نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين كانت المدرسة حكاية…! - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 06:58 مساءً
تغيرت الصورة بشكل كامل بين الماضى والحاضر، ففي الماضي كان لليوم الدراسي طعم آخر، تستيقظ البيوت على مهل، وتنساب من المذياع أصوات التلاوة الهادئة، فيما تعلن إذاعة القرآن الكريم عن بداية يوم جديد، ومعه تتداخل الآيات القرآنية مع رائحة الشاي الساخن وصوت الأواني في المطابخ. لم تكن هناك شاشات مضيئة تسرق انتباه الجميع، ولا هواتف محمولة تسبق أصحابها إلى تفاصيل يومهم، بل كان الصباح يبدأ ببساطة تشبه البيوت وأهلها.
وقبل أن تشرق الشمس تمامًا، كانت الاستعدادات تبدأ، للتوجه للمدرسة. حقيبة صغيرة، ودفاتر قليلة، وأقلام محدودة، ومسطرة خشبية، وربما ممحاة وقلم رصاص، أدوات بسيطة، لكنها كانت كافية لصناعة يوم كامل من التعلم. أما الزي المدرسي، فلم يكن يعرف ذلك التنوع الكبير الذي نراه اليوم، فالملابس عملية متواضعة، نظيفة ومرتبة، تجعل التلميذ يشعر بأنه جزء من جماعة واحدة، دون تكلف، أو استعراض.
كان الطريق إلى المدرسة حكاية أخرى. بعض التلاميذ يمشون في مجموعات صغيرة، يتبادلون الحديث والضحكات، بينما يحمل آخرون أحذيتهم في أيديهم إذا كانت الطرق ترابية أو ممطرة. لم تكن السيارات الخاصة توصل الجميع إلى أبواب المدارس، ولم يكن الوصول نفسه هدفًا بقدر ما كان الطريق جزءًا من التجربة التي يمر بها اليوم الدراسى، فالوجوه يعرفها التلميذ، والمحال الصغيرة مفتوحة، وهناك الباعة، والجيران، ورفاق الدراسة الذين يتقاسمون معًا المسافة والوقت.
ثم تأتي لحظة الوصول، حيث المدرسة بكل بواباتها القديمة وفنائها الواسع وفصولها ذات النوافذ العالية. وفي قلب الفصل كانت التختة الخشبية تحتل مكانها، يجلس إليها التلاميذ في صفوف منتظمة، بينما يقف المعلم أمام السبورة، ممسكًا بالطباشير، ويبدأ الدرس بكلمات قليلة، لكنها تحمل معنى كبيرًا.
وكان للمعلم في تلك الأيام مكانة خاصة. يدخل الفصل فيسود الهدوء، لا خوفًا منه فقط، وإنما احترامًا لمهنته ودوره. وكان التلميذ يقدر معلمه، والمعلم بدوره يرى في اجتهاد تلاميذه ثمرة حقيقية لرسالته. لم تكن العملية التعليمية مجرد حفظ للدرس، أو الحصول على الدرجات، بل علاقة إنسانية قوامها الاحترام والصبر والرغبة في المعرفة.
ولا يمكن أن تكتمل صورة المدرسة القديمة دون طابور الصباح، حيث الصفوف متراصة، والأصوات متداخلة، مع تحيات الصباح، ثم الجرس المدرسي الذي كان يعلن بداية الحصة ونهايتها. كان ذلك الجرس بسيطًا، لكنه كان يملك قدرة عجيبة على تنظيم يوم كامل، وكأن المدرسة كلها تتحرك على إيقاعه.
أما اليوم، فلقد تغيرت الصورة كلية. غدت التفاصيل مختلفة. أصبحت الأدوات أكثر تطورًا، والوسائل التعليمية أكثر تنوعًا، ودخلت التكنولوجيا إلى الفصل والبيت، وأصبح الوصول إلى المعلومات أسرع وأسهل. ومع ذلك، يبقى للماضي مكانه الخاص في الذاكرة، ليس لأن كل شيء فيه كان أفضل، وإنما لأن الحياة كانت أكثر بساطة، وأقل تكلفًا.
ربما لهذا نشتاق أحيانًا إلى تلك الأيام، نشتاق إلى صباح يبدأ مع صوت المذياع، وحقيبة خفيفة يحملها التلاميذ، وتختة خشبية، وجرس مدرسي، ومعلم ينتظر تلاميذه. اليوم نتطلع ونشتاق إلى زمن كانت فيه الأشياء قليلة، لكن المشاعر كانت أكثر دفئًا. كانت البساطة أسلوب حياة لا يحتاج إلى شرح، أو تزيين. وبين ماضٍ يعيش في الذاكرة وحاضر يركض نحو المستقبل تبقى أجمل الذكريات تلك التي لم تكن تملك الكثير، لكنها كانت تعرف كيف تمنحنا الكثير من الأمل في أن نحقق كل ما نصبو إليه ونتطلع إلى تحقيقه.
















0 تعليق