سلب الطفولة بدافع "الستر": الآثار النفسية والاجتماعية لزواج القاصرات - تواصل نيوز

النشرة (لبنان) 0 تعليق ارسل طباعة تبليغ حذف

نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
سلب الطفولة بدافع "الستر": الآثار النفسية والاجتماعية لزواج القاصرات - تواصل نيوز, اليوم الجمعة 9 أكتوبر 2026 06:56 صباحاً

حفرةٌ تضجُّ بصراخ القاصرات، فإن صادفتم إحداهنَّ قبل دفنها، فلا تكونوا أنتم الحُفّار.

لقد تغافلنا مراراً عن زواجهنَّ، فابتلعت تلك الحفرة طفولتهنَّ، أسماءَهنَّ من دفاتر الدراسة وتُركت مقاعدهنَّ في فجيعة غياب مفاجئ. 

يُسلبنَ أعواماً كان يُفترض أن يعشنَها، قبل أن يُدفعنَ إلى إجهاض أرواحهنَّ وأجسادهنَّ بزواجٍ خانق.

لا تَدِر الفتاة ظهرها إلّا لمن ائتمنَته، لكنَّه مجتمع زائف يزفُّها كالحنطة قبل وفاتها إيماناً منه بالستر، الفضيلة والشرف.

أخبروهم أنَّ ذاك الشرف ليس قطعة ثياب توارَت عليها دماءُ من تُسمّونَهنَّ "قليلات العقل والدين”.

الشرف هو أن تصون مكانة من أوهمتها بعاطفة خافتة، في قاموسٍ جائرٍ محاها وأن تحفظ اسمها إلى جوار اسمك في السجلات حتى يأتي الأوان.

لقد أصبحنا شركاء في الجريمة لأنَّنا ارتكبنا أصعب الأفعال على الإطلاق: أن نمتنع عن الفعل.

 

 

التوعية بحقوق الطفل (Pexels)

التوعية بحقوق الطفل (Pexels)

 

 

 

غياب النضج العاطفي وتفكّك البناء النفسي للأسرة

 

 

لا تقف الفاجعة الحقيقية عند حدود الانتهاك اللّحظي لطفولة الفتاة يوم زفافها، بل تمتد لتصنع قنبلة موقوتة داخل البنية الأسرية.

 

يرى الدكتور جمال فرويز استشاري الطبّ النفسي أنَّ "زواج القاصرات يُحَمِّل الفتاة مسؤوليات تفوق قدرتها على اتّخاذ القرار وتحمّل تبعاته، إذ يُفرض عليها الزواج مبكراً تحت ضغوطٍ أو اعتباراتٍ أسرية ما قبل اكتمال نضجها النفسي والعاطفي اللّازم لبناء عائلة مستقرّة. 

 

مع تقدّم الزوجين في العمر واستفاقة وعيهما الفكري والعاطفي تطفو الأزمات الصامتة على السطح وتُلقي بظلالها على الأبناء، لينشأ جيلٌ يُعاني اضطرابات نفسية متلاحقة نتيجة عجز الأبوين عن اتّخاذ قرارات رشيدة واتّباع تربية سليمة".

 

يعود هذا الخلل إلى القفز فوق مراحل أساسية من تطوّرهما النفسي، ما يُجرّدهما من الخبرة الكافية للتعامل مع الأبناء طفولة ومراهقة. 

 

تتفاقم الأزمة بعجز الأم عن القرار وإلقاء العبء على أب مُثقل بدوره، ليتَّسع الفراغ والجفاء العاطفي بينهما متجسّداً في أعراض جسدية ونفسية، كالصداع المزمن، آلام المعدة والقولون، تقلّصات العضلات، تسارع القلب، اضطرابات النوم والأكل.

 

يشرح: "مع بلوغ الأم الثلاثينيات ودخول أبنائها مرحلة المراهقة، تعجز غالباً عن فهم احتياجاتهم، فتبحث الفتاة عن الدعم خارج الأسرة، ما يُضاعف قلقها وينعكس تشنّجاً وسلوكاً دفاعياً تجاه ابنتها. 

 

في المقابل، يتملّك الزوج الشعور بالفراغ والغبن ليرى في زواجه المبكر عبئاً يدفعه نحو زواج ثان".

 

إنَّ الجرم الأكبر لهذا الزواج يكمن في "التروما المؤجلّة"، فعندما يستفيق الوعي المتأخّر لدى الزوجين بعد سنوات من الخدر الاجتماعي، يصطدمان بعجزهما الفكري والنفسي عن إدارة الأسرة ليتحوّل البيت من ملجأ إلى بيئة طاردة تُورِّث الأزمات للأبناء.

 

 

 

أنقذوا الطفولة (Pexels)

أنقذوا الطفولة (Pexels)

 

 

 

الدوافع الاجتماعية ومصير الضحايا

 

 

 

يكشف هذا الواقع عن خلطٍ شائع بين الانجذاب الجسدي العابر ومفهوم الزواج بوصفه شراكة إنسانية متكاملة تقوم على تحمّل مسؤوليات أسرية، مادية وحياتية متشعّبة.

 

من هنا، يُنّوه الدكتور فرويز إلى أنَّ “الاعتقاد بأنَّ تزويج القاصر يُشكّل حماية لها، ليس سوى وهم لا يستند إلى الواق،  إذ يزجّ بها في دوامة من الضغوط الآنية والمستقبلية، بظلّ عدم امتلاك الطرفين الوعي الكافي بطبيعة العلاقة الزوجية وأبعادها الجنسية”.

 

ويُضيف: “تنحصر هذه الظاهرة واقعياً في دوافع رئيسية، فإمّا العوز المادي والفقر فتُساق الفتاة للزواج تخفيفاً للعبء المعيشي وإمّا أن تنبع من خديعة الموروث التقليدي لدى بعض الأسر الميسورة بتزويج الأبناء مبكراً ظنّاً أنَّ ذلك يُحصّنهم من الانحراف”. 

 

في الحالتين، يُنتج جيلً مسلوب الإرادة يفتقد القدرة على الاختيار وإثبات الذات.

 

حتى وإن تحسّنت الظروفُ المادية للأب لاحقاً يظلّ غالباً عاجزاً عن الاستمتاع بحياته، إذ تتحوّل المعاناة الأولى إلى بنية راسخة في تكوينه النفسي فيُمارسُ حرمان ذاته وأبنائه بسلوك قهري ممتنعاً عن منحهم أدنى درجات العاطفة أو الدعم المالي. 

 

يُؤكّد أنَّ “نحو ٧٠٪ من تجارب الزواج المبكر تنتهي بانتكاسات وأزمات حادّة، بينما لا تتعدّى نسبة النجاح ٣٠٪ لاعتبارات استثنائية خارجة عن القاعدة".

تتجسّد أبعاد هذه المأساة ميدانياً في شهاداته ومن خلال عمله النفسي مع الأمم المتّحدة في مناطق الحروب والنزاعات، كـَ "دارفور” وفضلاً عن الصومال وأفغانستان.

 

 ففي تلك البيئات، كان الرعب المستمر من الاغتصاب والسَبي يدفع إلى تزويج الأطفال في سنّ السابعة أو الثامنة، ليُسقط الزواج قسراً كآلية تفريغٍ للعبء النفسي تُبرَّر بتأويلات دينية لتهدئة الضمير الجمعي. 

 

"في مجتمعات أخرى كمصر يرتكز الأساس على العوز الاقتصادي مقروناً بالخوف الاجتماعي من انفلات الفتاة، كبديل رخيص عن التوعية والتربية السليمة.

 

 

تترسّخ الظاهرة مع انحدار المستوى الثقافي متجليةً في تديُّن ظاهري يتغذّى على التظاهر بالرموز والطقوس الشكلية مقابل انهيار حادّ في السلوك الأخلاقي تحت وطأة الاستهلاك والعولمة الشائهة. 

 

يشرح الدكتور الزواج "كَأداةً للهروب من كلفة التربية والتبعات الاقتصادية، بتغطية ودعم من بعض العاملين بالدين".

 

مع تقدّم الفتاة في العمر، تتوزّع مآلاتها النفسية بين أربعة مسارات:

 

الاستسلام المطلق: التماهي مع دور الضحية والتكيّف القسري مع المعاناة.

 

التمرّد الحاد: الثورة على القيود ومحاولة استعادة "السنّ المفقود" بتهور.

 

إعادة إنتاج الصدمة: ممارسة القهر ذاته وتزويج أبنائها مبكراً بذرائع أمثال "هكذا عشنا".

 

الوعي المواجِه: التسلّح بالرفض الشرس لحماية الأولاد من تكرار المأساة.

 

في غياب هذا الوعي، تُورَّث الباثولوجيا الأسرية للأطفال دافعةً إيّاهم نحو بدائل مدمّرة، كهروب الفتيات للبحث عن عاطفة الأب المفقودة لدى رجالٍ يكبرنهنَّ سنّاً أو الانكفاء النفسي والانطواء الشديد.

 

 

 

طفولة مسروقة (Pexels)

طفولة مسروقة (Pexels)

 

 

 

يترسّخ هذا الواقع بفعل انفصام ثقافي أليم يُوظَّف فيه الدين توظيفاً نفعياً لتخدير الضمير الجماعي بدلاً من حماية الطفولة، ممّا يُبرهن أنَّ المواجهة الحاسمة لا تبدأ من النص القانوني المجرّد فحسب، بل من انتشال الثقافة السائدة وإعادة الاعتبار للطفولة بوصفها مرحلة تكوين غير قابلة للمساومة أو المقايضة تحت أيّ ظرف. 

نزيفٌ إنساني يرفض أن يندمل في جسد مجتمعاتنا العربية ورغم أنَّ المؤشّرات الأخيرة تُسجّل تراجعاً ملحوظاً وملموساً في نسبة هذه الظاهرة بالأردن، إلّا أنَّها لا تزال ترزخ بثقلها في دول مثل  لبنان، مصر، سوريا، تونس والعراق، مسجّلةً استمراراً يُعري عجز السياسات والمجتمعات عن الحماية بعيداً عن الإرادة والوعي، لذا امنعوا ردم أحلامهنَّ تحت ثرى الزواج المبكر.

إخترنا لك

أخبار ذات صلة

0 تعليق