نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
لبنان بين مطرقة الحرب وسندان الغلاء - تواصل نيوز, اليوم الأربعاء 7 أكتوبر 2026 10:16 صباحاً
عمّار الحيدري
يعيش لبنان منذ أواخر عام 2019 أزمة إقتصادية ومالية تُصنّف بين الأسوأ عالمياً، تجلّت في غلاء فاحش وإنهيار تاريخي لقيمة العملة الوطنية، مما ضرب أسس الإستقرار المعيشي والإجتماعي وأدى إلى تبدلات هيكلية في الإقتصاد.
تعود جذور الإرتفاع الجنوني للأسعار إلى تراكمات مالية وسياسية إمتدت عقوداً، وتفاعلت لتنتج الأزمة الحالية عبر مسببات رئيسية:
- الإنهيار النقدي والإعتماد على الإستيراد: فقدت الليرة اللبنانية أكثر من 98% من قيمتها. وبما أن لبنان يستورد الغالبية الساحقة من إحتياجاته الإستهلاكية، إنعكس إرتفاع سعر صرف الدولار مباشرة وبشكل مضاعف على أسعار السلع.
- السياسات المالية والنقدية: الإعتماد المفرط تاريخياً على الإستدانة لتمويل عجز الموازنات، ما أدى إلى إستنزاف إحتياطيات العملات الأجنبية وخلق كتلة نقدية ضخمة بالليرة أدت لتضخم مفرط.
- الإحتكار وغياب الرقابة: ساهم ضعف الرقابة الرسمية على الأسواق في تفلت الأسعار، بالإضافة إلى جشع بعض التجار، وتهريب السلع، وإزدهار الإقتصاد غير الرسمي والسوق الموازية.
- التوترات الجيوسياسية: أدى التوتر الإقليمي المستمر إلى إرتفاع تكاليف الشحن والتأمين، وتراجع إيرادات السياحة والإستثمارات، مما فاقم من التضخم المستورد.
ذيول الأزمة ونتائجها.
- النتائج المباشرة: تآكل سريع للقدرة الشرائية، إختفاء شبه كامل للطبقة الوسطى، وإرتفاع قياسي في أسعار المواد الغذائية، المحروقات، والأدوية، ما جعل الوصول إلى الخدمات الصحية والتعليمية الأساسية تحدياً يومياً.
- النتائج البعيدة المدى: هجرة الأدمغة والكفاءات الشابة (أطباء، مهندسون، ومعلمون) بحثاً عن فرص عمل في الخارج، تراجع حاد في مؤشرات التنمية البشرية، إنهيار البنى التحتية نتيجة غياب الصيانة، وإنكماش هيكلي في الناتج المحلي الإجمالي.
معدلات التضخم والبطالة.
شهد لبنان معدلات تضخم مفرط تجاوزت 221% خلال عام 2023. ومع بدء التوجه نحو "الدولرة الشاملة" للأسواق وإستقرار سعر الصرف نسبياً، تباطأ التضخم مسجلاً نحو 45% في عام 2024، مع توقعات من البنك الدولي بأن يراوح حول 17.5% في عام 2026 نتيجة التوترات وتكاليف الشحن. أما على صعيد البطالة، فرغم أن التقديرات الرسمية للبنك الدولي تشير إلى معدلات تقارب 11%، إلا أن التقارير الميدانية والمحلية تؤكد أن نسبة البطالة الفعلية وتراجع المشاركة في القوى العاملة أعلى من ذلك بكثير، وتتخطى 30%، خصوصاً بين فئة الشباب والخريجين.
- تأثير الغلاء على أصحاب الدخل المحدود
كانت الفئات ذات الدخل المحدود، وتحديداً موظفي القطاع العام والمتقاعدين، الضحية الكبرى. فقدت رواتبهم قيمتها الفعلية بالكامل تقريباً، وباتت بالكاد تغطي نفقات النقل الأساسية أو جزءاً يسيراً من الفاتورة الغذائية والدوائية. أدى هذا الواقع إلى تغييرات جذرية في الأنماط الإستهلاكية؛ فتخلت أسر كثيرة عن اللحوم والأصناف الغذائية الأساسية واعتمدت على بدائل أقل جودة، مما ينذر بمخاطر سوء التغذية، ورفع معدلات الفقر المتعدد الأبعاد ليطاول الغالبية الساحقة من المقيمين.
وللخروج من هذا النفق المتشعب، يحتاج لبنان إلى خطة تعافٍ شاملة ترتكز على الخطوات الآتية:
1-الإصلاحات المصرفية والنقدية: إقرار خطة شفافة لإعادة هيكلة القطاع المصرفي مع توزيع الخسائر بعدالة تضمن حماية المودعين الصغار، وتوحيد سعر الصرف بشكل رسمي، وتطبيق قانون فعال لضبط حركة رؤوس الأموال (Capital Control).
2-إنجاز الإتفاق مع صندوق النقد الدولي: تنفيذ الإصلاحات المسبقة الضرورية لتوقيع إتفاق نهائي، والذي يُعد ممراً إلزامياً لإعادة الثقة الدولية وضخ التمويل.
3-تعزيز شبكات الأمان الإجتماعي: توجيه الدعم المباشر (النقدي) للأسر الأكثر فقراً وتوسيع تغطية برامج الحماية الإجتماعية للتخفيف من صدمات الأسعار.
4-تحفيز الإقتصاد المنتج: وضع سياسات تدعم قطاعات الزراعة، الصناعة التكنولوجية، وإقتصاد المعرفة لتقليل الإعتماد المفرط على الإستيراد وخلق فرص عمل جديدة للشباب.
5-إصلاح القطاع العام: معالجة أزمة الكهرباء التي تستنزف المالية العامة، تفعيل الجباية الضريبية بشكل تصاعدي وعادل، مكافحة التهرب الجمركي، وإعادة هيكلة مؤسسات الدولة لتصبح أكثر كفاءة وإنتاجية.
يتطلب مسار النهوض إرادة سياسية حاسمة تفصل الإدارة الإقتصادية عن التجاذبات، لترسيخ إستقرار مؤسساتي يعيد عجلة النمو ويحمي ما تبقى من نسيج إجتماعي في لبنان.












0 تعليق