظام حول "ضرورة حفظ الشارع" تكشف أن الشارع لم يعد مجرّد ساحة إحتجاج، بل أصبح في وعي النظام "الأمل الأمني الأخير" الذي يخشى فقدانه. وعندما يتحدث بعض محلّلي النظام عن وضع يُشبه "مرضاً سرطانيا" لا يستطيع النظام علاجه، فذلك يعكس إدراكاً داخلياً بأن الأزمة الداخلية يمكن أن تتحوّل في أي لحظة أزمة إجتماعية وسياسية كبرى. بهذا المعنى فإن الخوف من الإنتفاضة ليس عنصراً جانبياً في حسابات النظام، بل هو الخلفية التي يجب من خلالها قراءة كل سلوك سياسي وأمني في المرحلة الحالية. 

 

"الحرب والتفاوض: معادلة لا يستطيع النظام حسمها". من هنا يجب قراءة الحرب والتفاوض مع واشنطن. النظام يعرف أن الحرب تُضعفه وتستنزفه، لكنه يرى في الأزمات الخارجية وسيلة لتأجيل الإنفجار الداخلي وفرض الإنضباط، وتبرير القمع وإعادة ترتيب السلطة. في المقابل لا يستطيع الذهاب الى سلام حقيقي أو تفاوض جذري لأن ذلك يعني التخلي عن أدوات إبتزازه وبقائه. لذلك يحاول النظام العيش في منطقة رمادية لا حرب شاملة ولا سلام حقيقي. لا مواجهة كاملة ولا تسوية نهائية. لكنه يعرف أن هذه المعادلة موقّتة، وأن استمرارها لا يحل أزماته البنيوية. فالحرب والمفاوضات ليست ملفين خارجيين فقط، بل أداتان يستخدمهما النظام لإدارة خوفه من الداخل، ومحاولة منع تراكم الغضب الإجتماعي من التحوّل انتفاضة شعبية.
"مشروع إستعراض الجثمان: صناعة شرعية بعد الموت". من هنا يمكن فهم مشروع تشييع خامنئي لا كحدث جنائزي منفصل بل كجزء من معركة النظام لصناعة صورة قوة في لحظة ضعف. فاستعراض جثمانه في طهران وقم وربما في مدن عراقية مثل النجف وكربلاء قبل نقله الى مشهد في بداية شهر محرّم يحمل وظيفة سياسية وأمنية واضحة. الهدف ليس دينياً أو جنائزياً فقط. النظام يريد ربط خامنئي بعاشوراء ومراسم محرّم، وتحويل الجنائزة إستفتاءً دعائياً على بقاء النظام وشرعية مجتبى. الحديث المبكر عن 15 الى 20 مليون مشارك في التشييع يكشف طبيعة المشروع: صناعة مشهد جماهيري ضخم عبر أجهزة الدولة، والنقل التلفزيوني، والحشد المنظّم، والضغط الإداري، ثم تقديمه دليلاً على أن خامنئي كان أكثر حضوراً من خميني، وأن مجتبى يرث قيادة "لها شعبية" واسعة. عدم دفن خامنئي الى جانب خميني يحمل هو الآخر دلالة سياسية، فالنظام لا يريد أن يظهر خامنئي إمتداداً ثانوياً لخميني. بل يسعى الى صناعة مركز رمزي مستقل له في مشهد للإستفادة من البعد الديني والزيارات والحشد المستمر بهذا المعنى. لا يريد النظام دفن خامنئي فقط بل يريد تحويل قبره اداةً سياسية مستمرة في خدمة تثبيت مجتبى.

 

القراءة التحليلية: استعراض جثمان خامنئي ليس دليل ثقة بل خوف. يحاول النظام عبر الجنازة أن يريد على ثلاث أزمات. أزمة الشرعية وأزمة الشارع وأزمة إنتقال السلطة. يريد أن يقول للداخل والخارج أن له قاعدةً إجتماعية، وأنه قادر على الصمود أما الحرب والإنتفاضة. لكن هذه الصورة مهما ضُخّمت إعلامياً لا تحل أزمة الماء والكهرباء والغاز، ولا تعالج الفقر، ولا توقف صراع الأجنحة، ولا تجيب عن مأزق الحرب والتفاوض. ما يجري ليس مجرد مراسم تشييع بل محاولة لصناعة شرعية مصطنعة في لحظة إنتقال هش. استعراض جثمان خامنئي يهدف الى إخفاء إنقسام القمة وخوف النظام من الشارع. لكنه لا يستطيع إلغاء الحقيقة الأساسية. وهي نظام مثقل بالأزمات، ومجتمع قابل للإنفجار، ومقاومة منظمة قادرة على تحويل لحظة الضعف في القمة الى فرصة ضغط في الشارع. في هذا السياق لا يبدو مشروع التشييع حدثاً منفصلاً عن معركة البقاء داخل النظام بل جزءاً من محاولة أوسع للربط بين عناصر ثلاثة. إتساع التصدّعات في رأس السلطة، خوف النظام من الشارع، والسعي الى تحويل جثمان مجتبى أداةً دعائية لتثبيت خلافته. وقد يتحوّل ما يريد النظام تقديمه كاستعراض قوة دليلاً إضافياً على هشاشةً خصوصاً إذا استطاعت المقاومة المنظمة تحويل الضعف ضغطاً سياسياً واجتماعياً في الشارع.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق