الباب المفتوح والعالم المغلق.. من سجن كافكا الداخلي إلى فوضى النظام العالمي - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الباب المفتوح والعالم المغلق.. من سجن كافكا الداخلي إلى فوضى النظام العالمي - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 10:37 صباحاً

محمود القيسي

 

في أخطر لحظة للبشرية:
نحن نعتقد أن الحرية تعني ألا يكون هناك من يمنعنا. لكن ماذا لو كان السجان الأكبر يسكن داخلنا؟
في قصة "أمام القانون" لفرانز كافكا، يقف رجل أمام باب مفتوح يؤدي إلى القانون، وأمامه حارس يقول له "لا يمكنك الدخول الآن". فيجلس الرجل وينتظر. يمضي يوم، ثم عام، ثم عمر كامل وهو ينتظر الإذن. وقبل أن يموت يسأل الحارس: لماذا لم يأتِ أحد غيري؟ فيجيبه الحارس: "لم يكن هذا الباب مخصصاً إلا لك"، ثم يغلقه.
هذه ليست حكاية رجل، إنها حكاية البشرية اليوم.
نقف اليوم أمام باب التاريخ وهو مفتوح، لكننا ننتظر إذناً لن ندخله. أميركا التي فرضت نظام العالم لقرن كامل منذ تقسيم الإمبراطورية العثمانية، تقف عالقة في الشرق الأوسط بلا مخرج من حربها مع إيران، وفي اللحظة نفسها التي تلوّح فيها بالتهديد بـ "الإبادة" من على منبر الأمم المتحدة، هي في الحقيقة تنسحب. ترفض ضرب الحوثيين، وتتفاوض سراً مع ميليشيا لتجنيب سفنها، وتدرس سحب 25 إلى 40 ألف جندي من أوروبا أيضاً. لم يعد المهندس قادراً على هندسة العالم.
والسؤال الكافكاوي يتكرر على مستوى الكوكب: كم باباً مفتوحاً في حياة الأمم نقف أمامه منتظرين أن يقول لنا أحد "يمكنكم الدخول الآن"؟
الباب الاول - فراغ الهيمنة وثمن الانتظار:
يبدو أن أميركا عالقة في الشرق الأوسط بلا مخرج سهل. ومع ذلك، هذا الصراع، أياً تكن نهايته، سيكون اللحظة التي تتخلى فيها أخيراً عن هيمنتها. لأول مرة منذ قرن، لن يُفرض نظام الشرق الأوسط من الخارج.
ومثل الرجل أمام باب كافكا، كان العرب ينتظرون طويلاً. منذ الحرب العالمية الأولى، شعر العرب بالخيانة عندما اقتسمت بريطانيا وفرنسا المنطقة، ثم سقط قادتهم كعبد الناصر في فخ سياسات اقتصادية سوفياتية مدمّرة، ثم سُحقوا بين ديكتاتوريات صدام وحافظ الأسد وتطرف الجهاديين الذين أنتجهم القمع.
بعد ثلاث حروب وعمليات سرية لا حصر لها، استنفدت أميركا محاولاتها. ستبقى موجودة، ستضرب أحياناً لمكافحة "الإرهاب"، لكنها لن تعود المهندس.
علامات الانكفاء لا لبس فيها. 30 إلى 40 ألف جندي في 19 قاعدة أصبحوا مكشوفين أمام المسيرات الرخيصة، فاضطرت أميركا للاحتماء بحاملات الطائرات وقاعدة دييغو غارسيا في المحيط الهندي. إدارة ترامب تركز على الأميركتين، والبنتاغون يريد التجهز للتنافس مع الصين. حروب الشرق الأوسط تفرغ ترساناتها وتستنزفها من آسيا. وحتى النفط لم يعد مبرراً، فأميركا كانت مستوردة حتى 2020 وأصبحت اليوم مصدّراً هائلاً، بينما الصين هي أكبر زبائن الخليج.
الفراغ سيملؤه ثلاثة غير عرب: إيران التي ستحاول ابتزاز العالم عبر مضيق هرمز وإعادة بناء ميليشياتها وربما قنبلتها بدعم روسي، وتركيا التي تبني بهدوء شبكة مصالح من سوريا
إلى العراق ووقعت اتفاقاً أمنياً مع باكستان والسعودية، وإسرائيل التي ترى نفسها بعد 7 أكتوبر 2023 "إسبرطة حديثة" تدمر أي تهديد، متحصنةً باتفاقات أبراهام مع الإمارات.
هؤلاء الثلاثة لن يعيشوا بسلام. إسرائيل وتركيا على خلاف في سوريا، وإسرائيل وإيران حسابهما لم ينته، وإيران وتركيا خصمان إمبراطوريان قديمان. والخاسرون هم نحن العرب للأسف: العراق وسوريا من رماد الحرب، ومصر مشغولة بسحق المعارضة، والخليج يحاول ترويض الأيديولوجيا بالنمو لكن نموذجه يعتمد على حماية أميركية تنسحب، وتنافس يشعّ عدم استقرار.
الباب الثاني - العملاق الحذر الذي يتفرج:
هنا يدخل الحارس الثاني في قصة كافكا: الصين.
حكام الشرق الأوسط غاضبون من ترامب الذي أشعل الحرب بلا خطة لإنهائها، ومحبطون من شي جينبينغ الذي يملك نفوذاً اقتصادياً فريداً على كل الأطراف لكنه يرفض ليّ الأذرع من أجل السلام.
هناك تفسير ساخر: قادة الحزب الشيوعي يستمتعون بمشهد أميركا تتخبط في المستنقع. فما دامت القوات الأميركية محاصرة في الخليج وتستهلك ذخائر لا تعوض، سيكون لدى البنتاغون حاملات طائرات أقل لإزعاج الصين في فنائها.
والصين مسرورة لفشل عقوبات "الضغط الأقصى" على إيران حتى مع القصف الجوي. صينيون قريبون من طهران يهمسون للغرب: إيران حضارة قديمة لن تركع، مثل كوريا الشمالية. الحزب الشيوعي يكره العقوبات وتغيير الأنظمة، فيرتاح لصمود إيران.
في الأشهر الأولى للحرب، حققت الصين مكسباً كبيراً: خفضت واردات النفط بعد إغلاق هرمز، فاستقرت أسواق الطاقة العالمية. لديها مصلحة في إبقاء السعر مخفوضاً لأن اقتصادها يتباطأ ويعتمد على التصدير، ولأنها بنت احتياطيات ضخمة سمحت لها بالاستهلاك من المخزون، محافظة على سياسة عدم الاعتماد على مورد واحد حتى لو كان روسيا.
هذه الاحتياطيات أحبطت محاولة ترامب منع إيران من بيع نفطها للصين، أكبر مشترٍ لها، ونسفت ادعاء أن حربه هي "شطرنج احتواء الصين". بل إن ترامب، الحريص على لقاء شي في واشنطن في 24 سبتمبر، قلّل من شأن تقارير عن مساعدة أقمار صناعية صينية لإيران في ضرب قواعد أميركية في الأردن، قائلاً إن أميركا تفعل أموراً مشابهة.
شي قام بجولة انتصار في قمة "بريكس" في دلهي في 12 سبتمبر، متذمراً: "هذه الحرب ألحقت خسائر فادحة ولا تخدم المصالح المشتركة". ولوح بـ"مبادراته العالمية": التنمية جيدة، التدخل في الشؤون الداخلية سيء، والديموقراطية الغربية سيئة جداً، معلناً استعداد الصين للعب دورها للسلام. لكن"بريكس" يعمل بالإجماع وأعضاؤه العشرة، من الصين وإيران وروسيا إلى الإمارات الحليفة لأميركا، لا يتفقون على شيء. المبادرات مليئة بالعبارات الطنانة ولم توقف حرباً واحدة.
ثم عادت الصين لتشتري النفط بشراسة، فقفز خام برنت إلى 132 دولاراً بحسب بلاتس، وبدأ الصراع يخنق الاستثمارات والطاقة والتكنولوجيا الخضراء والذكاء الاصطناعي بين الصين والخليج.
صراحة، الحرب جاءت مبكرة جداً للصين. صعودها ما زال يعتمد على نظام تجاري تضمنه القوة الأميركية. بحريتها لن تحمي طرق التجارة في الشرق الأوسط. ديبلوماسيتها تتجنب المخاطرة وانتهازية لا تصنع العالم. عندما تكره دولاً بثقلها الاقتصادي، تفعل ذلك لمصالح ضيقة، لا لتغيير سياساتها الخارجية.
الصين واثقة بأنها تلمح مستقبلاً تصبح فيه ثرية وقوية ومهيمنة على التقنيات الحيوية لدرجة لا يجرؤ أحد على تحديها، وحينها يصبح نموذجها القائم على المصالح والهوس بالنظام نموذجاً للجميع. عدم كفاءة ترامب قد يعجل ذلك اليوم. وحتى ذلك الحين، ستظل عملاقاً حذراً يتحدث عن السلام ولا يفعل شيئاً لتأمينه.
الباب الثالث - كانط يجيب على كافكا وسارتر:
وهنا نعود إلى جان بول سارتر الذي رأى أن الإنسان كائن حر يتحمل مسؤولية اختياراته، لكن الحرية ليست مريحة، لأن أن تكون حراً يعني أن تتحمل مسؤولية قرارك. ولهذا قد يكون أكثر راحة أن نقول "لم أستطع" بدل أن نعترف بـ"لم أجرؤ". وهذا هو سجن كافكا الأخطر: ليس المكان الذي تُغلق أبوابه، بل المكان الذي تنتظر فيه إذناً لم يمنعك أحد من تجاوزه.
كيف نخرج من هذا الانتظار؟ هنا يأتي جواب إيمانويل كانط في كتابه "نحو السلام الدائم" 1795.
لا يرى كانط السلام مجرد هدنة أو معاهدة تخفي استعداداً لحرب جديدة، بل حالة قانونية مستقرة على ثلاثة مستويات: دستور جمهوري داخل الدولة، واتحاد سلمي بين الدول، وحق كوني للضيافة بين الشعوب.
يضع كانط ستة شروط تمهيدية لإزالة ما يجعل السلام هشاً: رفض المعاهدات التي تخفي نية حرب، عدم جواز امتلاك دولة لدولة أخرى، إلغاء الجيوش الدائمة، عدم استخدام الديون لتمويل الحروب الخارجية، عدم التدخل بالقوة في النظام الداخلي لدولة أخرى، ورفض أساليب الحرب التي تدمر الثقة اللازمة لسلام لاحق.
ثم يربط السلام بالحرية السياسية: المواطنون الذين يتحملون تكاليف الحرب البشرية والمالية سيكونون أكثر حذراً عند اتخاذ قرار الدخول فيها.
ولا يكتفي بإصلاح الداخل، بل يقترح اتحاداً سلمياً بين الدول الحرة، ليس حكومة عالمية مركزية تلغي الدول، بل اتحاد يحفظ حريتها.
ثم ينتقل إلى الحق الكوسموبوليتي: حق الضيافة. ليس حقاً مطلقاً للأجنبي في الاستيطان، بل حقه في ألا يُعامل بعداء لمجرد وصوله، وإمكانية إقامة علاقات سلمية وتبادل، مع تمييز واضح بين حق الزيارة وحق الاستيطان، ونقد صريح للممارسات الاستعمارية.
يرى كانط أن الطبيعة نفسها، عبر الصراعات والمنافسة والمصالح المتبادلة، قد تدفع الدول لإدراك حاجتها إلى القانون. لا يفترض أن البشر أصبحوا ملائكة، بل أن المصالح والمؤسسات يمكن أن تعمل نحو تقليل الحرب.
ويختم بأن السياسة لا يمكن أن تنفصل عن الأخلاق. السلام قضية قانونية وأخلاقية معاً، ليس مجرد اتفاق تفرضه موازين القوى.
هل نجرؤ على الدخول؟
في أخطر مرحلة تواجهها البشرية جمعاء، نحن أمام بابين مفتوحين.
باب كافكا وسارتر يذكرنا بأن أخطر سجن هو الذي نصنعه لأنفسنا حين ننتظر الإذن. لقد انتظر العرب قرناً من يفرض نظامهم من الخارج: بريطانيا، فرنسا، أميركا. واليوم أميركا
تنسحب، والصين ترفض أن تكون الحارس الجديد. الباب مفتوح، لكن هل نجرؤ على الدخول؟ أم سنبقى جالسين أمامه حتى يغلقه الحارس ويقول لنا: هذا الباب كان مخصصاً لكم وحدكم؟
وباب كانط يذكرنا بأن الحرية ليست فوضى تصفية الحسابات التي يخشاها العالم بعد الانسحاب الأميركي، ولا هي انتظار عملاق حذر يتحدث عن السلام ولا يصنعه. الحرية هي مسؤولية بناء نظام قانوني: دستور يحاسب، واتحاد سلمي يحمي، وحق ضيافة إنساني يمنع الاستعمار الجديد.
العرب تاقوا لاستعادة مجد كانوا فيه منارة للعلم، وها هي الفرصة تأتي مع انكفاء الهيمنة. لكن كل مهيمن مغادر ترك إرثاً من التصاميم المحبطة والعواقب غير المقصودة أو المقصودة، وهناك كراهيات عميقة وحسابات لم تُسوّ.
السؤال الذي تركه كانط قبل 230 عاماً يعود اليوم أكثر إلحاحاً من أي وقت مضى: هل يمكن بناء سلام دائم اعتماداً على القانون والمؤسسات، أم أن استمرار اختلاف المصالح وموازين القوة يجعل السلام الدائم مشروعاً مثالياً أكثر منه واقعاً سياسياً؟
الجواب لن يأتي من واشنطن ولا من بكين ولا من حارس باب كافكا.
الجواب يكمن في قرارنا نحن: أن نتوقف عن انتظار الإذن، وأن نجرؤ أخيراً على الدخول من الباب الذي كان مخصصاً لنا وحدنا طوال الوقت... إذ أننا من يملك الباب والمفتاح والبيت. 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق