نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
صهيب عبدالمقصود وحمزة زوبع.. ثورة الصغار على «شيوخ الدكاكين» وانهيار إعلام الإخوان من الداخل - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 09:58 مساءً
لم تعد الخلافات داخل الدوائر الإعلامية المحسوبة على جماعة الإخوان في الخارج مجرد اختلافات في وجهات النظر أو تباين في تقدير المواقف السياسية، وإنما تحولت إلى مشهد مفتوح تتصارع فيه الأسماء والمنصات والجبهات على شيء واحد: من يمتلك الميكروفون؟ ومن يملك الجمهور؟ ومن يستطيع أن يفرض نفسه باعتباره الصوت الأكثر تأثيراً؟
ويبرز اسما حمزة زوبع وصهيب عبدالمقصود باعتبارهما نموذجين لمرحلتين مختلفتين من صناعة الخطاب الإخواني في الخارج. فزوبع ينتمي إلى جيل الفضائيات والبرامج السياسية والظهور أمام الكاميرا، بينما يمثل عبدالمقصود نموذجاً أكثر التصاقاً بالمنصات الرقمية والسوشيال ميديا والخوارزميات.
وهنا تحديداً تتكشف طبيعة الصراع؛ فهي ليست فقط معركة بين شخصين، وإنما مواجهة بين جيل قديم يريد الاحتفاظ بالمنبر، وجيل جديد يريد امتلاك أدوات التأثير الحديثة.
حاولت جماعة الإخوان تقديم نفسها لسنوات طويلة باعتبارها تنظيماً شديد الانضباط، يمتلك رؤية سياسية واحدة ومرجعية تنظيمية قادرة على ضبط الخلافات الداخلية، لكن المشهد الإعلامي الخارجي يقدم صورة مختلفة تماماً؛ منصات متعددة، وأصوات متعارضة، وجبهات متنافسة، واتهامات متبادلة، وسجالات تنتقل من القنوات إلى فيسبوك ويوتيوب وإكس وغيرها من المنصات.
وأصبح لكل مجموعة تقريباً دكانها الإعلامي، ولكل شخصية جمهورها، ولكل جبهة روايتها الخاصة عن أسباب الفشل ومسؤولية الآخرين عنه. وهكذا تجاوزت الخلافات بين هذه المنصات التباين السياسي إلى صراع على المنابر والنفوذ والجمهور، مع دخول أسماء مثل زوبع وعبدالمقصود وصهيب الكاشف في دائرة السجالات العلنية.
ويمثل حمزة زوبع نموذجاً للواجهة الإعلامية التقليدية التي اعتمدت عليها الجماعة لسنوات، لكن قواعد اللعبة تغيرت. فالمشاهد الذي يظنون أنه ينتظر موعد البرنامج أصبح يحصل على المعلومة في ثوانٍ عبر هاتفه، وأصبح مقطع مدته دقيقة واحدة قادراً على تحقيق انتشار يفوق حلقة كاملة من برنامج تلفزيوني.
وهكذا لم تعد السيطرة على الشاشة تعني السيطرة على الجمهور، وهنا بدأت المشكلة بالنسبة للواجهات القديمة. فمع انتقال مركز الثقل من الفضائيات إلى السوشيال ميديا، ظهر الشاب الذي يمتلك شبكة من الحسابات والمنصات، وبدأ ينافس شخصاً قضى سنوات أمام الكاميرا، لتتحول المسألة تدريجياً إلى صراع على المكانة قبل أن تكون صراعاً على الأفكار، خصوصاً أن الجميع يتحرك داخل العقلية الإجرامية المتشددة نفسها.
في المقابل، يمثل صهيب عبدالمقصود نموذجاً مختلفاً في أدوات التأثير. فالمنصة الرقمية لا تحتاج إلى استوديو أو ساعات بث ثابتة، وإنما تحتاج إلى شبكة انتشار، ومحتوى سريع، وقدرة على صناعة الترند، وإدارة معركة رقمية مستمرة.
وهذا ما يجعل الصراع بين الجيلين أكثر تعقيداً؛ فبينما تحاول الواجهات القديمة الحفاظ على مكانتها التي صنعتها الفضائيات، يسعى الجيل الجديد إلى تثبيت نفوذه عبر الأدوات الرقمية، بما يفتح الباب أمام إعادة توزيع غير معلنة للقوة داخل الجماعة.
وبين الاثنين يتآكل ما يفترض أنه المشروع السياسي، في السباق المحموم على حب الظهور وحصة أموال التبرعات المأخوذة من جيوب المسلمين في العالم.
والأكثر خطورة بالنسبة للمنظومة القديمة ليس ظهور منافس إعلامي جديد، وإنما تمرد الأجيال الأصغر على احتكار القيادات التاريخية للمشهد. وبالتالي يمكن لجيل الشباب الذي كسر مبدأ السمع والطاعة في الصراع على وسائل الإعلام أن يكسره في المجالات كافة، وهو ما حدث بالفعل، حتى انفرط عقد التنظيم.
فالشباب الذين جرى استخدامهم لسنوات كوقود في معارك سياسية وإعلامية، يجدون أنفسهم أمام قيادات تتمسك بمواقعها، بينما تتراجع قدرتها على تقديم إجابات عن سؤال أساسي: ماذا بعد؟ ماذا بعد سنوات من الشعارات؟ ماذا بعد سنوات من المنصات الخارجية؟ ماذا بعد خطاب يقوم في جزء كبير منه على مهاجمة الخصوم؟ وأين المشروع السياسي القابل للتطبيق؟
هذه الأسئلة لا تجد إجابات مقنعة في كثير من السجالات العلنية، التي تحولت بدلاً من ذلك إلى تراشق واتهامات وفضائح شخصية. والمفارقة أن المنابر التي يفترض أن تقدم خطاباً سياسياً، أصبحت تنفق مساحة متزايدة من وقتها في الحديث عن بعضها البعض: من قال ماذا؟ من خان من؟ من يملك المنصة؟ من يحصل على التمويل؟ من يمثل الجماعة؟ ومن يملك الشرعية؟
وبدلاً من أن يكون الصراع حول الاقتصاد أو السياسة أو مستقبل الدولة أو البرامج الاجتماعية، أصبح الصراع في أحيان كثيرة حول الأشخاص الذين يحكمون أنفسهم.
وهنا يظهر إفلاس حقيقي في أدوات الخطاب. فالسياسي الذي يمتلك مشروعاً لا يحتاج إلى الشتيمة كي يقنع، والتنظيم الذي يمتلك رؤية لا يحتاج إلى تحويل منصاته إلى ساحات لتصفية الحسابات.
ولم يعد الانقسام مجرد خلاف تنظيمي داخلي، بل انعكس جغرافياً أيضاً عبر شبكات وشخصيات ومنصات موزعة بين عواصم مختلفة. ومع تعدد مراكز القرار والتأثير، لم تعد الرسالة واحدة؛ كل جبهة تبحث عن مساحة نفوذ، وكل شخصية تحاول تقديم نفسها باعتبارها الأكثر قدرة على تمثيل القواعد.
وانتقلت هذه الصراعات إلى المجال العلني، بما في ذلك اتهامات متبادلة بين المنصات والشخصيات. لكن أخطر الملفات ليس الخلاف على الميكروفون، وإنما المال.
فمع كل انقسام تظهر أسئلة حول مصادر التمويل، وآليات جمع التبرعات، ومن يديرها، وكيف توزع، ومن يستفيد منها. وعندما تتحول قضية الأموال إلى محور دائم في الصراعات الداخلية، فإن ذلك يستوجب الانتباه إلى طبيعة غايات تلك الجماعة البرجماتية، التي لا يعنيها حال الدولة ولا المواطنين بقدر ما يعنيها الحفاظ على نفوذها ومصالحها.
ويظهر في الخطاب المتبادل أن التمويل أصبح أحد ميادين الصراع على النفوذ، ولم تعد أموال التبرعات مجرد مورد لتمويل النشاط، وإنما جزءاً من المعركة على استمرار المنصات والحفاظ على الحضور والقدرة على التأثير.
ومن أخطر ما تكشفه المعارك الداخلية الاتهامات المتبادلة بالتبعية للخارج أو خدمة أجندات أجنبية، وهي اتهامات تتجاوز الخلاف الشخصي لتطعن في شرعية كل جبهة أمام قواعد الجماعة، وتستخدم لإسقاط الخصوم والتشكيك في دوافعهم.
وما يحدث الآن من ملاسنات يكشف شيئاً أكبر من الخلاف بين زوبع وعبدالمقصود؛ إنه يكشف أزمة منظومة بأكملها. منظومة اعتمدت على الواجهات الإعلامية، ثم انتقلت إلى المنصات الرقمية، ثم دخلت في منافسة شرسة على الجمهور، قبل أن تتحول بعض معاركها إلى صراع داخلي مكشوف.
وعندما يصبح جزء من الخطاب موجهاً إلى أبناء التنظيم أنفسهم، وعندما تتحول المنصات إلى ساحات لتبادل الاتهامات، فهذا يعني أن التنظيم غير قادر على إدارة هذا الصراع، وربما تكون المعركة الحالية بداية مرحلة جديدة.
فالدكان الإعلامي الذي كان يستطيع في الماضي صناعة صورة الزعيم أو المتحدث أو القيادي، لم يعد يملك القوة نفسها. وبذلك فإن صراع حمزة زوبع وصهيب عبدالمقصود ليس سوى نموذج مصغر لأزمة أكبر؛ أزمة جماعة فقدت احتكار الرواية، فتعددت أصواتها، وتصارعت منصاتها، وبدأت خلافاتها الداخلية تظهر أمام جمهورها بدلاً من أن تبقى خلف الأبواب المغلقة.


















0 تعليق