نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الثّمن الخفيّ لكل سؤال تطرحه - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 05:40 صباحاً
يعيد الذكاء الاصطناعي رسم ملامح الحضارة، لكن الفاتورة تبدو باهظة. فما يكشفه التقريرٌ الجديد الصادر عن معهد الأمم المتحدة للمياه والبيئة والصحة، يقدم الذكاء الاصطناعي كنظام مادي نَهِم، يلتهم الكهرباء ويُطلق الكربون، ويبدد المياه على نطاق يصعب استيعابه.
في عام 2025، استهلكت مراكز البيانات حول العالم ما يُقدَّر بـ448 تيراواط-ساعة من الكهرباء، أي ما يكفي لتشغيل دولة متوسطة الحجم. وهذا الرقم الهائل ليس سوى محطة عبور. فعلى المسار الراهن، قد يتجاوز استهلاك مراكز البيانات من الكهرباء 945 تيراواط-ساعة بحلول عام 2030، أي ما يقارب ثلاثة أضعاف الاستهلاك السنوي المشترك لباكستان وبنغلاديش ونيجيريا، وهي دول يقطنها أكثر من 650 مليون إنسان.
وبالتالي فإن البصمة الكربونية المتوقعة لاستهلاك مراكز البيانات عام 2030 ستبلغ نحو 399 مليون طن من ثاني أوكسيد الكربون المكافئ، وهو رقم يستلزم تعويضه نمو 6.7 مليارات شجرة على مدى عقد، أي ضعفَي عدد الأشجار في بريطانيا بأسرها. أما البصمة المائية فتبلغ 9.3 تريليونات ليتر، أي ما يعادل الاحتياجات المنزلية السنوية لكل سكان أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى البالغ عددهم 1.3 مليار نسمة.
ويُميّز التقرير بدقة بين مرحلتين رئيسيتين من استهلاك الموارد. الأولى وهي التدريب، أي العملية التي يتعلم فيها النموذج من بيانات ضخمة على مدى أسابيع أو أشهر، وهي مرحلة تستهلك كميات هائلة من الموارد. أما الثانية فهي الاستدلال، أي العملية التي يُجيب فيها النموذج عن سؤالك ويُولّد صورتك ويكتب بريدك الإلكتروني، وهي خفيفة الاستهلاك لكل تفاعل على حدة، غير أنه يحدث مليارات المرات يومياً، وهذا الإيقاع الذي لا يهدأ هو ما يُهيمن في نهاية المطاف على الحساب. ويُقدَّر أن الاستدلال يستأثر بما بين 80 و90 بالمئة من إجمالي استهلاك الذكاء الاصطناعي للطاقة.
ثمة أيضاً مسألة نوع الذكاء الاصطناعي الذي تشغّله. ليست كل الاستفسارات سواء. فالسؤال النصي على طراز يستهلك من الطاقة ما يزيد على مئتي ضعف ما تستهلكه تصنيفات النصوص الأساسية كفلترة البريد المزعج. وتوليد صورة واحدة بالذكاء الاصطناعي يستلزم 2.9 واط-ساعة، أي ستين ضعف ما تحتاجه إجابة نصية قصيرة أما توليد الفيديو، ذلك الميدان الذي تتسابق إليه كل المنصات اليوم، فيمثّل الحدود الأكثر استنزافاً للطاقة، حيث تستهلك مقاطع الفيديو العالية الدقة على النماذج الكبيرة أكثر من 415 واط-ساعة للمقطع الواحد، ما يعني أن فيديو قصيراً واحداً مُولَّداً بالذكاء الاصطناعي يستنزف من الكهرباء بقدر ما تستهلكه 200 ألف عملية فلترة للبريد المزعج.
وهذه الفوارق تحمل داخلها ثقلاً أخلاقياً. فالكهرباء اللازمة لإنتاج فيديو ذكاء اصطناعي يُستهلك في ثوانٍ ثم يُنسى، هي الكهرباء ذاتها التي قد تُضيء منزلاً في بلد فقير لأيام. والماء المُبخَّر لتبريد الخوادم يمكن في ظل الشُّح أن يُوجَّه لإبقاء البشر أحياء.







0 تعليق