نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
اقتصاد الزواج المبكر في العالم العربي: لماذا تستمر الظاهرة؟ وما تكلفتها؟ - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 06:56 صباحاً
قبل أن يصبح الطفل مشروعاً بعيد الأجل يحتاج إلى التعليم والرعاية والإنفاق المتواصل، كان في كثير من المجتمعات الزراعية والحرفية، لا جميعها، عضواً منتجاً في اقتصاد الأسرة: يساعد في حراثة الأرض والحصاد ورعي الحيوانات، أو يتعلم حرفة والده ويعمل في النسيج والحدادة والتجارة المنزلية. من ضمن هذه البيئة، لم يكن الزواج المبكر مسألة اجتماعية فقط، بل كان كذلك جزءاً من حساب اقتصادي يقوم على تكوين الأسرة والإنجاب في سن صغيرة.
لم تكن الغاية دائماً إنجاب "عمال" بالمعنى المباشر، لكن الأبناء مثّلوا قوة عمل مستقبلية وضماناً للوالدين عند المرض والشيخوخة، ولا سيما في غياب المعاشات والتأمين الصحي. كذلك، دفعت وفيات الأطفال المرتفعة الأسر إلى الإنجاب بكثرة لضمان بقاء عدد منهم حتى سن العمل.
مع ذلك، لا يتفق الباحثون على أن الأطفال كانوا ينتجون دائماً أكثر مما يستهلكون. في سنواتهم الأولى مثّلوا تكلفة واضحة، بينما كان العائد المتوقع يظهر لاحقاً عندما يعملون في الأرض أو الورشة، أو يواصلون إعالة والديهم بعد بلوغهم.
وكان للزواج دور في إعادة توزيع العمل والنفقات بين العائلات. في المجتمعات التي تنتقل فيها الفتاة إلى منزل زوجها، قد ترى أسرتها في تزويجها مبكراً وسيلة للتخفف من نفقات إعالتها.
وفي المقابل، تكسب أسرة الزوج عضواً جديداً يشارك في العمل المنزلي والزراعي ورعاية الأطفال والمسنين. وقد يوفر الزواج لأسرة الفتاة مهراً أو ماشية، فيما يكون عبئاً عليها في المجتمعات التي تتحمل فيها جهاز العروس أو مدفوعات الزواج.
كذلك استُخدِم الزواج لتجميع الأراضي ومنع تفتت الملكيات، وربط العائلات التجارية والحرفية، وتثبيت التحالفات وتسوية الديون. أما زواج الشبان، فكان محكوماً بمعادلة مختلفة، أخّرت تكلفة المسكن والمهر والقدرة على إعالة الأسرة الناجمة عن زواجهم في مجتمعات كثيرة.
(تصميم النهار)
عالقون بين معادلتين
قلب التحضر والتعليم الإلزامي والعمل المأجور هذه الحسابات. أصبح الطفل يقضي سنوات أطول خارج الإنتاج، وارتفعت تكلفة تعليمه وصحته وسكنه، بينما قلّ اعتماد الآباء عليه مع انتشار التقاعد والخدمات العامة، وانتقلت الأسر تدريجياً من زيادة عدد الأبناء إلى زيادة الاستثمار في كل طفل، فتأخر الزواج وتراجع الإنجاب.
لكن أجزاء من العالم العربي لا تزال عالقة بين المعادلتين. وفق أحدث تقدير إقليمي يعرضه صندوق الأمم المتحدة للسكان، والمحدّث في حزيران/يونيو 2024، تعيش في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا نحو 37 مليون فتاة وامرأة تزوجن قبل الثامنة عشرة.
وانخفض انتشار الظاهرة خلال 25 سنة من واحدة من كل ثلاث شابات إلى واحدة من كل خمس. لكن التقدم تعثر خلال العقد الأخير من الزمن تحت ضغط النزاعات والنزوح والأزمات الاقتصادية والصدمات المناخية.
وتبقى هذه الأرقام تقديرات إقليمية مبنية على مسوح وطنية أجريت في سنوات متفاوتة، وليست تعداداً موحداً لعام 2024.
في مناطق النزاع والنزوح، تعيد الأزمة إنتاج الحساب القديم. قد تعتقد الأسرة أن تزويج ابنتها يقلص نفقاتها أو يوفر لها الحماية، فيما يجعل التسرب المدرسي وغياب فرص العمل الزواج يبدو المسار الوحيد المتاح. وتسمح الاستثناءات القضائية أو موافقة ولي الأمر والزيجات غير المسجلة باستمرار الظاهرة حتى عندما يحدد القانون سن الزواج بثماني عشرة سنة.
لكن ما توفره الأسرة اليوم يدفع الاقتصاد ثمنه غداً. يرتبط الزواج في الطفولة بتعليم أقل، ودخل ومشاركة اقتصادية أدنى، وإنجاب أبكر، وأعباء صحية أكبر. ويقدّر صندوق الأمم المتحدة للسكان أن كل دولار يُستثمَر في إنهاء زواج الأطفال في سبعة بلدان عربية مختارة يمكن أن يولّد أكثر من 35 دولاراً من المنافع.
وهكذا، لا يستمر الزواج المبكر لأن الماضي لم ينتهِ ثقافياً فحسب، بل لأن بعض مؤسساته الاقتصادية لا تزال قائمة. حين تضعف المدرسة وسوق العمل والحماية الاجتماعية، تعود الأسرة إلى أداء دور رب العمل وصندوق التقاعد وشبكة الأمان، ويبدو الزواج المبكر حلاً فردياً، فيما يراكم خسارة جماعية.









0 تعليق