غسان تويني في تاريخنا وحاضرنا وغدنا: أتركوا شعبي يعيش… يا جميع الآخرين - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
غسان تويني في تاريخنا وحاضرنا وغدنا: أتركوا شعبي يعيش… يا جميع الآخرين - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 8 يونيو 2026 06:16 صباحاً

لو كان للجيل الذي ولد قبل 14عاماً، تاريخ رحيل غسان تويني، أن يتعرف على قامةٍ أسطورية مرت في تاريخ الصحافة والفكر والديبلوماسية والسياسة في لبنان الذي "كان" عريقاً في كل شيء وبات الآن لا يملك إلا حنينه إلى ماضيه، لكفى أن تعرض لهذا الجيل مقارنة مبسطة ستدهشه بإزاء ما يثبت حضور غسان تويني، وهو غائب، في يوميات لبنان الحاضرة أكثر منا جميعاً، نحن الأحياء. منذ ستة عقود تحديداً وحتى الساعة، وحتى الغد وما بعده، لم يردد اللبنانيون، وكثيرون من العرب أيضاً، شعاراتٍ أو استعاراتٍ أو أوصافاً أو تعابير أو مفردات أو عناوين عامة عابرة للأزمان والأوقات والعصور، كما رددوا لغسان تويني صاحب آلاف المقالات الأشهر في تاريخ "النهار" والصحافة اللبنانية والعربية، والذي كانت صباحات الاثنين الإيذان الأكبر ببداية الأسبوع استناداً إلى افتتاحيته الأسطورية في "النهار" التي كانت أكبر نقطة جذبٍ شعبية ونخبوية وسياسية وديبلوماسية في العالم العربي بلا منازع. تبدو العودة إلى سيرة أسطورة الصحافة اللبنانية في يوميات لبنان الراهن، بمثابة عذابٍ حقيقي ليس لأن صاحب التاريخ الأشدّ عرضة لتجارب الموت في عائلته يعتصرك عذاباً في هذا الجانب من سيرته، بل لأن بطولاتٍ بهذا الوقع الحقيقي للبطولة التي توازي الترهب للقدر ومواجهته بالفلسفة الأعمق عن التعلق بالأمل والحياة والقيامة (المسيحية والفلسفية)، هي تعريف أساسي لغسان تويني إذا شئنا تقديمه للجيل الناشئ اللبناني والعربي.

 

ولكن ترانا في اللحظة الراهنة نستقي من معلمنا العملاق الراحل من  14 عاماً والمقيم فينا، في كل من عرفه وتعرف اليه وقرأه مدى عقود ولا يزال، وكل من حظي بشرف العمل وتشريف العمل تحت إشرافه ورعايته ورقابته، نستقي منه في أصول المهنة الأحب إلى قلبه وعقله وقلمه، في زمن البريق الأخّاذ للقلم والطباعة والصحافة التقليدية المطبوعة حيث الورق والحبر كانا يصنعان التاريخ، نستقي منه وجوب الكلام عن غسان تويني في حواضرنا قبل التاريخ والماضي واستناداً اليهما.

 

نقول إن السنوات الأخيرة وحدها، التي عاد فيها عصف الكوارث الحربية يسحق بلدنا ووطننا ويعيدنا الى صراعات النفوذ الخارجية الإقليمية والدولية والاحتلالات وإلى عصور الجاهلية القبلية الطائفية داخلياً، لم يحضر تعبير يختصر واقع لبنان المأسوي الدراماتيكي العبثي بفعل جنون التهور في استحضار العوامل القاهرة الخارجية اليه مجدداً، كما حضر مع شعار غسان تويني التاريخيّ الأيقوني الذي أطلقه في خطبته التاريخية أمام مجلس الأمن الدولي "أتركوا شعبي يعيش"، وتخلدت في أحد مؤلفاته الذي حمل هذا العنوان. كان في تلك الحقبة رجل أخّاذ ساحر يجمع عملقته الصحافية إلى  حب لبنان وعظمة الجرأة واتساع المعرفة والحنكة والديبلوماسية فيه، كان يشغل منصب مندوب لبنان الدائم لدى الأمم المتحدة حين حصل الاجتياح الإسرائيلي الأول للجنوب عام 1978، ولا مغالاة في أن ذاك المترهب للبنان، صحافةً وفكراً وديبلوماسية، غسان تويني، كان بطل القرار الدولي 425 الذي حرّر الجنوب ولو بعد حين، من الاحتلال الإسرائيلي الذي ناهضه تويني طوال مراسه الصحافي والديبلوماسي والوطني سواء بسواء. صرخ في ختام خطابه أمام مجلس الأمن الدولي: "أتركوا شعبي يعيش". وإذ بدورة الإقدار البائسة للبنان، تعيده مرات ومرات إلى استجرار الاحتلال الإسرائيلي على أيدي من نذروا شباباً لبنانيين ضحايا أمام مصالح نفوذ إيران وقبله الوصاية السورية البائدة.

 

تعاقبت تجارب الاحتلال مراراً، ولم يكن من توصيفٍ صارخ بالحقيقة الموجعة للحروب التي زلزلت لبنان إلا الشعار الأشهر الآخر الذي أطلقه غسان تويني منذ فجر الحرب الأولى التي دمرت لبنان الأيقونة العربية والشرق أوسطية في 1975 وتباعاً في سائر الحروب المشتقة والوصايات والاحتلالات المتناسلة، بلوغاً إلى اليوم، بعد 14عاماً من رحيل غسان تويني: "حروب الآخرين على أرض لبنان".

 

مكابرون متجبرون في لبنان وضعوا نصب أعينهم اشهار "حربٍ عقائدية" على فكر غسان تويني إنطلاقاً من تسفيه وصف "حروب الآخرين" لأن هؤلاء يشعرون بالعزلة القاتلة أمام تحول فكر غسان تويني دستور حياة وحقيقة للبنانيين، فيما هم يدمنون إدماناً قاتلاً استحضار حروب الآخرين، الحرب تلو الأخرى، تحت مسميات إسناد غزة وإسناد ايران وقبلهما إسناد النظام البعثي السوري، حتى آخر رمق لديهم... حروب الآخرين هذه، تنحر لبنان الآن على ألسنة الآخرين بلا حياء،  أليست هذه أيضاً "طبائع أنظمة الطغاة"؟ فكيف يغيب غسان تويني؟                                

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق