دينا الحسيني تكتب: طائرات الكبار لا تخطئ العنوان.. لماذا تتجه بوصلة قوى العالم إلى القاهرة؟ - تواصل نيوز

صوت الامة 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دينا الحسيني تكتب: طائرات الكبار لا تخطئ العنوان.. لماذا تتجه بوصلة قوى العالم إلى القاهرة؟ - تواصل نيوز, اليوم الأحد 20 سبتمبر 2026 08:21 مساءً

في وقت يغلي فيه العالم فوق أكثر من جبهة، وتتحرك خرائط النفوذ والتحالفات تحت ضغط الحروب والأزمات، تبدو منطقة الشرق الأوسط وكأنها تقف أمام واحدة من أكثر لحظاتها تعقيدًا منذ سنوات، حرب دائرة بين الولايات المتحدة وإسرائيل وإيران، واضطراب واسع في حركة الملاحة عبر مضيق هرمز، وتصعيد متواصل في اليمن، وتهديدات متزايدة لأمن باب المندب والبحر الأحمر، إلى جانب تداعيات حرب غزة وأزمة السودان وتوترات القرن الأفريقي؛ كلها أزمات لم تعد تتحرك في مسارات منفصلة، وإنما تتقاطع بصورة تجعل أي تطور في نقطة من الإقليم قادرًا على إحداث ارتدادات في نقاط أخرى، وصولًا إلى أسواق الطاقة والتجارة العالمية، ويتزامن ذلك مع استمرار الحرب في أوكرانيا وتصاعد المنافسة بين القوى الكبرى، بما يعيد طرح سؤال أكبر حول شكل النظام الدولي وحدود النفوذ في عالم تتغير فيه موازين القوة بصورة متسارعة.

وفي قلب هذا المشهد المضطرب، بدت القاهرة خلال سبتمبر الجاري وكأنها تستقبل، تباعًا، شخصيات تنتمي إلى دوائر مختلفة من خريطة القوة العالمية والإقليمية؛ الرئيس الصيني شي جين بينج في بداية الشهر، ثم ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان، والرئيس الفلسطيني محمود عباس، وصولًا إلى مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية جون راتكليف، أربع زيارات وتحركات تنتمي إلى دوائر سياسية وأمنية مختلفة، لكنها تلتقي عند مجموعة من الملفات التي تتقاطع جغرافيًا وسياسيًا حول مصر، من غزة إلى البحر الأحمر، ومن الخليج إلى السودان والقرن الأفريقي، وتتصل في الوقت نفسه بالتنافس الدولي على النفوذ وأمن الممرات الاستراتيجية.

وهنا لا يتعلق الأمر بمحاولة اختراع رابط مباشر بين زيارات منفصلة، ولا بالقول إن هناك «غرفة عمليات» واحدة تُدار فيها كل هذه الملفات، وإنما بقراءة المشهد كما ظهر على الأرض: لماذا أصبحت القاهرة، في هذه اللحظة تحديدًا، نقطة تتقاطع عندها خرائط دولية وإقليمية بهذا الحجم؟

القاهرة بين بكين وواشنطن.. سياسة التوازن

كانت البداية مع الرئيس الصيني شي جين بينج، الذي قام بزيارة دولة إلى مصر يومي الأول والثاني من سبتمبر، بالتزامن مع مرور سبعين عامًا على إقامة العلاقات الدبلوماسية المصرية الصينية، ولم تقتصر الزيارة على الاحتفال بهذه المناسبة أو بحث العلاقات الاقتصادية، وإنما شهدت مباحثات حول الشراكة الاستراتيجية والقضايا الإقليمية والدولية، فيما تضمن البيان المشترك بين البلدين ملفات تتعلق بالتعاون السياسي والاقتصادي والأمني، إلى جانب تطورات الشرق الأوسط والقضية الفلسطينية وأمن البحر الأحمر والقرن الأفريقي والسودان.

وتكتسب زيارة شي دلالة إضافية من كونها تأتي في لحظة يتسع فيها التنافس بين القوى الكبرى، فيما تبدو مصر حريصة على الحفاظ على شبكة واسعة من العلاقات الدولية، فالقاهرة تعزز شراكتها مع بكين، وفي الوقت نفسه لا تغلق قنواتها مع واشنطن، وهو ما يجعل السياسة الخارجية المصرية أقرب إلى توسيع دوائر الحركة منها إلى الاصطفاف الكامل خلف محور دولي واحد.

شيجن بيينج

وبعد أقل من ثلاثة أسابيع، يصل إلى القاهرة اسم من الضفة الأخرى في معادلة القوى الكبرى: جون راتكليف، مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية، وهنا ينتقل المشهد من مستوى الدبلوماسية الرئاسية والشراكات الاقتصادية إلى مستوى أمني واستخباراتي أكثر حساسية، بعدما التقى راتكليف مع الرئيس عبد الفتاح السيسي في القاهرة بحضور رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد.

وبذلك تكشف الزيارتان، كل من زاويته، عن حقيقة مهمة: القاهرة تتحرك في مساحة دولية واسعة، وتتعامل مع قوى كبرى مختلفة في وقت يتزايد فيه الاستقطاب العالمي، من دون أن يعني الانفتاح على طرف إغلاق الباب أمام الطرف الآخر.

ciaaa

 

من الرياض إلى رام الله.. ملفات الإقليم على طاولة القاهرة

إذا كانت زيارة شي قد فتحت الباب على خريطة التنافس الدولي، فإن زيارة الأمير محمد بن سلمان إلى القاهرة في منتصف سبتمبر نقلت المشهد مباشرة إلى قلب الأمن الإقليمي، ففي 15 سبتمبر، أكد الرئيس عبد الفتاح السيسي وولي العهد السعودي أهمية الحفاظ على حرية وأمن الملاحة في البحر الأحمر ومضيق باب المندب، إلى جانب بحث تطورات اليمن وقضايا الأمن والاستقرار الإقليمي.

وتأتي أهمية هذا النقاش من أن البحر الأحمر وباب المندب لم يعودا مجرد ممرين بحريين على الخريطة، بل أصبحا جزءًا من معادلة أوسع تتصل بأمن الطاقة والتجارة الدولية، فمع استمرار اضطراب مضيق هرمز وتصاعد التوتر في اليمن، باتت المخاطر تنتقل من الخليج إلى البحر الأحمر، بما يضع قناة السويس في قلب الحسابات المتعلقة بأمن الملاحة وسلاسل التجارة العالمية.

بن سلمان

ثم حضرت القضية الفلسطينية في القاهرة من خلال زيارة الرئيس محمود عباس، لتعود غزة إلى قلب المشهد، باعتبارها أحد الملفات التي تتقاطع عندها الحسابات المصرية والعربية والدولية، وهكذا تحركت القاهرة خلال أيام قليلة بين ثلاث دوائر مترابطة: التنافس الدولي، والأمن الإقليمي، والقضية الفلسطينية.

ابو ماااازن


راتكليف في القاهرة.. عندما يدخل الأمن إلى قلب المشهد

جاء لقاء جون راتكليف بالرئيس السيسي في 20 سبتمبر ليضيف إلى المشهد بعدًا أمنيًا واستخباراتيًا واضحًا، فوجود مدير وكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية في القاهرة في هذا التوقيت يضع الملفات الأمنية الإقليمية في صدارة الصورة، بينما يؤكد حضور رئيس المخابرات العامة المصرية حسن رشاد طبيعة مستوى اللقاء.

والأهم أن توقيت اللقاء يأتي وسط تصعيد إقليمي تتداخل فيه ساحات عدة في وقت واحد. فالتوتر حول إيران يضغط على الخليج ومضيق هرمز، والتصعيد في اليمن يضغط على باب المندب والبحر الأحمر، بينما تظل غزة حاضرة في قلب الحسابات السياسية والأمنية، إلى جانب السودان والقرن الأفريقي وما يرتبط بهما من ملفات أمن واستقرار وممرات استراتيجية.

هنا تظهر قيمة الجغرافيا المصرية بوضوح؛ فمصر ليست طرفًا مباشرًا في كل هذه الأزمات، لكنها تقع عند نقطة اتصال بين عدد من أهم دوائرها. قناة السويس تربط البحر الأحمر بالمتوسط، والبحر الأحمر يتصل بباب المندب والخليج، بينما يجعل موقع مصر من القضية الفلسطينية ومن السودان والقرن الأفريقي ملفات الأمن الإقليمي جزءًا طبيعيًا من حساباتها.

من هرمز إلى باب المندب.. لماذا تتقاطع الخرائط في القاهرة؟

ربما تكمن الإجابة الأوضح عن سر كثافة التحركات حول القاهرة في أن أزمات المنطقة لم تعد منفصلة جغرافيًا كما كانت تبدو من قبل. اضطراب هرمز يؤثر في الطاقة والتجارة، والتصعيد في باب المندب يهدد أحد أهم طرق الملاحة الدولية، وأي اضطراب طويل في البحر الأحمر ينعكس بصورة مباشرة على قناة السويس، فيما تظل حرب غزة مرتبطة بالتوازنات الأمنية والسياسية في الإقليم كله.

وفي المقابل، فإن ما يحدث في السودان والقرن الأفريقي لا يمكن فصله تمامًا عن أمن البحر الأحمر، ولا عن حركة التجارة والموانئ والممرات البحرية، وهو ما يفسر اتساع دائرة الاهتمام الدولي والإقليمي بالمنطقة، لذلك فإن القاهرة لا تحتاج إلى أن تكون طرفًا مباشرًا في كل أزمة حتى تصبح جزءًا من الحسابات المرتبطة بها؛ يكفي أنها تقع في نقطة تلتقي عندها هذه المسارات.

وهذا هو ما يجعل تتابع الزيارات خلال سبتمبر جديرًا بالقراءة، فالأمر لا يتعلق فقط بأسماء كبيرة هبطت طائراتها في القاهرة، وإنما بتعدد الملفات التي حملتها هذه الزيارات، وبالطريقة التي تداخلت بها خريطة الشرق الأوسط مع خريطة المنافسة الدولية.

وماذا بعد كل هذه الزيارات؟

الاختبار الحقيقي لما بعد هذه اللقاءات لن يقاس بعدد الضيوف ولا بالبروتوكولات، وإنما بما يمكن أن يتحول من الاتصالات السياسية إلى ترتيبات عملية. ففي غزة، يظل التحدي مرتبطًا بمستقبل التهدئة وترتيبات المرحلة المقبلة ووصول المساعدات، وفي البحر الأحمر وباب المندب، يظل السؤال متعلقًا بمدى القدرة على احتواء التصعيد وحماية الملاحة الدولية من الانزلاق إلى مواجهة أوسع. وفي السودان والقرن الأفريقي، تبقى استعادة الاستقرار والحفاظ على وحدة الدول وسيادتها من الملفات التي تفرض نفسها على أي نقاش إقليمي جاد.

أما على المستوى الدولي، فستواصل القاهرة التعامل مع معادلة أكثر تعقيدًا: الحفاظ على شراكاتها مع القوى الكبرى، وفي مقدمتها الولايات المتحدة والصين، بالتوازي مع علاقاتها العربية والإقليمية، في وقت لم يعد فيه الاستقطاب الدولي مجرد خلاف سياسي بعيد عن الشرق الأوسط، وإنما أصبح ينعكس مباشرة على أمن المنطقة وممراتها البحرية وأسواق الطاقة.

في النهاية، ربما لا تكون القصة في أن القاهرة أصبحت «عاصمة القرار» التي تدور حولها كل خرائط العالم، فذلك تبسيط لا يعكس طبيعة النظام الدولي المعقد، القصة الأهم أن عددًا متزايدًا من الملفات التي تشغل العالم يمر، بصورة مباشرة أو غير مباشرة، عبر الجغرافيا المصرية ومصالحها وعلاقاتها وشبكة اتصالاتها الإقليمية والدولية.

ولهذا، فإن طائرات الكبار لا تخطئ العنوان، فحين تشتد الأزمات، وتتشابك غزة مع البحر الأحمر، وهرمز مع باب المندب، والسودان مع القرن الأفريقي، وتلتقي المنافسة بين واشنطن وبكين مع أزمات الإقليم، تصبح القاهرة واحدة من النقاط التي يصعب تجاهلها عند قراءة ما يجري في الشرق الأوسط، أو محاولة استشراف ما يمكن أن يأتي بعده.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق