حادثة فلاي دبي بين تبوك ودبي: لمن ينعقد الاختصاص الجنائي على متن الطائرة؟ - تواصل نيوز

اخبار جوجل 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حادثة فلاي دبي بين تبوك ودبي: لمن ينعقد الاختصاص الجنائي على متن الطائرة؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 2 أكتوبر 2026 06:43 مساءً

د. أحمد جمال كلحي

أثارت الواقعة التي تعرضت لها رحلة شركة «فلاي دبي» رقم FZ1073، المتجهة من مطار دبي الدولي إلى تل أبيب، والتي جرى تحويل مسارها والهبوط بها بسلام في مطار تبوك بالمملكة العربية السعودية، جملة من التساؤلات القانونية المهمة بشأن تحديد الدولة صاحبة الاختصاص الجنائي في مواجهة الأفعال التي تقع على متن الطائرة أثناء الرحلة الدولية.

وتزداد أهمية الواقعة من الناحية القانونية، لأن الطائرة كانت مسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، بينما انتهت الرحلة بصورة اضطرارية في إقليم المملكة العربية السعودية، وهو ما يطرح تساؤلًا جوهريًا: هل مجرد هبوط الطائرة في دولة أخرى ينقل الاختصاص الجنائي إليها، أم يظل الاختصاص منعقدًا لدولة تسجيل الطائرة؟

أولًا: الواقعة في إطارها القانوني

وفقًا للبيان الرسمي الصادر عن وزارة الخارجية الإماراتية، فإن رحلة فلاي دبي FZ1073 المتجهة من دبي إلى تل أبيب تعرضت لواقعة داخل قمرة القيادة، الأمر الذي استدعى تدخل أفراد من طاقم الشركة لتأمين الطائرة، قبل تحويل مسارها وهبوطها في مطار تبوك بالمملكة العربية السعودية.

وقد أعلنت دولة الإمارات تشكيل فريق من أعضاء النيابة العامة للتحقيق في الواقعة، مؤكدة أن السلطات القضائية الإماراتية مختصة بالتحقيق باعتبار أن الطائرة مسجلة في دولة الإمارات وتحمل علمها، وأن القانون الإماراتي يسري على الجرائم التي ترتكب على متن الطائرة، ولو وقعت خارج إقليم الدولة، كما أكدت الإمارات تقديرها لتعاون السلطات السعودية وتعاملها مع الواقعة.

ومن المهم هنا عدم استباق نتائج التحقيقات بشأن طبيعة الفعل أو دوافعه أو وصفه القانوني، خصوصًا أن السلطات الإماراتية أعلنت أن التحقيق يشمل بحث مختلف الملابسات والدوافع ومدى وجود ارتباط بأي نشاط إرهابي أو تخطيط أو توجيه مسبق.

ثانيًا: القاعدة الأساسية في اتفاقية طوكيو لعام 1963

تمثل اتفاقية طوكيو لعام 1963 بشأن الجرائم وبعض الأفعال الأخرى التي ترتكب على متن الطائرات، الإطار الدولي الأساسي في هذه المسألة، فقضت المادة 3/1 بأن:

«تختص دولة تسجيل الطائرة بمباشرة اختصاصها القضائي فيما يتعلق بالجرائم والأفعال التي ترتكب على متن الطائرة، ما لم تتخل دولة التسجيل بإرادتها عن هذا الاختصاص لإحدى الدول، أو أحال قانون دولة التسجيل إلى اختصاص دولة أخرى».

وتضمنت المعاهدة، في المادة 4، حالات استثنائية محددة يكون لقانون دولة السطح أفضلية في التطبيق على قانون دولة التسجيل، وهي:

1. إذا كان للجريمة أثر على إقليم الدولة.

2. أن تكون الجريمة قد ارتكبت من أو ضد أحد رعايا هذه الدولة أو أحد الأشخاص المقيمين فيها إقامة دائمة.

3. إذا ارتكبت الجريمة ضد أمن الدولة.

4. إذا تضمنت الجريمة خرقًا لتشريعات الطيران المعمول بها في هذه الدولة.

5. إذا كانت مباشرة هذا الاختصاص ضرورة لتنفيذ تعهد من تعهدات الدولة بموجب اتفاقية دولية متعددة الأطراف.

وتأتي أهمية هذه القاعدة من طبيعة الطائرة ذاتها، فهي تتحرك عبر أقاليم دول متعددة، وقد يصبح إخضاع كل فعل يقع عليها لقانون الدولة التي توجد الطائرة فوق إقليمها في لحظة ارتكابه أمرًا يؤدي إلى تعدد الاختصاصات بصورة يصعب معها تحديد القانون الواجب التطبيق.

ومن ثم، اتجه القانون الدولي للطيران إلى إسناد الاختصاص الأساسي إلى دولة تسجيل الطائرة، وقد أكدت منظمة الطيران المدني الدولي أن اتفاقية طوكيو تمنح دولة تسجيل الطائرة الاختصاص بالنسبة للجرائم المرتكبة على متنها.

ثالثًا: تطبيق القاعدة على طائرة فلاي دبي

بتطبيق هذه القاعدة على الواقعة محل البحث، نجد أن الطائرة مسجلة في دولة الإمارات العربية المتحدة، والفعل محل التحقيق - بحسب البيانات الرسمية المتاحة - وقع أثناء الرحلة وعلى متن الطائرة، ومن ثم فإن نقطة البداية في تحديد الاختصاص هي دولة التسجيل، أي الإمارات العربية المتحدة، وهذا يفسر من الناحية القانونية إعلان السلطات الإماراتية اختصاصها بالتحقيق في الواقعة.

ولا يتوقف الأمر على كون الطائرة كانت خارج الإقليم الإماراتي وقت وقوع الحادث، لأن الاختصاص في هذه الحالة لا يستند فقط إلى مبدأ الإقليمية، وإنما إلى رابطة التسجيل التي أقام عليها قانون الطيران الدولي اختصاص دولة التسجيل.

رابعًا: هل يؤدي الهبوط في السعودية إلى نقل الاختصاص؟

مجرد القول إن الطائرة هبطت في السعودية، ومن ثم أصبح القانون السعودي واجب التطبيق تلقائيًا، ليس دقيقًا من الناحية القانونية.

فإذا طبقنا اتفاقية طوكيو لعام 1963 وحدها، فإن الأصل هو اختصاص دولة التسجيل، ومن ثم فإن هبوط طائرة إماراتية في مطار تبوك لا يؤدي بذاته إلى زوال الاختصاص الإماراتي أو انتقال الاختصاص تلقائيًا إلى المملكة العربية السعودية.

بل إن دور السلطات السعودية في هذه الحالة يمكن أن يكون له جانب عملي وإجرائي مهم، من حيث تأمين الطائرة والمطار والأشخاص، والمحافظة على الأدلة، والتعامل مع المصابين والمشتبه فيه، دون أن يعني ذلك بالضرورة أن السعودية أصبحت صاحبة الاختصاص الأصلي بمحاكمة الفعل الذي وقع على متن الطائرة.

وهنا يجب التمييز بين: اختصاص الدولة بالتحقيق والمحاكمة، وبين السلطات التي تملكها الدولة التي هبطت الطائرة في إقليمها للتعامل مع الواقعة.

وهما أمران ليسا مترادفين.

خامسًا: بروتوكول مونتريال لعام 2014 ولماذا يغير الصورة؟

تطورت قواعد الاختصاص الدولي لاحقًا من خلال بروتوكول مونتريال لعام 2014 المعدل لاتفاقية طوكيو.

وقد استهدف البروتوكول معالجة بعض الثغرات التي ظهرت عمليًا في مواجهة الأفعال غير المنضبطة التي تقع على متن الطائرات، ومن أهم ما جاء به توسيع أسس الاختصاص لتشمل - في حالات معينة - دولة الهبوط ودولة المشغل، إلى جانب دولة التسجيل.

وهذا يعني أن عبارة: «دولة الهبوط لا اختصاص لها مطلقًا» ليست قاعدة صحيحة بصورة مطلقة في القانون الدولي المعاصر.

ولكن في المقابل، لا يجوز القول إن كل دولة تهبط فيها طائرة أجنبية تصبح تلقائيًا صاحبة الاختصاص الجنائي، فالأمر يتوقف على الاتفاقية المنطبقة، وعلى كون الدول المعنية أطرافًا فيها، وعلى طبيعة الفعل محل التحقيق.

سادسًا: الوضع الخاص بالمملكة العربية السعودية

وهنا تظهر أهمية البحث في المعاهدات التي ارتبطت بها المملكة العربية السعودية، فوفقًا لبيانات منظمة الطيران المدني الدولي، فإن المملكة العربية السعودية طرف في اتفاقية طوكيو لعام 1963، لكنها ليست مدرجة كدولة طرف في بروتوكول مونتريال لعام 2014.

وهذه النقطة بالغة الأهمية في تحليل حادثة فلاي دبي.

فإذا كانت الواقعة محكومة باتفاقية طوكيو بين الدولتين، فإن القاعدة الأصلية تظل مرتبطة بدولة تسجيل الطائرة، أما توسيع الاختصاص لصالح دولة الهبوط وفق بروتوكول مونتريال، فلا يمكن افتراض سريانه في مواجهة دولة ليست طرفًا فيه.

وبالتالي، فإن مجرد هبوط الطائرة في تبوك لا يكفي، استنادًا إلى اتفاقية طوكيو وحدها، للقول إن السعودية أصبحت صاحبة الاختصاص الجنائي الأصلي في الواقعة.

سابعًا: وماذا عن اتفاقية بيجين لعام 2010؟

ينبغي كذلك عدم إغفال اتفاقية بيجين لعام 2010 لقمع الأفعال غير المشروعة المتعلقة بالطيران المدني الدولي، إذا انتهت التحقيقات إلى أن الفعل يدخل في نطاق الجرائم التي تتناولها الاتفاقية.

فالاتفاقية تضع عدة أسس للاختصاص، منها وقوع الجريمة في إقليم الدولة، أو ارتكابها ضد طائرة مسجلة لديها، كما تتناول حالة هبوط الطائرة في إقليم الدولة مع بقاء الشخص المشتبه فيه على متنها، فضلًا عن حالات أخرى.

ومن هنا فإن التكييف القانوني للفعل يصبح عنصرًا حاسمًا، فالفعل الذي يوصف باعتباره مجرد اعتداء أو فعلًا غير منضبط على متن الطائرة قد يخضع لإطار قانوني، بينما إذا توافرت عناصر جريمة من الجرائم التي تتناولها اتفاقيات قمع الأفعال غير المشروعة ضد الطيران المدني، فقد يتغير أساس الاختصاص الدولي.

ولهذا لا ينبغي إصدار نتيجة نهائية قبل معرفة الوصف القانوني الذي ستنتهي إليه التحقيقات.

ثامنًا: تعدد الاختصاص لا يعني بالضرورة تنازعًا سلبيًا أو إيجابيًا

من الأخطاء الشائعة في تحليل مثل هذه الوقائع افتراض أن وجود اختصاص إماراتي يعني بالضرورة انعدام أي صلاحيات سعودية، أو العكس، فالقانون الدولي للطيران يسمح في بعض الحالات بوجود أكثر من أساس للاختصاص، لكن وجود أكثر من أساس للاختصاص لا يعني أن جميع الدول يجب أن تباشر المحاكمة في الوقت ذاته.

بل تظهر هنا أهمية التعاون الدولي، وتسليم الأشخاص، وتبادل الأدلة، والتنسيق بين سلطات التحقيق والنيابة العامة، وتحديد الدولة التي ستتولى الملاحقة الجنائية وفقًا للمعاهدات والقوانين الوطنية ذات الصلة.

د.أحمد جمال كلحي

عضو الجمعية المصرية للقانون الدولي

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق