دموع خلف الشاشات: الضغط النفسيّ يغتال أمان الأطفال باسم التربية - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
دموع خلف الشاشات: الضغط النفسيّ يغتال أمان الأطفال باسم التربية - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 6 أكتوبر 2026 04:06 مساءً

كريستابيل نجم

 

 لم يعد المشهد الغريب الذي انتشر كالنار في الهشيم على منصّات التواصل الاجتماعي مجرّد مقطع فيديو عابر لأمّ تُصوّرُ ابنها تحت وطأة البكاء والانهيار أثناء الدراسة، بل تحوّل إلى جرس إنذار يُنبّه من الابتزاز العاطفيّ بهدف الحصول على المشاهدات.

 

لم تكن هذه الواقعة سوى رأس جبل من الجليد، إذ دشّنت موسماً من البرد القارس، وجفافاً في التفوّق الدراسي، وانحداراً في مستوى الخصوصيّة الأسريّة، لتترك أثراً نفسيّاً مدمّراً يمتد عبر الفصول الأربعة.

 

شجّع طفلك، لا تبتزّه عاطفيّاً (Pexels)

شجّع طفلك، لا تبتزّه عاطفيّاً (Pexels)

 

 

التّرهيب التربويّ: الخوف لا يصنع متعلّماً 

 

 

تُؤكّد اختصاصيّة علم النفس والإرشاد المدرسي كريستينا الحاموش أنَّ "تخويف الطفل من الفشل أو من عواقب العلامات لا يُساعده إطلاقاً على التعلّم؛ فالتعليم السليم يقوم على التحفيز، والترغيب لا الترهيب".

 

وتوضح: "بخلاف المفاهيم السابقة التي كانت تعتبر الخوف الخارجي دافعاً طبيعيّاً، فإنَّ المطلوب وجود "خوف إيجابي" نابع من داخله يدفعه للتقدّم، بينما التخويف يخلق لديه كُرهاً للمدرسة والدرس ويقوده إلى النفور والتراجع". 

 

حول بكاء الطفل ورفضه أداء فروضه المنزليّة، تُشدّد على أنَّ "المشكلة ليست كسلاً وفق ما يعتقد البعض بل رسالة تعبيرّية وتفريغ لحزن داخليّ أو طاقة سلبيّة نتيجة ضغط نفسيّ يفوق قدرته على الاحتمال؛ وهو ما يتطلّب تدخّلاً واعياً وممنهجاً من الأهل والمعلّمين معاً".

 

 

خلف الكسل الظاهر: ظروف طارئة وفروق تُهمل

 

 

تشير الحاموش إلى ضرورة "التأكّد أوّلاً من الحالة الصحيّة والجسديّة للطفل (قدرة السمع وغيرها) قبل اتّهامه بالكسل، مشيرةً إلى أنَّ غياب الموانع الطبّية يعني وجود عوامل بيولوجيّة أو تغييرات طارئة في بيئته كمجيء مولود جديد، ما يُضعف رغبته في الدراسة".

 

في ما يخصّ التعامل المدرسي، ثمة أهميّة أهمية مؤكّدة لوجود وثائق تحصيليّة ومراعاة الفروق الفرديّة بين التلاميذ؛ فالشرح وإن كان واحداً لا يلغي الاختلاف في طرق الاستيعاب، ولا يعفي المعلّم من أن يمتلك حسّاً عاطفيّاً وأسلوباً تحفيزيّاً مرناً بعيداً عن القسوة. 

 

 

بين الحزم والمحبّة، نصنع التوازن العاطفيّ (Pexels)

بين الحزم والمحبّة، نصنع التوازن العاطفيّ (Pexels)

 

 

كذلك، تدعو إلى "تخفيف مبدأ الحزم الشديد مع الأطفال الصغار واعتماد العاطفة، مقابل الاستماع الواعي والمحترم إلى المراهقين على انفراد لمساعدتهم على التعبير عن أنفسهم من دون إحراجهم"، مؤكّدةً أنَّ "أيّ تصرّف سلبي يصدر عن التلميذ قد تكون له جذور بيئيّة، اجتماعيّة أو عاطفيّة".

 

 

فخّ المقارنة: عندما يتحوّل التفوّق إلى عقدة نفسيّة 

 

 

تُحذّر من "وسواس التفوّق" والمقارنة الثقيلة التي يُمارسها بعض الأهل؛ فالعلامات المرتفعة لا تضمن النجاح في الحياة المستقبليّة، والضغط الزائد ُينشئ أطفالاً عصبيين وعاجزين عن التكيّف اجتماعيّاً".

 

تخلق المقارنة لدى الطفل شعوراً بالغيرة، النقص والضعف وقد تدفعه إلى العدائيّة أو التّقوقع على ذاته. 

 

في حين قد تُعطي أساليب التهديد نتائج سريعة وموقّتة، فيما ثمنها النفسي يصبح باهظاً جدّاً على المدى الطويل، إذ تُؤدّي إلى الرفض القاطع والأذى الذاتي، وقد تصل في أقصى حالات الترهيب إلى محاولات الانتحار لدى الأطفال بسبب الضغط المفرط.

 

 

 

بين الشهرة والابتزاز: سقوط الأمومة أمام الكاميرا

 

 

في ما يتعلّق بتصوير الأطفال أثناء انهيارهم ونشر المقاطع على منصات التواصل الاجتماعي، تجزم الحاموش بأنَّ "هذا السلوك يُشكّل استغلالاً عاطفيّاً صارخاً للطفل بهدف حصد الشهرة؛ فالأم التي تُقدِم على هذا الفعل تُعاني غالباً من اضطرابات نفسيّة وعقليّة، نتيجة التعرّض للأذى أو لضغوط سابقة تُفجّرها بوجه أولادها”.

 

 التضحية بخصوصيّة الطفل وسلامته العاطفيّة تُعدّ انتهاكاً لمحيطه الآمن المفترض وتعدّياً على أمانه النفسي.

 

 

تربية جيل التكنولوجيا: بين الحزم الواعي والتراخي المُدمّر

 

 

كبديل عن الترهيب، تنصح بوضع جدول زمني محدّد وتقسيم فترات الدراسة إلى مقاطع قصيرة تفصلها استراحات ونشاطات رياضّية وتفريغيّة، مع إدخال عنصر الفكاهة والتعزيز الإيجابي كالاحتضان، المدح ومكافآت التّحفيز. 

 

مقارنة بين العلامات وبناء شخصيّته، الأمران يتماشيان معاً؛ فالهدف هو تربية طفل متوازن ومدرك لقيمة تعب أهله من دون التضحية بسلامته النفسيّة. 

 

 

تختتم بالحديث عن التحدّيات التي يُواجهها جيل الأهل مع أطفال جيل التكنولوجيا الذكيّ، حيث "يقع الكثيرون في ضياع بين القسوة المفرطة والإفراط بالتراخي نتيجة الفهم الخاطئ لأساليب التربية الحديثة، ممّا يتطلّب ابتكار أساليب تربويّة متوازنة تجمع بين المحبّة والحزم الواعي".

 

 

الإهمال العاطفيّ جرح لا يُرى (Pexels)

الإهمال العاطفيّ جرح لا يُرى (Pexels)

 

مرآة تعكس خللاً عميقاً في فهم أصول التربية، فيما تشرح الدراسات النفسيّة الصادرة عن مؤسّسة منظّمة الصحة العالميّة والجمعيّة الأميركيّة لعلم النفس "APA" بأنَّ التربية القائمة على الضغط العاطفي والابتزاز النفسي تزيد من فرص إصابة الأطفال باضطرابات القلق والقلق الأكاديمي بنسبة ثلاثة أضعاف ما يُدمّر ثقتهم بالبيئة الأسريّة.

 

 

لذا، كونوا سندًا لأبنائكم، فأساس صحّتهم النفسيّة وسلامتهم العاطفيّة يبدأ منكم وأنتم مصدر الأمان الأوّل لهم.

 

لا تجعلوا أبناءكم محرّكات ومادة للتّفاعل على وسائل التواصل الاجتماعي؛ فدمعةُ طفل يئنُّ تحت الضغط والعنف العاطفي هي ألعن وأشدّ قسوة من حرب تُمزّق البلاد، لأنَّها تدهس البراءة وتغتال الطفولة في مهدها.

 

 لِتكن الأسرة حصناً للسكينة والنموّ، لا مسرحاً قائمًا على الاستعراض والتخلّف الرّقمي.

 

 

 

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق