ثورة 26 سبتمبر.. مصر صنعت الدرع واليمنيون حملو الراية - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
ثورة 26 سبتمبر.. مصر صنعت الدرع واليمنيون حملو الراية - تواصل نيوز, اليوم الأحد 27 سبتمبر 2026 11:59 صباحاً

مصطفى بن خالد مستشار سابق في وزارة الخارجية اليمني

لم تكن ثورة السادس والعشرين من سبتمبر 1962 وليدة ليلةٍ واحدة، ولا واقعةً عسكريةً بدأت حين تحركت الدبابات في صنعاء وانتهت بإعلان الجمهورية من إذاعتها.

كانت ذروة مسار يمني طويل من الاعتراض على الحكم الإمامي، ومحاولات الإصلاح والتغيير التي سبقتها ولم تبلغ غايتها.

وفي تلك الليلة، حسم ضباطٌ يمنيون قرارهم، وأعلنوا قيام الجمهورية العربية اليمنية بعد أسبوعٍ واحد من تولّي محمد البدر الحكم خلفاً لوالده الإمام أحمد.

لكن الثورات لا تنتصر بمجرد إعلانها.

فقد نجا البدر، وأعاد أنصار الإمامة تنظيم قواتهم، وتحولت المواجهة إلى حربٍ امتدت سنوات.

كان على الجمهورية الوليدة أن تقاتل من أجل حقها في البقاء، بينما لم تكن قد امتلكت بعد مؤسسات الدولة أو جيشاً قادراً وحده على حسم الصراع.

عند هذه النقطة، تبرز حقيقة الدور المصري: صنع اليمنيون قرار الثورة، وأسهمت مصر إسهاماً حاسماً في صنع قدرتها على الصمود.

لهذا يحمل القول إن مصر "صنعت الثورة" معنى أعمق من نسبة شرارة سبتمبر إليها.

فالثورة فعلٌ يمني، حمله ضباطٌ ومصلحون وقوى اجتماعية يمنية، أما مصر بقيادة جمال عبد الناصر، فقد وقفت إلى جانب هذا الفعل حين أصبح مهدداً بالانطفاء.

ومن الخطأ أن يُمحى قرار اليمنيين باسم الوفاء لمصر، كما أن من الظلم أن يُختزل ما قدمته مصر في عبارة "ساندت الثورة"، فقد تجاوزت المساندة إلى مشاركةٍ عسكرية ومؤسسية دفعت ثمنها من دم أبنائها وموارد شعبها.

من إعلان الجمهورية إلى حرب بقائها

بعد سبتمبر، لم تكن المعركة بين نظامٍ سقط وآخر استقر.

كانت بين جمهورية تحاول أن تنشئ جيشها وإدارتها وتثبت سلطانها، وقوى ملكية تسعى إلى استعادة الحكم.

وتداخلت في الحرب حسابات دول الجوار والقوى الدولية، فأصبحت الأراضي اليمنية ميداناً لصراعٍ أوسع حول مستقبل شبه الجزيرة العربية وموقع مصر فيها.

وتشير دراسة تاريخية لجامعة هارفارد إلى أن وصول القوات المصرية الأولى جاء استجابةً لطلبٍ من الجمهوريين اليمنيين، وأن السعودية دعمت في المقابل المعارضة الملكية.

اتخذت القاهرة قراراً لم يقف عند الاعتراف بالجمهورية أو إرسال السلاح.

فقد أرسلت قواتٍ وخبراء، وربطت بقاء النظام الجمهوري بجزءٍ من قوتها ومكانتها العربية.

وتوضح دراسة منشورة لدى مطبعة جامعة كامبريدج مدى اتساع ذلك القرار: وصل عدد الجنود المصريين، وفق تقديرها، إلى نحو ثلاثة آلاف خلال ما يزيد قليلاً على أسبوع من الثورة، ثم إلى خمسة عشر ألفاً بعد ثلاثة أشهر، ونحو خمسين ألفاً بعد عام.

وتقدّر الدراسة أن الوجود العسكري بلغ نحو سبعين ألف جندي في صيف 1965، إلى جانب ما يصل إلى أربعمائة مستشار مدني.

هذه تقديرات بحثية لحجم الوجود في أوقات محددة، وليست رقماً للقتلى أو للخسائر.

تكشف هذه الأرقام أن الحديث عن دور مصر ليس مجاملةً تُقال في ذكرى وطنية.

لقد كانت أمامنا دولةٌ تُرسل عشرات الآلاف من أبنائها إلى حربٍ في أرضٍ جبلية قاسية، وتلتزم بإمدادهم وتدريب حلفائهم وإدارة تبعات قرارٍ لا تُعرف له نهاية قريبة.

كل رقمٍ في سجل الانتشار كان وراءه بيتٌ مصري ينتظر، وجنديٌ يواجه احتمال ألا يعود.

مصر في الجبهة وفي بناء الدولة

ولم يكن الوجود المصري عسكرياً وحده.

فبحسب الدراسة نفسها، عمل خبراء مصريون بين عامي 1962 و1967 في إنشاء الوزارات وإدارتها، وتشغيل المستشفيات، والتعليم، والإشراف على شق الطرق، وإعادة تنظيم الإدارة المحلية.

ودرّب ضباطٌ مصريون آلاف المتطوعين والمجندين اليمنيين، بينما أدخل مدرسون من مصر مناهج تعليمية إلى المدارس.

وهذه تفاصيل تستحق مكاناً في ذاكرة الثورة لا يقل عن مكان المعارك.

فالجمهورية لا تبقى بالبندقية وحدها، إنها تحتاج إلى مدرسة تُخرج جيلاً جديداً، ومستشفى يعالج الناس، وإدارة تستطيع أن تحول الإعلان السياسي إلى دولة تمس حياة المواطنين.

أسهم المصريون في تلك المجالات في ظروف حربٍ كانت تجعل كل خطوةٍ في البناء مهددةً بالتراجع.

ولا يعني ذلك أن مؤسسات اليمن كانت نسخةً مصريةً خالصة، بل يعني أن أثر مصر تجاوز خطوط القتال إلى محاولة إسناد الجمهورية وهي تتشكل.

كان هذا الالتزام تعبيراً عن رؤية سياسية مصرية.

إذ رأت القاهرة أن مصير الجمهورية اليمنية مرتبط بالتوازنات التي ستنشأ في المنطقة، وبقدرة المشروع الجمهوري الذي تبنته على الصمود.

ورأى الثوار اليمنيون أن السند المصري يمنحهم فرصةً لمواجهة خصومٍ لم تنتهِ قوتهم بسقوط الحكم في صنعاء.

التقت مصلحة الطرفين، لكن ذلك الالتقاء لم يكن بلا ثمن: اختُبر في المعارك، وفي إدارة حربٍ طويلة، وفي ميزانية دولة، وفي حياة أسرٍ يمنية ومصرية.

ثمنٌ دفعه جنود مصر وشعبها

سقط جنودٌ مصريون على أرض اليمن، وعادت إلى أسرهم خسارات لا تعوّضها خطبةٌ مهما بلغت بلاغتها.

تختلف المصادر في تقدير العدد الإجمالي للقتلى، ولهذا لا يحتاج إنصافهم إلى تثبيت رقمٍ غير محسوم.

ما يستحق أن يثبت في وعينا هو أن مصر أرسلت أبناءها إلى حربٍ طويلة، وأن بعضهم لم يعد، وأن كثيرين عادوا يحملون ذكريات ميادين لا تعرفها الأجيال التي ورثت ثمرة تضحياتهم.

ولم يقتصر الثمن على الأرواح.

استنزفت الحرب موارد عسكرية ومالية مصرية، بينما كانت المنطقة تقترب من مواجهة يونيو 1967.

ويختلف المؤرخون في مقدار تأثير حرب اليمن على استعداد مصر لتلك المواجهة، لذلك لا يصح تقديمها تفسيراً وحيداً لما حدث، كما لا يصح إسقاطها من الحساب.

إن النظر إلى الكلفة كاملةً لا ينتقص من القرار المصري، بل يجعل تقدير ما تحملته مصر أكثر صدقاً وعمقاً.

هنا يجب أن يكون الوفاء لمصر شجاعاً وأميناً معاً: نعترف ببطولة جنودها، وبحجم ما قدمته، وبما حملته أسرهم من ألم، ونعترف كذلك بأن حرباً بهذا الاتساع والكلفة تطرح أسئلةً تاريخية مشروعة حول قراراتها ونتائجها.

لا تحتاج مصر إلى تاريخٍ منزوع التعقيد كي تستحق الامتنان. يكفيها ما قدمته فعلاً.

حين انسحبت مصر… واصل اليمنيون الدفاع

بعد هزيمة يونيو 1967، اتجهت مصر إلى سحب قواتها من اليمن.

وكان ذلك اختباراً مصيرياً للجمهوريين: هل تستطيع الجمهورية أن تبقى بعدما غادر سندها العسكري الأكبر؟ وما إن اكتمل انسحاب القوات المصرية حتى تقدمت القوات الملكية نحو صنعاء، وبدأ الحصار الذي امتد نحو سبعين يوماً بين أواخر 1967 ومطلع 1968.

صمد المدافعون عن العاصمة، وأصبح ذلك الصمود فصلاً حاسماً في إثبات قدرة اليمنيين على حمل جمهوريتهم بأنفسهم.

تمنحنا تلك المرحلة مفتاحاً لإنصاف الجميع.

فلو تجاهلنا الدور المصري، لعجزنا عن فهم كيف اجتازت الجمهورية سنوات تأسيسها الأولى.

ولو تجاهلنا صمود اليمنيين بعد الانسحاب، لعجزنا عن فهم كيف بقيت الجمهورية حين واجهت امتحانها الأصعب.

كانت مساهمة مصر حاسمة في مرحلة الميلاد، وكان دفاع اليمنيين ضرورةً لاستمرار الحياة بعد ذلك الميلاد.

وبحلول عام 1970، اعترفت السعودية بالجمهورية العربية اليمنية، بعد سنوات من الحرب والتحولات السياسية.

لم يكن الوصول إلى تلك النتيجة أثر قرارٍ واحد أو معركةٍ واحدة، بل حصيلة مسارٍ طويلٍ من القتال والصمود والتحولات الإقليمية.

ماذا يعني الوفاء بعد أربعةٍ وستين عاماً؟

في الذكرى الرابعة والستين لثورة سبتمبر، يستحق المصريون الذين قاتلوا في اليمن وفاءً يتجاوز الشكر العاطفي.

نحتاج إلى توثيق أسماء من سقطوا، وحفظ شهادات من بقوا، وجمع وثائق تلك السنوات، وتعليم الأجيال كيف وقف جنديٌّ مصري إلى جانب جنديٍّ يمني في معركة بقاء الجمهورية.

ونحتاج إلى رواية تجربة الخبراء والمعلمين والأطباء المصريين أيضاً، حتى لا تقتصر الذاكرة على السلاح وتغفل ما جرى في المدرسة والمستشفى ومؤسسات الدولة.

ويستحق اليمنيون، في المقابل، أن تبقى ثورتهم فعلاً وطنياً حراً.

لم يخوضوا سبتمبر لكي تتحول الدولة إلى ملكٍ خاص، أو لتُوزَّع مؤسساتها حصصاً، أو ليُستبدل احتكارٌ قديم للسلطة باحتكارٍ جديد.

كان المعنى الأعمق للجمهورية أن تكون السلطة مسؤوليةً عامة، وأن تصبح المواطنة أساس الحقوق، وأن يُفتح مستقبل البلاد لكل أبنائها.

لهذا لا ينبغي أن ينتهي هذا المقال عند تعداد التضحيات.

فالسؤال الذي تطرحه سبتمبر علينا اليوم هو: هل صُنّا الغاية التي من أجلها بُذلت تلك الدماء؟ إن الجمهورية التي لا تحمي حق المواطن، ولا تحتكم إلى القانون، ولا تمنع توريث السلطة والاستئثار بها، تفقد معناها ولو بقي اسمها على المباني والأوراق.

لقد أعطت مصر للجمهورية اليمنية ما هو أثمن من التأييد: أعطتها من قوة جيشها، وموارد شعبها، وخبرة أبنائها، وأعمار رجالها.

وأعطاها اليمنيون القضية التي استحقت ذلك البذل: إرادة شعبٍ أراد أن يحكم نفسه.

لم يكن أحدهما هامشاً في قصة الآخر، لقد كتب الطرفان، كلٌّ بدوره وتضحياته، فصلاً عربياً نادراً من تاريخ الثورة والدفاع عنها.

مصر التي صنعت للثورة درعها، واليمنيون الذين حملوا رايتها، كتبوا معاً صفحةً لا يجوز أن تُنسى.

والوفاء لهذه الصفحة لا يكون بتمجيد الجمهورية في الخطب، بل بتوثيق تضحيات من حموها، وبناء دولةٍ لا تُورَّث، وسلطة لا تُطوف، وحماية جمهوريةٍ لا تُفرَّغ من معنى المواطنة الحقيقة.

اقرأ أيضاً
ثورة 23 يوليو.. حين استعادت مصر قرارها وأعادت رسم خريطة العرب 1-2

شذرات استراتيجية.. في الذكرى الـ 55 لرحيل جمال عبد الناصر «الخالد في الضمير العربي»

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق