نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الوراقة في بغداد... مهنة أسهمت في نهضة العاصمة وتكافح للبقاء - تواصل نيوز, اليوم الأحد 4 أكتوبر 2026 09:29 مساءً
بغداد – آية القيسي
أسهمت مهنة الوراقة في ازدهار الحياة العلمية والثقافية في بغداد العباسية، حين كانت الكتب تُنسخ باليد، وتستقطب أسواق الورّاقين طلاب العلم والأدباء. واليوم، يحاول العاملون في هذه الحرفة الحفاظ على ما تبقّى منها، مع تراجع الطلب على خدماتهم وتطوّر تقنيات الطباعة والتجليد والترميم.
في بلاد الرافدين، مرّت الكتابة بمراحل متعددة، منذ ظهور الكتابة المسمارية لدى السومريين، واستخدامها لاحقاً لدى الأكديين والبابليين والآشوريين. وعلى ألواح الطين والحجر، دوّنت حضارات المنطقة نصوصاً حفظت جانباً من تاريخها، بينها مجموعات من أقدم القوانين المعروفة، مثل قوانين أورنمو وإشنونا وحمورابي.
ومع ازدهار الحركة العلمية والثقافية في بغداد العباسية، اتّسعت الحاجة إلى الورّاقين لتلبية إقبال طلاب العلم والمعرفة على الكتب. واشتُقّت تسمية "الوراقة" من الورق، وشملت أعمال أصحابها نسخ الكتب وتصحيحها وبيعها، فضلاً عن التجليد، وعمل بعضهم في التذهيب وبيع الأقلام والأحبار.
ولم تقتصر هذه المهنة على إنتاج الكتب وتداولها، بل شملت أيضاً إصلاح المجلّدات والمخطوطات التالفة، وإعادة تجليدها بما يتيح استخدامها ويحافظ عليها.
مهنة الوراقة في بغداد تكافح للبقاء (النهار)
صناعة الورق وازدهار المعرفة
شهدت الوراقة توسّعاً مع انتشار صناعة الورق في بغداد خلال العصر العباسي. وتؤرّخ مصادر إنشاء أول مصنع للورق في المدينة بنحو عامَي 794 و795 ميلادية، في عهد الخليفة هارون الرشيد. وأسهم توافر الورق في تسهيل نسخ الكتب وتداولها، مع اتّساع استخدامه بدلاً من البردي والرّق.
وتزامن ذلك مع نموّ حركة التأليف والترجمة وجمع الكتب. وكان بيت الحكمة في بغداد من أبرز مظاهر هذه النهضة، وقد بلغ أوج ازدهاره في عهد الخليفة المأمون.
وكان للورّاقين حضور في الأسواق، حيث اجتذبت دكاكينهم القرّاء وطلاب العلم والأدباء من فئات مختلفة. وأشار ابن خلدون إلى ارتباط صناعة الوراقة بازدهار العمران وانتشار التأليف، وإلى ما تتضمّنه من نسخ وتصحيح وتجليد.
ومن أبرز الأسماء المرتبطة بهذه المهنة ابن النديم، صاحب كتاب "الفهرست"، الذي قدّم فيه سجلاً واسعاً للكتب والمؤلّفين، ووثّق جانباً مهماً من الحياة الفكرية في عصره.
مهنة الوراقة في بغداد تكافح للبقاء (النهار)
حرفة في مواجهة التحوّلات
يقول محمد عبد الحسين، وهو حرفي يعمل في التجليد وترميم الكتب، وقد ورث المهنة عن والده، لـ"النهار"، إن انتشار المطابع واستيراد المجلّدات الجاهزة ذات الجودة العالية أدّيا إلى تراجع الإقبال على خدمات الحرفيين. وبحسبه، بات كثير من زبائن السوق يقصدونه للحفاظ على كتاب قديم أو مخطوطة ذات قيمة خاصة.
ويروي أن أحد الزبائن عرض عليه، قبل أيام، وثيقة عثمانية تتضمّن عقداً عقارياً، لكنه اعتذر عن عدم ترميمها لشدة تهالكها، ونصح صاحبها بالتوجّه إلى المكتبة الوطنية أو العتبة الحسينية، حيث تتوافر، وفق قوله، أجهزة ألمانية الصنع لترميم هذا النوع من الأوراق.
ويرى عبد الحسين أن صعوبة الحرفة تكمن في الحفاظ على خصائص الكتاب أو المخطوطة أثناء إصلاحهما. ويُبدي تحفّظاً على بعض أساليب الترميم الآلي التي قد تُحدث، بحسب تقديره، تغييرات تؤثّر في القيمة التاريخية للوثيقة.
مهنة الوراقة في بغداد تكافح للبقاء (النهار)
كتب تحت الرقابة
ولا تقتصر ذكريات عبد الحسين عن المهنة على صعوبات العمل اليدوي وتراجع الطلب. فهو يستعيد أيضاً ظروف التعامل مع الكتب الممنوعة خلال تسعينيات القرن الماضي، حين كانت الرقابة الأمنية تفرض على الحرفيين حذراً شديداً.
ويقول إنهم كانوا يتسلّمون تلك الكتب من أصدقاء يعرفونهم، لا من زبائن عابرين. ويتذكّر شخصاً كان يأتي متخفّياً لترميم كتب دينية، خشية الرقابة الأمنية على محالّ الكتب وما تحتويه رفوفها.
مهنة الوراقة في بغداد تكافح للبقاء (النهار)
ويضيف أن والده كان يتعامل بالحذر نفسه مع الكتب اليسارية وتلك التي تتناول الحزب الشيوعي، فيضعها بعيداً عن الأنظار اتّقاءً للملاحقة.










0 تعليق