نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
العراق: سيادة بلون رمادي - تواصل نيوز, اليوم الخميس 8 أكتوبر 2026 04:16 صباحاً
حين خرجت القوات الأميركية أخيراً من العراق في 30 أيلول/سبتمبر، كانت واشنطن تحتفل بنهاية حضور عسكري امتدّ، بانقطاع، لأكثر من عقدين، وكانت بغداد تحتفل باستعادة صفحة من صفحات السيادة، وكانت طهران ترى في المشهد تراجعاً لخصمها. ثلاث عواصم، وثلاث روايات للنصر. وحين يعلن الجميع أنهم ربحوا، يصبح سؤال "من ربح؟" أقل الأسئلة فائدة.
الأجدى أن نسأل: من يملك القرار في العراق اليوم؟ فخروج القوات الأجنبية يغلق سؤال الاحتلال، لكنه يفتح سؤال الدولة. وهنا لا تكفي لحظة اليوم لفهم المشهد، بل ينبغي العودة إلى خيط واحد، لا إلى دفتر أحداث كامل: كيف انفصل السلاح، خطوة بعد أخرى، عن احتكار الدولة؟
في 2003، حلّت سلطة الائتلاف الجيش العراقي ومؤسسات أمنية أخرى؛ فكان تفكيك المؤسسة العسكرية أكثر من قرار إداري، إذ كُسر معه أحد أعمدة احتكار الدولة للقوة. وفي 2011، خرج الأميركي للمرة الأولى، فترك دولة تستعيد مؤسساتها أسرع مما تستعيد احتكارها للقوة؛ وفي المسافة بين الاثنين تمدّدت القوى الإقليمية. وفي 2014، حين سقطت الموصل أمام "داعش"، وُلدت تعبئة مسلّحة واسعة، ثم أصبح الحشد الشعبي جزءاً من البنية الرسمية للدولة، بينما بقي السؤال الأثقل: أين تنتهي الدولة وأين يبدأ السلاح الموازي؟ والآن، مع خروج الأميركي للمرة الثانية، يبقى السؤال نفسه.
هنا ينبغي أن نتذكر ماذا قالت واشنطن إنها جاءت من أجله. كان خطاب 2003 واضحاً: نزع أسلحة الدمار الشامل، مكافحة الإرهاب، وإقامة عراق حر ذي مؤسسات تمثيلية. لكن الأسلحة التي حركت من أجلها أساطيلها لم تكن موجودة، والإرهاب الذي جاءت تحاربه لم يكن في العراق قبلها، بل ولد من صنيعة فوضاها، حتى "داعش" ولد من رحم غزوها. أما "العراق الحر" فقد أصبح نظام محاصصة يوزع الدولة على الطوائف، والانتخابات تنتج حكومات ولا تنتج قراراً. ثلاثة أهداف معلنة: الأول ذريعة، والثاني نتيجة عكسية، والثالث وعد لم يتحقق.
لكن تعثر الأهداف المعلنة لا يعني أن واشنطن خرجت بلا مكاسب، فما لم تعلنه تحقق بشكل أكبر: نفط يتدفق إلى الأسواق، وعراق لم يعد قوة قادرة على تهديد جيرانه، وعائدات تمر عبر الاحتياطي الفيدرالي في نيويورك، وهي التي تشكّل نحو 90% من إيرادات الدولة. ولهذا، لا يعني خروجها غيابها: فقد أنهت مهمة التحالف، وانتقلت إلى علاقة أمنية قوامها التدريب والاستخبارات والتسليح، وتملك من أدوات المال ما يغنيها عن رفع العلم فوق قاعدة.
ذلك هو التحول الأبعد في الاستراتيجية الأميركية: واشنطن خرجت من كلفة العراق، ولم تخرج من حساباته. لم تعد تدير الشرق الأوسط بالجنود على الأرض، بل بالنفوذ من مسافة. وما بدأ في كابول لن ينتهي في بغداد؛ إنه انسحاب من الأرض لا من الإقليم، تغادر فيه واشنطن الساحات التي تستنزفها، وتبقى حيث القواعد المستقرة والحلفاء القادرون. والعراق ليس نهاية الحضور الأميركي، بل مختبر لنموذج أقل كلفة وأكثر انتقائية.
أما العراق نفسه، فليس فراغ ينتظر من يملأه، ولا ساحة صامتة تتناوب عليها القوى، ففي داخله ما يمكن أن يصنع اتجاهه، وإن لم يمتلك بعد أدوات الإمساك به. النفط يمنح الدولة مورداً هائلاً، لكن الريع وحده لا يصنع السيادة، والنجف تظل أحد مصادر الشرعية القادرة على وضع السلاح أمام سؤال الدولة. وجيل تشرين نقل سؤال السيادة من قاعات النخب إلى الشارع، فلم يكن "نريد وطناً" هتافاً، بل سؤالاً: لمن تكون الدولة حين تتعدد مراكز القوة؟ وفي العلاقة بين بغداد وأربيل، أمناً وثروة وحدوداً، اختبار آخر لفكرة القرار الواحد؛ ولذلك لن يتحدد مستقبل العراق بما يضغط عليه من الخارج فقط، بل بقدرته على تحويل هذه العناصر من مصادر تنازع إلى مقومات دولة.
لكن هذه العناصر لم تتحول بعد إلى قرار، فهي حاضرة، لكنها موزعة بين مراكز لا تلتقي. ولهذا، فالفراغ الذي ينبغي أن يخشاه العراق ليس أمنياً، بل سيادي. ليس هل يستطيع أن يدافع عن نفسه، بل هل يستطيع أن يقرر وحده أن يقول نعم للحرب ولا لها، وأن يجعل السلاح تابعاً للقرار لا شريكاً فيه. وبين دولة تملك مقوماتها ولا تمارسها كاملة، تقع المنطقة التي يعيشها العراق اليوم. تلك هي السيادة الرمادية، دولة حاضرة في الشكل، متعددة في مصادر القوة، ولا يزال احتكارها للقرار موضع اختبار. فهل العراق دولة فيها فصائل أم فصائل تملك دولة؟










0 تعليق