نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أولويات مصر وأسئلة المستقبل في اجتماع الرئيس بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 5 أكتوبر 2026 11:35 مساءً
لماذا اجتمع الرئيس عبد الفتاح السيسي بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة في مقر القيادة الاستراتيجية بالعاصمة الجديدة، على هامش الذكرى الثالثة والخمسين لانتصارات أكتوبر؟ لماذا امتد الخطاب الرئاسي من استحضار تجربة أكتوبر 1973 إلى الحديث عن الجاهزية، الأعباء المعيشية، القضية الفلسطينية، أمن الخليج، حرية الملاحة، ونهر النيل؟ ما الجامع المشترك بيم هذه الملفات، الآن؟
هل تعكس الملفات طبيعة المرحلة التي تتحرك فيها مصر، حيث تتقاطع التطورات الإقليمية والدولية مع الاقتصاد والتجارة والطاقة والمياه وحركة الملاحة؟ هل تفرض هذه البيئة استعدادًا دائمًا لا يقتصر على الجوانب العسكرية، بل قدرة الدولة على حماية مصالحها والتعامل مع أي تطورات؟
ماذا يكشف الاجتماع، بما تضمنه من استعراض لجهود المؤسسة العسكرية ومستجدات الأمن القومي، عن متابعة مؤسسات الدولة لما يحدث؟ وكيف يرتبط ذلك بالدروس الأهم لحرب أكتوبر في بناء القدرة، الإعداد الاستراتيجي، والحفاظ على الجاهزية في مواجهة تحديات تتغير طبيعتها من مرحلة إلى أخرى؟
.. .
الاجتماع الرئاسي لم يتوقف عند استعراض ما تنفذه القوات المسلحة في الوقت الراهن، وإنما جاء في توقيت تفرض فيه التطورات المحيطة بمصر متابعة دقيقة ومستمرة. فكيف تقرأ المؤسسة العسكرية هذه المتغيرات؟ وما الذي تعنيه بالنسبة إلى مستوى الجاهزية والاستعداد الاستباقي؟ وإلى أي مدى تحتاج مؤسسات الدولة إلى مراجعة خططها بصورة مستمرة، حتى تظل قادرة على التعامل مع ظروف تتغير بسرعة.
تبدو أهمية الاجتماع في أنه يضع التطورات الراهنة ضمن رؤية أوسع تتعلق بقدرة مصر على حماية مصالحها والحفاظ على استقرارها، مع إبقاء جميع الخيارات مفتوحة أمام التطورات التي قد تفرض نفسها خلال الفترة المقبلة.
اجتماع القيادتين السياسية والعسكرية في هذه المناسبة يؤكد أن قرار استخدام القوة يرتبط بقرار الدولة الشامل، ويتكامل مع سياستها العامة وأهدافها الوطنية.
المؤسسة العسكرية تملك أدوات القوة، لكن تحديد الأولويات الوطنية وإدارة العلاقات الخارجية والتعامل مع الأزمات الاقتصادية والاجتماعية مسئوليات تتوزع بين مؤسسات الدولة، كلما عملت هذه المؤسسات ضمن تصور واحد، أصبحت الدولة أكثر قدرة على حماية مصالحها، دون أن تجعل الخيار العسكري طريقها الأول في كل أزمة.
الجاهزية العسكرية في خطاب أكتوبر ٢٠٢٦ تعني امتلاك القدرة على حماية القرار الوطني قبل أن تعني الاستعداد لخوض مواجهة. الجاهزية في الأساس وظيفة دائمة للمؤسسة العسكرية، فالقوة التي تبدأ إعدادها بعد ظهور الخطر تكون قد خسرت جزءًا مهمًا من قدرتها على التعامل معه. أما المؤسسة التي تحافظ على التدريب والصيانة والتطوير والقيادة والسيطرة والاستطلاع والتنسيق بين أفرعها، فتملك مساحة زمنية أوسع لاتخاذ القرار عندما تتغير الظروف.
الجاهزية، جزء من الردع. وجود القدرة العسكرية، إلى جانب وضوح القرار السياسي، يجعل أي طرف يفكر في اختبار حدود الدولة مضطرًا إلى إدخال هذه القدرة في حساباته.
الردع لا يعتمد على السلاح فقط، يحتاج إلى اقتصاد يستطيع تحمل الضغوط، ومؤسسات قادرة على إدارة الأزمة، ودبلوماسية تعرف كيف تفتح مسارات التسوية، ومعلومات دقيقة تساعد على التمييز بين الخطر الحقيقي والضجيج السياسي والإعلامي.
من هنا، يمكننا فهم الجمع بين الجاهزية العسكرية والدعوة إلى السلام في الخطاب نفسه.
مصر لا تقدم القوة كبديل للسياسة، ولا السياسة كبديل للقوة. تحتاج إلى الاثنين معًا، لأن التفاوض يصبح أكثر حماية للمصالح عندما تعرف الأطراف أن الدولة التي تتفاوض معها تملك القدرة على الدفاع عن مصالحها إذا فشل التفاوض.
استدعاء تجربة أكتوبر يركز على سنوات الإعداد التي سبقت العبور أكثر من التركيز على المشهد العسكري نفسه. الرئيس وصف نصر أكتوبر بأنه ثمرة سنوات من العمل والإعداد المتقن، هذه العبارة، في تصوري، تختصر جانبًا مهمًا من التجربة المصرية. الحرب لم تبدأ في السادس من أكتوبر ١٩٧٣، بل سبقتها مرحلة طويلة من إعادة بناء القوات المسلحة، وتطوير القدرات، والاستفادة من دروس حرب الاستنزاف، ووضع الخطط، وتدريب القوات، وتجهيز المجتمع والدولة للتعامل مع حرب تحتاج إلى موارد وإدارة وتحمل.
الدرس الذي يمكن نقله إلى الحاضر لا يتعلق بشكل العمليات العسكرية قبل ٥٣ عامًا، بل بالمنهج الذي سبقها. الدولة لا تستطيع بناء قوة حقيقية خلال أسابيع، ولا معالجة أزمة معقدة بقرار منفرد.القدرة تتكون بالتراكم، تحتاج إلى تخطيط طويل، مراجعة مستمرة، تصحيح للأخطاء، واستثمار في البشر والمؤسسات.
استخدام الرئيس تعبير «روح أكتوبر» في سياق بناء الجمهورية الجديدة يكتسب معنى عمليًا. ليس استدعاءً لحالة عاطفية مرتبطة بالحرب، لكنه استحضار لقيم العمل والانضباط والأخذ بالأسباب.
قيم لا تخص المؤسسة العسكرية فقط، بل تنطبق على الاقتصاد، الإدارة، التعليم، البنية الأساسية والأمن المائي.كل ملف يحتاج إلى جهد ممتد.
من الخطأ في الوقت نفسه إسقاط ظروف عام 1973 على عام 2026 بصورة مباشرة. مصر لا تواجه الموقف نفسه، والتهديدات الحالية لا تأتي من جبهة واحدة. تتعامل الدولة مع ملفات متداخلة تبدأ من الحدود البرية والبحرية وتمتد إلى البحر الأحمر، غزة، السودان، ليبيا وشرق المتوسط، إضافة إلى الأمن المائي وحركة التجارة والاقتصاد العالمي. المشترك بين أكتوبر والحاضر عملية بناء القدرات.
عرض الملامح المستقبلية أمام المجلس الأعلى للقوات المسلحة يفتح بابًا مهمًا لفهم التخطيط الدفاعي. الجيوش الحديثة تحتاج إلى موارد تتناسب مع طبيعة المهام التي تؤديها، خاصة مع التطور المتواصل في وسائل الاتصال، الاستطلاع الدفاع الجوي، الحرب الإلكترونية والأنظمة غير المأهولة وغيرها من المجالات التي غيرت شكل العمليات العسكرية.
القضية ليست زيادة الأعداد البشرية أو خفضها، بل كيفية بناء القوة التي تحتاجها الدولة، مدعومة بالتدريب، التأهيل، والتخصص.
على هامش المناسبة العسكرية واجه الرئيس السؤال الأهم: كيف تتعامل الدولة مع الأعباء المعيشية وهي تدير ملفات أمن قومي متعددة؟
الجزء الاقتصادي في الخطاب الأكثر اتصالًا بالمواطن مباشرة. أقر بأن الأعباء المعيشية تثقل كاهل الأسر المصرية، تحدث الرئيس عن اختيار الدولة طريق الإصلاح ومواجهة المشكلات المتراكمة لا الاكتفاء بإدارتها.
قد يقول البعض أن هذه الصراحة في الاعتراف بوجود ضغط على الأسر مهمة، لكنها لا تنهي النقاش، لأن المواطن من حقه أن يسأل عن النتائج، عن تكلفة السياسات، وعن ترتيب الأولويات، وعن قدرة الحكومة على تخفيف آثار الإصلاح عن الفئات الأكثر تأثرًا.
في المقابل، فإن تقييم الاقتصاد المصري يحتاج إلى وضعه في بيئة دولية وإقليمية لم تكن مستقرة خلال السنوات الأخيرة. الحرب الروسية الأوكرانية رفعت تكاليف الغذاء والطاقة والتمويل، واضطراب سلاسل الإمداد العالمية ترك آثارًا واسعة، ثم جاءت حرب غزة والتوتر في البحر الأحمر لتضغط على حركة التجارة والنقل والإيرادات المرتبطة بها. هذه الظروف لا تلغي مسئولية الحكومة عن سياساتها، لكنها تمنع أيضًا اختزال المشهد الاقتصادي في قرارات داخلية فقط.
تظهر صعوبة إدارة الدولة المصرية لملفات متزامنة: المواطن يريد تحسين دخله وخدماته، والدولة تحتاج إلى تمويل الاستثمار والبنية الأساسية، والقوات المسلحة تحتاج إلى الحفاظ على قدراتها، والأمن المائي يحتاج إلى إنفاق وتخطيط، كما تحتاج الدولة إلى التعامل مع صدمات خارجية لا تملك التحكم في أسبابها. لذلك فإن النقاش الاقتصادي الجاد يجب أن يسأل عن الكفاءة والأولوية والعائد، وليس فقط عن حجم الإنفاق.
ربط الإصلاح ببناء الدولة يضع الاقتصاد داخل مفهوم القدرة الوطنية وليس خارجه
عندما تحدث الرئيس عن بناء الأوطان باعتباره مسئولية، فإنه وضع الاقتصاد والتنمية ضمن مفهوم أوسع للقدرة الوطنية. الدولة التي تريد حماية قرارها السياسي تحتاج إلى موارد، والدولة التي تريد الحفاظ على مؤسساتها الدفاعية تحتاج إلى اقتصاد قادر على تمويل احتياجاتها، والدولة التي تريد تقديم الخدمات تحتاج إلى قاعدة إنتاجية وفرص عمل وإيرادات مستقرة.
هذا لا يعني أن كل مشروع أو قرار اقتصادي يجب أن يحظى بالتأييد لمجرد أنه يحمل عنوان التنمية. التقييم يجب أن يستند إلى الكلفة والعائد والأثر الاجتماعي والقدرة على الاستمرار. لكن وجود مشروعات كبيرة في البنية الأساسية والطاقة والنقل والعمران خلال السنوات الماضية يعكس جهدًا مؤسسيًا واسعًا، حتى مع بقاء أسئلة مشروعة حول الأولويات وآليات التمويل وتوقيت بعض الاستثمارات.
خطاب الرئيس السيسي وضع فلسطين والخليج والممرات البحرية والنيل ضمن سياق واحد، مما يعكس اتساع دوائر الأمن القومي المصري. مصر لا تستطيع أن تفصل أمن سيناء عن غزة، ولا تستطيع أن تفصل قناة السويس عن البحر الأحمر، ولا تستطيع أن تفصل أمن الخليج عن حركة الطاقة والتجارة، ولا تستطيع أن تتعامل مع النيل باعتباره ملفًا فنيًا بعيدًا عن السياسة والأمن.
ترابط الملفات يفرض على القاهرة أن تراقب ما يحدث خارج حدودها قبل أن يصل تأثيره إليها. اضطراب دولة مجاورة قد ينتج حركة نزوح أو تهريبًا أو نشاطًا مسلحًا. اضطراب البحر الأحمر يخفض حركة السفن. حرب طويلة في المنطقة ترفع أسعار الطاقة والسلع. أي أزمة مياه ممتدة تضغط على الزراعة والسكان، لذلك فإن الأمن القومي في الحالة المصرية يرتبط بالجغرافيا بقدر ما يرتبط بالقدرة على متابعة التطورات البعيدة.
تظهر قيمة المؤسسات التي تستطيع جمع هذه الملفات وتقييمها في صورة واحدة. التعامل مع كل ملف بمعزل عن الآخر يؤدي إلى تقدير ناقص، أما ربط التطورات في السودان وليبيا وغزة والبحر الأحمر والخليج وشرق المتوسط والنيل، فيسمح للدولة بفهم الصورة الأوسع للمخاطر المحتملة.
فلسطين في الخطاب الرئاسي ليست ملفًا خارجيًا بالنسبة إلى مصر، بل قضية تتقاطع فيها الاعتبارات السياسية والأمنية والإنسانية.
تأكيد الرئيس أن إقامة الدولة الفلسطينية المستقلة وفق قرارات الشرعية الدولية تمثل ضمانة للسلام الدائم ينسجم مع الموقف المصري المعلن منذ عقود، لكن أهمية هذا الموقف تزداد في ظل الحرب الطويلة التي تعرض لها قطاع غزة. مصر تتعامل مع القضية من زاويتين متداخلتين: دعم حق الفلسطينيين في دولة مستقلة، وحماية أمنها وحدودها ومنع تحول سيناء إلى ساحة بديلة للصراع.
رفض تهجير الفلسطينيين من أرضهم يحمل في الوقت نفسه بعدًا إنسانيًا وقانونيًا وأمنيًا. الحفاظ على بقاء الفلسطينيين في أرضهم يسهم في استقرار المنطقة وبحماية الأمن المصري.
دعوة الرئيس إلى التنفيذ الكامل لخطة وقف إطلاق النار في غزة تعكس رغبة مصر في الانتقال من إدارة الحرب إلى تثبيت ترتيبات سياسية وأمنية تسمح بتقليل المعاناة وبدء إعادة الإعمار.
يدرك الرئيس السيسي أن نجاح أي اتفاق يتوقف على التزام الأطراف، خاصة إسرائيل، به، وعلى وجود ترتيبات واضحة بشأن الأمن والإدارة وإعادة الإعمار وعودة السكان. ملفات لا تحسمها البيانات السياسية فقط.
استدعاء تجربة السلام مع إسرائيل يضع القوة العسكرية داخل مسار سياسي أوسع. الرئيس لم يذكر حرب أكتوبر بمعزل عن السلام، بل أشار إلى أن مصر وإسرائيل خاضتا حروبًا امتدت لعقود.هذه الإشارة تحمل معنى مهمًا: مصر لا ترى القوة العسكرية غاية في ذاتها، بل أداة لحماية المصالح، بينما يبقى السلام المستقر خيارًا يمكن أن ينهي النزاع عندما تتوافر شروطه.
معاهدة السلام المصرية الإسرائيلية التي وقعت عام 1979 جاءت بعد حرب أكتوبر ومسار طويل من الاتصالات والمفاوضات، وأدت إلى انسحاب إسرائيل من سيناء وفق ترتيبات أمنية محددة. التجربة المصرية تقدم نموذجًا واضحًا للعلاقة بين القدرة العسكرية والتفاوض، فالقوة لم تمنع السياسة، والسياسة لم تلغِ الحاجة إلى قوة تحمي الاتفاق.
نقطة مهمة تفسر أيضًا الربط بين إقامة الدولة الفلسطينية والسلام الإقليمي في خطاب الرئيس. مصر لا تقدم السلام باعتباره مجرد توقف للقتال، لكنها تربطه بحل سياسي للقضية.
من منظور استراتيجي، فإن استمرار الصراع الفلسطيني الإسرائيلي يظل مصدرًا لإعادة إنتاج التوتر في المنطقة، بينما يؤدي قيام دولة فلسطينية قابلة للحياة إلى تغيير جزء مهم من البيئة التي تغذي الصراع.
.. .
أمن الخليج في الحسابات المصرية يرتبط مباشرة بالأمن العربي والاقتصاد وحركة الطاقة والتجارة. تأكيد الرئيس أن أمن الخليج جزء لا يتجزأ من الأمن القومي المصري يعكس شبكة العلاقات التي تربط مصر بدول الخليج.
العلاقات لا تتوقف عند السياسة، بل تشمل الاستثمار والطاقة والتجارة وتحويلات العاملين والتنسيق الأمني، فضلًا عن موقع الخليج في النظام الإقليمي العربي.
أي اضطراب واسع في الخليج يمكن أن ينعكس على الاقتصاد العالمي، وعلى أسعار الطاقة وحركة السفن والتأمين والشحن.
في الحالة المصرية، تظهر التأثيرات في أكثر من مسار، من تكلفة الواردات إلى حركة التجارة إلى قناة السويس. حماية استقرار الخليج ليست بالنسبة إلى القاهرة مسألة بعيدة عن مصالحها المباشرة، وفي الوقت نفسه، فإن دعم أمن الدول العربية لا يعني تلقائيًا التدخل العسكري في كل أزمة.
السياسة المصرية تستطيع أن تجمع بين الموقف السياسي، والتحرك الدبلوماسي، والتنسيق العربي، والحفاظ على القدرة العسكرية، منا ينسجم مع النهج الذي يظهر في خطاب الرئيس، حيث تتكرر الدعوة إلى احترام سيادة الدول ومؤسساتها والحفاظ على أراضيها.
حرية الملاحة أصبحت جزءًا من الأمن الاقتصادي المصري لأن اضطراب البحر الأحمر يصل تأثيره مباشرة إلى قناة السويس
الإشارة إلى حرية الملاحة الدولية في الخطاب تكتسب أهمية خاصة بالنسبة إلى مصر. قناة السويس ليست مجرد طريق بحري داخل الأراضي المصرية، بل جزء من شبكة تجارة عالمية تربط آسيا وأوروبا، وكلما ارتفعت المخاطر في البحر الأحمر، زادت احتمالات تأثر الملاحة، مسارات السفن، وارتفاع تكلفة النقل والتأمين.
الضرر لا يقتصر على انخفاض عدد السفن التي تعبر القناة. هناك آثار تمتد إلى الإيرادات، والخدمات اللوجستية، وسلاسل الإمداد، وأسعار السلع، وتكلفة التجارة العالمية. لذا، فإن حماية الملاحة في البحر الأحمر تخدم مصلحة مصرية مباشرة، إلى جانب كونها قضية دولية.
من هذه الزاوية يمكن فهم لماذا تضع القاهرة أمن البحر الأحمر في حساباتها الأمنية والاقتصادية معًا. أي اضطراب طويل في هذه المنطقة يمكن أن يتحول من أزمة أمنية إلى ضغط اقتصادي، بينما تتطلب حماية حركة التجارة تنسيقًا بين الدول المطلة على البحر والقوى الدولية المعنية بالملاحة.
.. .
النيل في الخطاب يؤكد أن الأمن المائي المصري يتحرك بين التعاون وحماية الحقوق. الحديث الرئاسي عن النيل جاء بصيغة تجمع بين التعاون والتنمية المشتركة مع دول حوض النيل، وبين رفض أي إجراء يمس الأمن المائي المصري.
هذه الثنائية مهمة، لأن مصر تحتاج إلى علاقات مستقرة مع دول الحوض، لكنها في الوقت نفسه لا تستطيع التعامل مع قضية المياه باعتبارها ملفًا ثانويًا.
النيل بالنسبة إلى مصر مرتبط بالسكان والزراعة والغذاء والتنمية.
تعرف القاهرة أن إدارة الملف تحتاج إلى مجموعة أدوات في وقت واحد: التفاوض، والتحرك القانوني، والدبلوماسية، والعمل الفني، وتطوير إدارة الموارد المائية داخل مصر. الاعتماد على أداة واحدة لن يكون كافيًا في ملف استراتيجي.
الدفاع عن الحقوق المائية لا يتعارض مع التعاون. بالعكس، التعاون المستقر يحتاج إلى قواعد واضحة وشفافية وتبادل معلومات وترتيبات تراعي مصالح الدول المختلفة، غير أن حماية المصلحة المصرية تتطلب أن تظل القاهرة واضحة بشأن ما تعتبره خطوطًا لا تستطيع تجاوزها.
.. .
الجبهة الداخلية ليست شعارًا سياسيًا، بل قدرة المجتمع والدولة على تحمل الضغوط دون أن تتحول الأزمة إلى انهيار في الثقة. عندما تحدث الرئيس عن وعي الشعب وتماسك الجبهة الداخلية، كان يشير إلى عنصر لا يقل أهمية عن القوة العسكرية. الدولة قد تمتلك قوات مسلحة قوية، لكنها تحتاج إلى اقتصاد يعمل ومؤسسات تؤدي وظائفها ومجتمع قادر على تحمل الضغوط.
في الأزمات الممتدة، تصبح قدرة الدولة على الحفاظ على التماسك الداخلي جزءًا من قدرتها على التفاوض خارجيًا، ومع ذلك فالتماسك لا يعني غياب الخلاف. المجتمع الصحي يسمح بالنقد، والدولة القوية تستطيع التعامل مع النقد دون أن تعتبره تهديدًا لأمنها.
المشكلة تبدأ عندما يتحول الخلاف حول سياسة أو قرار إلى محاولة لهدم الثقة في الدولة كلها، على النحو الذي تقوم به جماعات وكيانات مشبوهة، تعمل ضد المؤسسات الوطنية، والشعب نفسه.
الرسائل الموجهة إلى الخارج توضح حدود المصالح المصرية دون أن تعني أن القاهرة تريد تحويل كل خلاف إلى مواجهة، ومن هنا نفهم لماذا حمل الخطاب الرئاسي مجموعة واضحة من المواقف التي تحدد المصالح المصرية.
القاهرة، تستطيع أن ترفض موقفًا أو تحذر من خطر أو تتمسك بحقوقها، وفي الوقت نفسه تفتح قنوات للتفاوض. هذه القدرة على الجمع بين الوضوح والمرونة تمنح السياسة الخارجية مساحة للحركة.
أيضا، وزن مصر الإقليمي لا يعتمد على قدرتها العسكرية فقط. هناك موقعها الجغرافي، قناة السويس، علاقاتها العربية والأفريقية والدولية، وقدرتها على التواصل مع أطراف مختلفة. عناصر تمنح القاهرة أدوات متعددة، قيمتها الحقيقية تظهر عندما تعمل ضمن سياسة متسقة.
القوات المسلحة في الخطاب تؤدي وظيفة الردع والحماية، بينما تبقى إدارة العلاقات والأزمات مسئولية الدولة بمؤسساتها المختلفة
العبارة الختامية للرئيس بشأن وقوف القوات المسلحة على أهبة الاستعداد للدفاع عن مصر ومقدراتها وأمنها القومي تعيد التأكيد على الوظيفة الأساسية للمؤسسة العسكرية، لكن الخطاب نفسه يوضح أن هذه المؤسسة لا تعمل منفردة.
القضايا التي تناولها الرئيس تحتاج إلى الخارجية والاقتصاد والأجهزة الفنية والأمنية والإدارة المحلية والمؤسسات التشريعية والمجتمع.
الدبلوماسية تمنع أزمات قبل أن تتحول إلى صراع، الاقتصاد يمول الدولة، المؤسسات المدنية تدير الحياة اليومية، والمجتمع يمنح الدولة قدرتها على الاستمرار.
اجتماع الرئيس بالمجلس الأعلى للقوات المسلحة في ذكرى انتصار أكتوبر ليس اجتماعًا عسكريًا منفصلًا عن السياسة، بل جزء من عملية اتخاذ قرارات وطنية أوسع، تضع القدرة العسكرية داخل منظومة الدولة.
أكتوبر هذا العام يطرح على الدولة والمجتمع معًا سؤال القدرة على تحمل المرحلة وليس سؤال القوة العسكرية وحدها.
إذا كان نصر أكتوبر ١٩٧٣ قد احتاج إلى سنوات من الإعداد، فإن حماية المصالح المصرية في المرحلة الحالية تحتاج إلى جهد طويل في ملفات مختلفة.
لا توجد معركة واحدة يمكن أن تحسم المشهد، ولا يوجد قرار واحد يمكن أن ينهي الضغوط. هناك اقتصاد يحتاج إلى زيادة قدرته الإنتاجية، ومياه تحتاج إلى إدارة أكثر كفاءة، وحدود تحتاج إلى حماية مستمرة، وممرات بحرية تحتاج إلى استقرار، وقضية فلسطينية تحتاج إلى تسوية عادلة، ومحيط عربي يحتاج إلى الحفاظ على دوله ومؤسساته.
نلفات تفرض على الدولة أن تتعامل مع كل ملف بأدواته، مع الحفاظ على الصورة الكاملة. كل ملف يحتاج إلى أدوات سياسية، اقتصادية، قانونية وأمنية.
يحتاج المجتمع إلى إدراك أن الاستقرار له تكلفة، وجهود حكومية أكثر لتحسين الأوضاع. هذه المساحة المتوازنة ستسمح للدولة بتصحيح مسارها دون أن تفقد قدرتها على العمل.
وعليه، أرى أن المعطيات التي حملها اجتماع المجلس الأعلى للقوات المسلحة وخطاب الرئيس السيسي تشير إلى أن مصر ستحتاج خلال المرحلة المقبلة إلى المحافظة على مستوى مرتفع من الجاهزية الشاملة، بالتزامن مع تحرك سياسي نشط في الملفات الإقليمية.
هناك تطورات لا تتحكم فيها القاهرة. مستقبل غزة، وترتيبات وقف إطلاق النار، وإعادة الإعمار، وشكل الإدارة الفلسطينية، ومستوى التوتر في البحر الأحمر، وتطورات السودان وليبيا، والعلاقات بين القوى الكبرى في المنطقة، كلها عوامل يمكن أن تغير حسابات أي دولة.
الأمن المائي كملف استراتيجي يحتاج إلى إدارة تجمع بين التحرك الخارجي والإجراءات الداخلية، وسيظل أمن الملاحة مرتبطًا باستقرار البحر الأحمر، ما يجعل العلاقة بين الجغرافيا المصرية والاقتصاد العالمي أكثر حضورًا في القرار الوطني.
داخليًا، يظل الاقتصاد الاختبار الأكثر التصاقًا بالمواطن. قدرة الحكومة على حماية الفئات الأكثر تأثرًا، زيادة الإنتاج، تحسين كفاءة الإنفاق، جذب الاستثمار، وتعظيم موارد النقد الأجنبي، ملفات مهمة لا يمكن تجاوزها.
الرسالة الرئيسية للاجتماع والخطاب الرئاسي تركز على أن مصر تريد الاحتفاظ بقدرتها على الاختيار في بيئة لا تمنح الدول مساحة كبيرة للأخطاء. يقدمان تصورًا متكاملًا لطريقة إدارة مصر للمرحلة: قوات مسلحة تحافظ على الجاهزية، وقيادة سياسية تتابع البيئة الإقليمية والدولية، ودبلوماسية تتحرك في ملفات شديدة الحساسية، ودولة تحاول معالجة ضغوط اقتصادية متراكمة، ومؤسسات مطالبة بالحفاظ على قدرة الدولة على العمل.
وسط هذه المعادلة، تظل القوات المسلحة إحدى أهم ركائز القدرة الوطنية، وهو ما يجب أن تشهده قطاعات أخرى: الاقتصاد، الدبلوماسية، الإدارة، فالمجتمع يحتاج إلى قدرة كل مؤسسة على أداء دورها بكفاءة.
إنه المعنى الأكبر والأكثر عملية لذكرى نصر أكتوبر، وأن الانتصار التاريخي سيصبح أكثر قيمة عندما يتحول من ذكرى إلى منهج في بناء القدرة الوطنية وحماية القرار المصري.











0 تعليق