نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
قمة شي-ترامب: من إدارة التنافس إلى هندسة الاستقرار - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 28 سبتمبر 2026 05:39 صباحاً
وارف قميحة*
لم تكن زيارة الرئيس الصيني شي جينبينغ إلى واشنطن حدثاً بروتوكولياً عابراً في سجل العلاقات الصينية–الأميركية؛ فكثافة المحادثات، وما سبقها من زيارة الرئيس دونالد ترامب إلى الصين في أيار/مايو الماضي، تكشف أن محاولة من القوتين لإعادة ضبط علاقة أصبحت من أكثر العلاقات الدولية تأثيرًا في الاقتصاد والأمن والتكنولوجيا ومستقبل النظام العالمي.
المنافسة بين الصين والولايات المتحدة حقيقة يصعب تجاوزها، وتمتد من التجارة والتكنولوجيا والذكاء الاصطناعي إلى النفوذ السياسي والأمني. لكن البلدين يرتبطان في الوقت نفسه بشبكة واسعة من المصالح الاقتصادية، ويملكان من الثقل الدولي ما يجعل أي اضطراب في علاقتهما يتجاوزهما سريعًا إلى بقية العالم.
الرسالة التي حملها شي إلى واشنطن لم تقم على افتراض إمكان إنهاء المنافسة، بل على وضع حدود لها، متحدثاً عن علاقة يكون فيها التعاون أساساً، والمنافسة معتدلة، والخلافات قابلة للاحتواء، والسلام هدفاً يمكن العمل من أجله؛ وهي صيغة تعترف بوجود الاختلافات، لكنها ترفض أن تصبح مساراً تلقائياً نحو المواجهة.
مصطلح "الاستقرار الاستراتيجي" الذي برز في لقاءات الرئيسين يختصر هذه المقاربة. فالمطلوب ليس علاقة خالية من التناقضات، وهو أمر غير واقعي بين قوتين بهذا الحجم، وإنما علاقة تملك من قنوات الاتصال والقواعد السياسية ما يسمح لها باستيعاب الأزمات قبل خروجها عن السيطرة، بحيث يمكن للطرفين أن يتنافسا في بعض المجالات ويتعاونا في أخرى، من دون أن تتحول المنافسة إلى سياسات تقوّض فرص التعاون أو التنمية المتبادلة. وسيكون الاقتصاد اختبارًا أساسيًا لهذه المقاربة. فالرسوم الجمركية والوصول إلى الأسواق والرقائق الإلكترونية وسلاسل الإمداد والسياسات الصناعية لا تزال تحمل عناصر خلاف جدية. لكن القمة سجلت خطوة عملية بالتوصل إلى ترتيب متبادل لخفض الرسوم الجمركية يتعلق بتجارة تبلغ قيمتها 30 مليار دولار، إلى جانب تفعيل آليات للتجارة والاستثمار. ولا تكمن أهمية هذه الخطوات في قيمتها الاقتصادية وحدها، بل في كونها محاولة لنقل الاستقرار السياسي المعلن إلى ترتيبات عملية يمكن البناء عليها.
وقد وصف شي التعاون بأنه "طريق ذو اتجاهين"، رابطاً إمكان حل المشكلات بالمساواة والاحترام المتبادل والمنفعة المتبادلة. وستظهر القيمة العملية لهذه المقاربة في قدرة الطرفين على بناء تفاهمات اقتصادية قابلة للاستمرار، بعيدًا من دورات التصعيد والتهدئة التي طبعت مراحل سابقة من العلاقة.
الذكاء الاصطناعي يدخل معادلة القوة
حضور الذكاء الاصطناعي في المحادثات الرئاسية يحمل دلالة تتجاوز الملف التقني؛ فالتكنولوجيا والرقائق والبيانات والذكاء الاصطناعي أصبحت جزءًا من عناصر القوة والنفوذ، والصين والولايات المتحدة من أبرز القوى المؤثرة في تطورها، بما يجعل علاقتهما تجمع بين المنافسة على الريادة التكنولوجية والحاجة إلى الحد من المخاطر.
دعوة شي إلى إبقاء الذكاء الاصطناعي تحت السيطرة البشرية، واعتماد نهج يتمحور حول الإنسان واستخدام التكنولوجيا لأغراض الخير، قابلها تأكيد ترامب أهمية استمرار الحوار بشأن تقنية ستؤثر في مستقبل البشرية. ولم يبق هذا الحوار عند مستوى المبادئ، إذ اتفق الجانبان على إطلاق حوار مخصص لمناقشة مخاطر هذه التكنولوجيا وفوائدها، وعلى إنشاء قناة اتصال ثنائية للحوادث المرتبطة بها. وبذلك يدخل إلى العلاقة عنصر جديد: البحث عن آليات للتعامل مع مخاطر التكنولوجيا بالتوازي مع المنافسة على تطويرها.
ملفات حساسة لم تغب
الأجواء الإيجابية التي أحاطت بالزيارة لم تُبعد القضايا الحساسة عن المحادثات. فقد أكد شي موقف الصين بشأنإعادة التوحيد الوطني وسلامة الأراضي، ودعا الجانب الأميركي إلى معارضة "استقلال تايوان" والتعامل بحذر مع مسألة تايوان. ويكشف حضور هذه المسألة، إلى جانب الملفات الاقتصادية والتكنولوجية والأمنية، أن بناء الاستقرار الاستراتيجي لا يقوم على تجاهل نقاط الاختلاف، بل على إدارتها بما يحول دون انتقال تداعياتها إلى مجمل العلاقة.
وتُقاس أهمية اللقاء بقدرته على تعزيز قنوات التواصل ومنع الخلافات من دفع العلاقة نحو أزمات يصعب احتواؤها؛ فالاستقبال الرسمي واللغة الودية يحملان إشارات سياسية، لكن المعيار سيكون ما ستنتجه المرحلة المقبلة من تفاهمات، ومدى قدرة قنوات الحوار على الصمود عند ظهور خلاف جدي.
وكان لافتاً أن يمنح شي مساحة للعلاقات بين الشعبين، مستعيدًا دبلوماسية كرة الطاولة والتعاون التاريخي بين الصينيين والأميركيين، ومعلنًا دعوة مئة ألف شاب أميركي لزيارة الصين والمشاركة في برامج للتبادل والدراسة خلال السنوات الخمس المقبلة؛ فالمعرفة المباشرة بين المجتمعات تشكل عنصرًا من عناصر الاستقرار، خصوصًا عندما تتسع الصور النمطية مع انكماش مساحات اللقاء.
والعالم العربي؟
ما يجري بين بكين وواشنطن يمسّ المنطقة العربية بصورة مباشرة؛ فالولايات المتحدة شريك سياسي وأمني واقتصادي رئيسي لدول عربية عديدة، فيما أصبحت الصين شريكاً تجارياً واقتصادياً رئيسياً لعدد كبير منها، مع حضور متنامٍ في الاستثمار والطاقة والبنية التحتية والتكنولوجيا.
ولم يغب الشرق الأوسط عن محادثات الرئيسين. فبحسب الجانب الأميركي، اتفق الرئيسان على أن إيران لا ينبغي أن تمتلك سلاحًا نوويًا، وعلى عدم السماح لأي دولة أو جهة بفرض رسوم على الممرات المائية الدولية، فيما أشار الجانب الصيني إلى مناقشة الوضع في الشرق الأوسط ضمن القضايا الدولية والإقليمية التي تناولها اللقاء. ويكتسب ذلك أهمية خاصة في ظل حساسية مضيق هرمز بالنسبة إلى أمن الطاقة والتجارة العالمية، ويؤكد أن أثر العلاقةالصينية-الأميركية لا يتوقف عند التوازن بين القوتين، بل يمتد إلى ملفات تمس المنطقة مباشرة.
والتصعيد بين القوتين يضيّق هامش الحركة أمام الدول الأخرى، بينما يمنح استقرار علاقتهما مساحة أوسع لبناء شراكات متعددة وفق المصالح الوطنية. فالمنطقة العربية لا تحتاج إلى نظام دولي يعيد إنتاج منطق المعسكرات المغلقة، ولا إلى أن تصبح علاقاتها مع قوة دولية سبباً في توتر علاقاتها مع قوة أخرى، خصوصًا مع اتجاه النظام الدولي نحو قدر أكبر من التعددية.
قمة واشنطن لم تنه المنافسة الصينية–الأميركية، ولم يكن هدفها إنهاءها، بل سعت إلى وضعها داخل إطار سياسي يمكن التحكم به: تعاون حيث توجد مصالح مشتركة، ومنافسة لا تنزلق إلى الإقصاء، وخلافات تُدار بالحوار بدل أن تتراكم حتى تصبح أزمات. والنتائج الاقتصادية، وإطلاق الحوار التكنولوجي، واستمرار قنوات التواصل السياسي تمنح هذا التوجه مضمونًا عمليًا، وإن كانت قيمته ستتحدد بقدرته على الصمود أمام الاختبارات المقبلة.
فالعالم لا ينتظر من الصين والولايات المتحدة أن تتفقا على كل شيء، ولا يحتاج إلى تطابق رؤيتيهما ومصالحهما. ما يحتاجه، في زمن تتكاثر فيه الحروب والأزمات الاقتصادية والتكنولوجية، هو أن تتمكنا من إدارة اختلافاتهما من دون أن تتحول المنافسة بينهما إلى أزمة جديدة يدفع الآخرون ثمنها.
*رئيس الرابطة العربية الصينية للحوار والتواصل
رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث
-المقاربة الواردة لا تعكس بالضرورة رأي مجموعة "النهار" الإعلامية







0 تعليق