نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الإرهاب بعد انحساره… معركة الوعي المستمرة - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 04:06 صباحاً
التحدي الاستراتيجي في مواجهة الإرهاب هو منع إعادة إنتاجه بعد تراجع حضوره. فقد يسقط تنظيم وتتوقف اعتداءاته بينما تبقى الأفكار التي شرعنت العنف، والعلاقات التي سهّلت انتشاره، قابلة لإعادة التنشيط. لذلك، فإن الهدوء الأمني يمثل إنجازاً مهماً، لكنه لا يكفي وحده للحكم بانتهاء الخطر إذ تتطلب الوقاية فهماً مستمراً لمصادر التعبئة ومسارات التأثير.
وتقتضي هذه المقاربة التمييز بين الفكرة والشبكة والفعل. فقد تتداول رواية متطرفة من دون تنظيم يقودها، وقد يتأثر فرد بمحتوى متفرق من دون اتصال مباشر بجماعة. كذلك، يمكن أن تتجدد التعبئة تحت أسماء وشعارات مختلفة. ولهذا ينبغي أن تتجاوز المواجهة متابعة التنظيمات إلى كشف المنطق الذي يبرّر الاعتداء، مع تجنّب الخلط بين الاختلاف الفكري والتطرف المؤدي إلى العنف.
وفي جوهر هذا المنطق تعصّب يحتكر الحقيقة ويصادر إنسانية الآخر؛ فالإرهاب لا يمثل ديناً بعينه، وقد يمارسه شخص لا يؤمن بالدين مدفوعاً بتعصب عنصري أو قومي أو سياسي. وفي المقابل، توظف بعض جماعات الدين لإضفاء القداسة على مصالحها وقراراتها مستغلّة ضعف المعرفة الدينية، ومقدّمة الولاء لها باعتباره التزاماً بالعقيدة. والخطر هنا هو تحويل تأويل بشريّ إلى سلطة تمنع السؤال وتسوّغ الإكراه.
وتنشأ ثغرة إعلامية حين يُترك هذا الخطاب من دون دراسة وتحقق، أو تُواجه أسئلة الجمهور بالتخويف والإدانة؛ فالخطاب الأحادي لا ينتج الإرهاب تلقائياً لكنه قد يضعف المناعة النقدية عندما يعزل المتلقّي عن الأدلة والتفسيرات الأخرى. وتستثمر الجماعات هذا الانغلاق لتقديم إجابات بسيطة لمشكلات معقدة وربط الشعور بالمظلومية بوعد الانتماء والبطولة.
ومع تنوع قنوات الاتصال قد يحدث التأثير خارج المنابر المعروفة، داخل دوائر صغيرة أو عبر رسائل متدرجة، وهذا يجعل الاكتفاء بحذف المحتوى أو الرد على الاعتداء بعد وقوعه معالجة محدودة. كذلك، فإن استخدام قناة مغلقة لا يثبت التطرف؛ فالتقييم الدقيق ينصب على التحريض والتجنيد وتبرير العنف لا على وسيلة الاتصال وحدها.
هنا يؤدي الإعلام دوراً استراتيجياً عبر التحصين المعرفي، بمعنى تعريف الجمهور أساليب التلاعب وإتاحة طرح الشبهات وتفكيك الأدلة والتأويلات التي يستند إليها تبرير الاعتداء. ويحتاج ذلك إلى متحدثين موثوقين وقدرة على الإصغاء ورسائل تناسب دوافع الجمهور. أما تغطية العمليات فينبغي أن تحافظ على الدقة والتناسب وتبرز الضحايا والمساءلة والتعافي من دون صناعة بطولة للمعتدي أو وصم مجتمع كامل.
عليه، يوصى باستراتيجية إعلامية دائمة، تقوم على دراسة الجمهور، ومسارات التأثير، وإنتاج محتوى وقائي يكشف آليات التعصب، مهما كان غطاؤه، وإتاحة نقاشات يقودها مختصون في الدين والفكر والسلوك والاتصال. ويجب تدريب الإعلاميين على التغطية المسؤولة، وربط المؤسسات الإعلامية والتعليمية والمجتمعية بآليات تنسيق وتقييم واضحة. ويُقاس النجاح بزيادة القدرة على كشف التلاعب ورفض تبرير العنف لا بحجم الوصول وحده.
وتتكامل هذه الجهود مع العدالة وفرص المشاركة والانتماء، لأن استدامة الوقاية تتطلب معالجة البيئة التي تسمح للفكر المتطرف بأن يتحول إلى مشروع اعتداء.











0 تعليق