الصحة في زمن الأزمات: من عبء على الدولة إلى استثمار في الإنسان والمستقبل - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الصحة في زمن الأزمات: من عبء على الدولة إلى استثمار في الإنسان والمستقبل - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 29 سبتمبر 2026 05:14 مساءً

في عالم يزداد اضطراباً بفعل الحروب والأزمات الاقتصادية والتغير المناخي والتطور المتسارع للذكاء الاصطناعي، لم يعد الاستثمار في القطاع الصحي ترفاً أو بنداً إضافياً في الموازنات العامة، بل أصبح جزءاً من الأمن الوطني والاقتصادي، ومن قدرة الدول على الصمود والاستمرار، ورفع القدرة الإنتاجية وتأمين الرفاء والازدهار الاجتماعي والاقتصادي.

 

بهذه الرسالة بدأت شركة "روش" السويسرية حواراً إعلامياً وصحياً في مقرها العام في بازل تحت عنوان: "كيف ننتقل من مقاربة الصحة باعتبارها كلفة إلى اعتبارها استثماراً في الإنسان والاقتصاد والمستقبل؟".

 

لبنان يقدم نموذجاً واضحاً لهذه المعادلة. فعلى الرغم من امتلاكه كفاءات طبية متميزة، ومستشفيات وجامعات ومراكز بحثية، إضافة إلى طاقات اغترابية واسعة، يواجه نظامه الصحي ضغوطاً غير مسبوقة: تمويل عام متراجع، ارتفاع كلفة الأدوية، هجرة الكفاءات الطبية والتمريضية، تفاوت في الوصول إلى الخدمات، وتداعيات متراكمة للأزمات الاقتصادية والحروب.

 

والأرقام تعكس حجم التحدي. فالقطاع الصحي اللبناني يضم نحو 153 مستشفى و13 ألف سرير، فيما هاجر نحو 40 في المئة من الأطباء و20 في المئة من الممرضين وفق تقديرات متداولة في السنوات الأخيرة. وفي الوقت نفسه، تحمّل المواطن والأسرة نسبة كبيرة من كلفة الرعاية الصحية.

 

لكن السؤال يجب ألا يكون فقط: كم تنفق الدولة على الصحة؟ بل كم تخسر الدولة عندما لا تستثمر في صحة مواطنيها؟

 

إعادة بناء النظام الصحي

الصحة الجيدة تعني قوة عمل أكثر إنتاجية، وإنفاقاً أقل على الأمراض المتقدمة، وقدرة أكبر على مواجهة الأوبئة والكوارث والحروب، واستثماراً أفضل في رأس المال البشري. من هنا، فإن إعادة بناء النظام الصحي اللبناني يجب أن تكون جزءاً من استراتيجية اقتصادية وطنية، لا مجرد معالجة لأزمة مستشفى أو دواء.

 

المطلوب هو الاستثمار في الوقاية والكشف المبكر، والتحول الرقمي، والبحث العلمي، وتطوير الصناعات الدوائية والطبية المحلية، وتعزيز الشراكة بين الدولة والقطاع الخاص والجامعات والاغتراب اللبناني.

 

أما الذكاء الاصطناعي، فيمكن أن يشكل تحولاً كبيراً في التشخيص والعلاج وإدارة البيانات، شرط أن يبقى أداة لتعزيز القرار الطبي والإنساني، مع حماية الخصوصية ووضع قواعد واضحة لاستخدامه.

 

وفي عالم الحروب والتقلبات، تحتاج الدول إلى أنظمة صحية مرنة، وسلاسل إمداد آمنة، وبيانات صحية موثوق بها، وكفاءات قادرة على مواجهة الأزمات.

 

ولبنان، بما يمتلكه من طاقات بشرية وطبية، يستطيع أن يحول أزمته إلى فرصة، ليس فقط لإعادة بناء نظامه الصحي، بل ليكون مركزاً إقليمياً للابتكار الصحي والمعرفة والخدمات الطبية.

 

فالاستثمار في الصحة ليس استثماراً في المستشفيات وحدها، بل في الإنسان، والإنتاجية، والاقتصاد، وفي قدرة الدولة على حماية مستقبلها.

 

في بلدٍ يواجه أزمات اقتصادية ومالية واجتماعية متراكمة، لم يعد القطاع الصحي ملفاً خدماتياً محصوراً بالمستشفيات والأدوية والعلاجات، بل بات قضية وطنية ترتبط بالأمن الاجتماعي والاستقرار الاقتصادي وقدرة الدولة على الصمود. ومن هذا المنطلق، تكتسب جلسات الحوار الإعلامي حول الابتكار الصحي التي تنظمها شركة "روش"، أهمية تتجاوز النقاش التقليدي حول الرعاية الصحية، لتطرح سؤالاً أوسع: كيف يمكن تحويل الصحة إلى رافعة للتنمية المستدامة في لبنان؟

 

لقد كشفت الأزمات المتلاحقة هشاشة النظام الصحي اللبناني، من تراجع قدرة المواطنين على تحمّل كلفة العلاج، إلى هجرة الأطباء والممرضين، ونقص التمويل، وارتفاع أسعار الأدوية والمستلزمات الطبية، فضلاً عن الضغوط التي تواجهها المستشفيات والصناديق الضامنة. كذلك أدت الأزمات الأمنية والاقتصادية إلى زيادة الحاجة لخدمات صحية متخصصة، فيما تتراجع قدرة الدولة والمؤسسات على الاستجابة.

 

لكن معالجة هذه التحديات لا يمكن أن تقوم على الدعم الطارئ وحده. المطلوب هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى بناء استراتيجية وطنية للصحة تنظر إلى الإنفاق الصحي بوصفه استثماراً في رأس المال البشري، وليس مجرد كلفة على الموازنة. فالمواطن السليم أكثر قدرة على العمل والإنتاج، والاقتصاد الذي يملك نظاماً صحياً متيناً يكون أكثر قدرة على مواجهة الصدمات واستعادة النمو.

 

ويفرض ذلك إعادة النظر في العلاقة بين الدولة والقطاع الخاص وشركات التكنولوجيا والدواء والجامعات. فالابتكار الصحي، بما يشمله من تشخيص مبكر، وعلاجات دقيقة، ورقمنة للملفات الطبية، وتوسّع في الطب عن بُعد، يمكن أن يساهم في تحسين النتائج الصحية وخفض الهدر، شرط أن يكون متاحاً لجميع المواطنين، لا أن يتحول إلى امتياز لفئات محددة.

 

تحدي الذكاء الاصطناعي

أما التحدي الجديد، فيتمثل في دخول العالم عصر الذكاء الاصطناعي، بالتزامن مع الحروب والاضطرابات الجيوسياسية. وهذا يفرض حماية سلاسل إمداد الأدوية، وتعزيز الأمن الصحي، وتطوير أنظمة قادرة على الاستجابة للأوبئة والكوارث، مع وضع ضوابط أخلاقية وقانونية لاستخدام الذكاء الاصطناعي وحماية خصوصية المرضى.

 

من هنا، ينبغي أن يخرج الحوار الصحي والإعلامي بخريطة طريق واضحة: تعزيز دور الدولة التنظيمي، وتوسيع التغطية الصحية، ودعم البحث العلمي، والاستثمار في الكفاءات، وتطوير شراكات مستدامة بين القطاعين العام والخاص.

 

فلبنان لا يحتاج إلى إدارة مرضه الصحي فحسب، بل إلى بناء نظام يجعل الصحة ركيزة من ركائز التعافي الاقتصادي والسيادة الوطنية والاستقرار الاجتماعي. وهذا هو جوهر النقاش الذي يجب أن يتجاوز المناسبة، ليصبح جزءاً من رؤية وطنية.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق