نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الضجيج.. تلوّث لا نراه ويغيّر صوت الطبيعة - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 11:19 صباحاً
د. إبراهيم علايلي - سفير السلامة البيئية - باحث وخبير بيئي ومستشار دولي معتمد من البورد الأميركي USA-GTB
ليس كل تلوّث مرئياً. فهناك ملوّث لا يترك دخاناً في السماء ولا نفايات على الأرض، لكنه يغيّر البيئة من حولنا: الضجيج الناتج من النشاط البشري.
في عام 2026، تتجه الأبحاث العلمية إلى دراسة هذه الظاهرة بصورةٍ أكثر دقة، لا باعتبارها مصدر إزعاج للإنسان فحسب، بل بوصفها ضغطاً بيئياً يمكن أن يؤثر في سلوك الحياة البرية واستخدامها للموائل وتواصلها.
وفي دراسة منشورة عام 2026 في مجلة People and Nature، بحث باحثون في مدى امتداد تأثير ضوضاء حركة المرور على الحياة البرية، مستخدمين خرائط للمشهد الصوتي لدراسة العلاقة بين مستويات الضجيج واختيار الطيور لمواقع التكاثر. وأظهرت النتائج أن تأثير الضوضاء يمكن أن يمتد إلى مساحاتٍ تتجاوز مصدرها المباشر، ما يبرز أهمية إدراج الضجيج عند دراسة جودة الموائل.
وفي العام نفسه، طوّر باحثون في دراسة منشورة في Methods in Ecology and Evolution مؤشراً جديداً يحمل اسم SANE، يهدف إلى قياس الضوضاء البشرية داخل النظم البيئية البرية بصورة أكثر تحديداً، بالاستعانة بالتعرّف الآلي إلى الأصوات البشرية. ويعكس تطوير مثل هذه الأدوات انتقال البحث العلمي من مجرد رصد الضجيج إلى محاولة قياس بصمته داخل الأنظمة البيئية.
كما أظهرت دراسة أخرى منشورة عام 2026 أن ضوضاء حركة المرور يمكن أن تؤثر في قدرة طيور القرقف الياباني على الاستجابة لنداءات التحذير، مع اختلاف التأثير بحسب طبيعة الإشارة الصوتية. وفي دراسة ميدانية أخرى على خفافيش دوبنتون، ارتبط التعرض لضوضاء فوق صوتية بانخفاض نشاط الخفافيش قرب مصدر الضوضاء مقارنة بفترات التحكم.
وهذه النتائج الحديثة تأتي بعد تراكم علمي مهم خلال عامي 2024 و2025.
ففي عام 2025، حللت مراجعة علمية عالمية 154 دراسة تضمنت 1,321 حالة بحثية تناولت آثار الضوضاء البشرية على الحياة البرية، من مستوى الأفراد إلى الجماعات والمجتمعات والموائل والأنظمة البيئية. وسجّلت 45% من الحالات البحثية آثاراً سلبية مرتبطة بالتعرض للضوضاء، مع اختلافٍ واضح في الاستجابات بين الأنواع والبيئات. كما أشارت الدراسة إلى وجود فجوات في المعرفة العلمية، خصوصاً بالنسبة إلى بعض مجموعات الحيوانات والبيئات.
وفي دراسة عالمية منشورة في Nature Ecology & Evolution عام 2025، استخدم الباحثون تسجيلات صوتية مستمرة من 139 موقعاً عبر ست قارات لمقارنة المشاهد الصوتية في المساحات الخضراء الحضرية ومواقع طبيعية قريبة منها. وأظهرت النتائج حضوراً أكبر للأصوات البشرية في المواقع الحضرية، إلى جانب فترات هدوء أقل وتغيّر في البنية الصوتية لهذه البيئات.
أما أبحاث عام 2024، فقد دعمت جانباً آخر من المشكلة، إذ أظهرت تجارب علمية أن الضوضاء يمكن أن تتداخل مع الإشارات الصوتية التي تعتمد عليها الحيوانات للتواصل، بما يُعرف بـالحجب الصوتي؛ أي أن الضوضاء تجعل الإشارة الطبيعية أكثر صعوبة في السماع أو التمييز. كما بحثت دراسات أخرى في تأثير الأصوات البشرية على سلوك الحيوانات واستخدامها للمساحات الطبيعية.
وهنا تكمن أهمية الضجيج بوصفه قضية بيئية. فالصوت بالنسبة إلى كثير من الكائنات ليس مجرد خلفية، بل جزء من البيئة التي تعتمد عليها في التواصل، وتحديد المخاطر، والعثور على أفراد النوع واستخدام الموائل.
لكن العلم لا يقول إن كل ضجيج يؤدي بالضرورة إلى موت الحيوانات أو اختفائها. فالتأثير يعتمد على نوع الحيوان، وشدة الصوت، وتردده، ومدته، ومصدره، وطبيعة البيئة التي يحدث فيها التعرض.
المؤكد أن النشاط البشري لا يغيّر شكل الأماكن التي نعيش فيها فحسب، بل يغيّر أيضاً الصوت الذي تسمعه الكائنات داخلها.
فإذا كانت الطبيعة تمتلك مشهداً صوتياً خاصاً بها، فماذا يحدث للحياة فيها عندما يصبح صوت الإنسان أعلى من أصواتها؟









0 تعليق