نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
«صناعة الوهم بالمصادر المجهولة».. كيف تحولت «التسريبات والمصادر الخاصة» إلى أسلحة تضليل مسلوبة المصداقية في طاحونة إعلام الإخوان؟ - تواصل نيوز, اليوم السبت 10 أكتوبر 2026 05:08 مساءً
تتكرر على شاشات ومنصات الشتات التابعة لجماعة الإخوان الإرهابية معزوفة إعلامية باتت مألوفة للمتابع والدارس؛ عبارات رنانة تتكرر في المبتدأ والخبر، تُقحم إقحاماً في المادة المرئية والمكتوبة، وتُصاغ بأسلوب هوليودي مشبع بإيحاءات الإثارة: «مصادر خاصة كشفت»، «تسريبات حصرية حصلنا عليها»، «معلومات مؤكدة من داخل الغرف المغلقة»، و«مصادر مطلعة تسبر أغوار الكواليس». ظاهر هذه العبارات يبدو براقاً يخاطب شغف المتلقي بالمعرفة الاستقصائية والسبق الصحفي، ويبث في الذهن انطباعاً أولياً بأن ثمة اختراقاً صحفياً أو كشفاً خطيراً ينطوي على مخاطرة جبارة.
غير أن التفكيك البنيوي لهذه الخطابات يثبت بدلالات قاطعة أنها ليست سوى أدوات عتيقة ومستهلكة في «كتالوج التضليل الإعلامي»، صُممت بعناية لإضفاء قدسية زائفة ومصداقية موهومة على ادعاءات عارية تماماً عن الصحة ولا تملك أدنى سند توثيقي أو حجة موضوعية.
إن المتابع المتفحص والراصد المتخصص لأداء هذه الأبواق والمنابر الرقمية والتلفزيونية على مدار السنوات الأخيرة يخلص بحقيقة جليّة: نحن لسنا أمام صحافة حرفية، ولا أمام رسالة إعلامية تسعى للوصول إلى الحقيقة وفق مقتضيات الأمانة المهنية والأخلاقية، بل أمام «عملية سياسية منظمة لصناعة الوهم وتفكيك التماسك المجتمعي». تعتمد هذه الآلية بشكل رئيسي على استراتيجية إعلامية خبيثة يُطلق عليها خبراء الإعلام والاتصال السياسي اسم «الاحتماء بالمصدر المجهول»، واستغلال الفجوات النفسية لدى التواقين لمعرفة الأخبار الكواليسية في أوقات الأزمات والتقلبات الاقتصادية والسياسية العالمية.
في هذا الصدد، يضع الدكتور هشام مصطفى عبد العزيز، رئيس حزب الإصلاح والنهضة، النقاط على الحروف مؤكداً أن من أبرز حيل التضليل وأكثرها خطورة لدى المنصات الإخوانية توظيف مصطلحات مثل «مصادر خاصة» و«مصادر مطلعة» و«تسريبات حصرية»، بغرض منح مظهر زائف من الموثوقية والأهمية لروايات وقصص اختُلقت في غرف مظلمة ولا تقدم المنصة بشأنها أي أدلة قابلة للتحقق المستقل أو القياس والتدقيق. وأوضح عبد العزيز أن مكامن الخطورة الشديدة في هذا المسلك تكمن في محاولة الشحن المستمر لتحويل «المعلومة مجهولة المصدر» إلى حقيقة مسلّم بها في الوجدان الجمعي، ويتداولها الجمهور لاحقاً باعتبارها أمراً واقعاً وخبر يقين.
وأشار عبد العزيز، في تحليل موضوعي لطبيعة هذا النمط التضليلي، إلى أن الأسلوب الإخواني يقوّم على استغلال الثغرة الفاصلة بين مفهومين مختلفين تماماً: مفهوم «السرية المشروعة للمصادر الصحفية» الذي تقره الميثاق الأخلاقي للصحافة الدولية لحماية أمن الأشخاص وسلامتهم في التحقيقات الجادة، وبين «الادعاء الكاذب والهروب من التوثيق». تبدأ دوامة التضليل بنشر معلومة منسوبة لمصدر مجهول من حساب مجهول أو منصة فرعية، ثم تتولى اللجان والصفحات المتعددة تناقلها بكثافة، لتأتي القنوات التلفزيونية والبرامج المسائية لإعادة تدويرها واستهلاكها باعتبارها «خبراً متداولاً ومؤكداً من أكثر من جهة»، رغم أن السلسلة بأكملها تنبع من نبع واحد مجهول الهوية والنسب، مما يخلق لدى المتلقي الانطباع الزائف بتعدد المصادر واستقلالية الشهادات.
وحول استخدام مصطلح «التسريب»، أكد رئيس حزب الإصلاح والنهضة أنه يملك جاذبية وتأثيراً سيكولوجياً خاصاً لدى الجمهور، لأنه يوحي بلحظة خاطفة للمسلسل الخفي وللاطلاع على ما هو محجوب ومحظور خلف الأبواب المغلقة. وتزداد خطورة هذه الآلية الماكرة عندما توظف بشكل مباشر في ملفات وقضايا تمس الأمن القومي للدولة، أو الأوضاع الاقتصادية الحيوية، أو سلامة المؤسسات الوطنية؛ حيث يُصار إلى استغلال الأزمات العالمية أو تصاعد الاهتمام الشعبي لضخ الشائعات بكثافة خاطفة تعوق إمكانية التحقق السريع، وتترك أثراً سلبياً في النفسية العامة قبل وصول التوضيحات الرسمية.
يُظهر التحليل الاستراتيجي والاجتماعي لخبراء الإعلام والباحثين المتخصصين في الشأن السياسي أن آلية «بيع الوهم» الممنهجة التي تديرها منصات الجماعة الإرهابية تنقسم إلى مراحل وخطوات هندسية محددة تشكل استراتيجية الشائعات وتضليل الأفكار:
القاعدة الأصولية في العمل الصحفي المهني المعمول بها في كافة المؤطرات والمؤسسات الصحفية الحقيقية تقضي بأن الخبر الموثوق يستند إلى ركنين أصيلين: معلومة موثقة بقرائن، ومصدر معلوم يتملك الجرأة الأدبية والمسؤولية القانونية لتبنيها. إلا أن منصات الإخوان تعكس هذه المعادلة رأساً على عقب؛ فعندما يخرج الإعلامي الهارب ليقول بثقة تصنعها المؤثرات الصوتية: «مصادري الخاصة تؤكد وجود خلافات وانقسامات في مؤسسات الدولة»، فهو في الواقع لا يقدم أي معلومة على الإطلاق، وإنما يمارس خداعاً لغوياً وتدليساً شفهياً. إن عبارة «مصادر خاصة» تزحزح المادة من خانة التكهن أو الأمنيّة الفردية إلى خانة الواقع المفروض، فيتخيل القارئ البسيط أن ثمة مسؤولاً رفيعاً قد خاطر بحياته لإمداد القناة بتلك المعلومات، فيسبغ على الافتراء مصداقية وهمية لا يستحقها.
الفرق الجوهري بين الصحافة المؤسسية المسؤولة وبين «صحافة التسريبات الفضفاضة» يكمن في الحساب؛ فالمؤسسة الحقيقية إذا أخطأ مصدرها أو كذب تقع تحت طائلة التكذيب والمحاسبة القانونية والمهنية. أما في الكتائب الإخوانية، فإن المصدر دائماً «مجهول ومحجوب لأسباب أمنية بحتة». هذه التعلّة السحرية تشكل صك براءة مسبق للهروب من المسؤولية؛ فإذا انقضت الأيام وتبين بطلان الخبر وعدم تحقق أي مما ورد فيه، لا يمكن لأحد أن يطالب المنصة بالمحاسبة أو الاعتذار لأن «المصدر سراب لا تمسكه يد». وهذا المسلك يفسر كيف يمكن لمنصة تابعة للجماعة أن تنشر عشرات التسريبات والأنباء العاجلة في شهر واحد، ولا يصح منها أي خبر، دون أن تجد القناة نفسها مضطرة للاعتذار مرّة واحدة أمام جمهورها.
يشير الخبراء إلى أن تعمد استخدام الغموض الصياغي ليس محض صدفة أو ضعف في الإعداد، بل هو هدف بذاته. فالإفصاح والتحديد في التسريب الميداني الصادق يتطلب وجود وثيقة ملونة، أو رقم تسلسلي، أو تسجيل صوتي غير مجتزأ، أو صورة فوتوغرافية واضحة. بينما التسريب المصنوع والمفبرك يستند دائماً إلى جمل مطاطية حمّالة أوجه، وتراكيب لغوية فضفاضة تحتمل كل التفسيرات والتأويلات، بما يسمح لكل متلقٍ أن يقرأ فيها مخاوفه الخاصة وهواجسه الشخصية. فالمادة الإخوانية المضللة لا تبحث عن إخبار المتلقي بالمعلومات، بل تبحث عن إثارة الفزع في قلبه.
إن الخطاب الإخواني الموجه عبر شبكات التواصل الاجتماعي (فيسبوك، تيك توك، يوتيوب، وإكس) يستهدف البنية الانفعالية للجمهور وليس عقله النقدي. تُصمم المواد باختيار كلمات مفتاحية معينة تثير الهلع والفضول، مثل: «عاجل»، «تسريب خطير»، «خاص وحصري»، «انهيار وشيك»، «كواليس سرية»؛ وهذه المصطلحات بالذات تتفاعل مع خوارزميات شبكات التواصل التي تعطي الأولوية في الانتشار للمواد المثيرة للجدل والخوف بغض النظر عن مدى صحتها. وبحكم طبيعة هذه الخوارزميات الرقمية، ترتفع معدلات التفاعل والمشاركة للشائعة المدوية فتصل إلى الملايين، بينما تظل التوضيحات والتكذيبات الهادئة محدودة الوصول، مما يحقق الهدف الأساسي للمضلل وهو «إغراق المتلقي في بحر من الشك والذعر».
أشد مراحل التضليل خطورة لا تتمثل في الكذبة المباشرة نفسها، بل في «الرسالة السياسية والأيديولوجية الخفية» الممررة في طي الكلمات. فعوضاً عن إطلاق شعار سياسي مباشر ومباشر يرفضه المواطن الرافض للجماعة، تعمد هذه القنوات إلى إكساء الرسالة ثوباً اقتصادياً أو تحليلياً موضوعياً؛ كأن يقال: «مصادر خاصة في البنك الدولي أو صندوق النقد تؤكد تعثر المفاوضات بسبب السياسات الحكومية». هنا تم تمرير مقولة «الفشل» و«الانهيار» داخل قشرة تبدو محايدة ومهنية. وبفعل التكرار اليومي المنتظم لهذه الرسائل المبطنة، يبدأ المواطن غير المتخصص في تقبل المقولة وكأنها واقع لا جدال فيه، متجاهلاً الأرقام والبيانات الميدانية والمحسوسة.
إن تفكيك خطابات الزيف المعتمدة على المصادر المجهولة يقتضي العودة إلى لغة الأرقام والمؤشرات الميدانية التي تكذب ادعاءات المنصات الخارجية، وتثبت حجم الإنجاز الملموس على أرض الواقع المصري:
مؤشرات النمو الاقتصادي: تشير البيانات والمؤشرات الاقتصادية الموثقة إلى تحقيق معدل نمو بلغ 5.2% خلال التسعة أشهر الماضية، وهو ما ينفي مقولات «الانهيار الاقتصادي وشلل القطاعات الإنتاجية» التي ترددها قنوات الإخوان صباح مساء.
كبح جماح التضخم: تظهر الأرقام الرسمية تراجعاً متواصلاً لمعدلات التضخم من 15.2% ليصل إلى 14.3%، نتيجة السياسات النقدية والضبط المالي والمستمر للأسواق.
الحماية الاجتماعية والتكافل: قدم التحالف الوطني للعمل الأهلي التنموي ما يربو على 124.8 مليون خدمة متنوعة (صحية، غذائية، واجتماعية) استفاد منها نحو 40 مليون مواطن في مختلف المحافظات، مما يعكس الشمول الاجتماعي وتقديم الدعم المباشر للفئات الأولى بالرعاية.
تطوير الريف المصري (مبادرة حياة كريمة): تم تنفيذ ما يزيد عن 23 ألف مشروع خادمي وتنموي شملت 1477 قرية ضمن المرحلة الأولى، بهدف تحسين جودة الحياة وإدخال البنية التحتية الأساسية لملايين المواطنين.
شدد الدكتور هشام مصطفى عبد العزيز في ختام طرحه التحليلي على أن المواجهة المباشرة والتصدي الناجع لخطر التضليل لا يمكن أن يقتصرا على أدوار «النفي التقليدي» أو التكذيب اللاحق للشائعات، بل يستلزمان صياغة رؤية متكاملة للاتصال المؤسسي الفعّال؛ تستند إلى السرعة، والشفافية، وإتاحة المعلومة الدقيقة والدائمة من مصدرها الرسمي في التوقيت المناسب لقطع الطريق على مروجي الزيف.
كما أكد على أهمية تعزيز مجالات التربية الإعلامية والوعي الرقمي لدى المواطنين والأجيال الشابة، لتمكينهم من امتلاك حس نقدي قادر على الفرز والتمييز بين الخبر الصحفي المهني المسند، وبين التحليل الشخصي، والدعاية التضليلية الموجهة. واختتم تصريحه بالقول:
«إن المعركة الحقيقية والفاصلة ليست مجرد معركة تصحيح شائعة طارئة، بل هي معركة واعية ضد الأدوات والآليات التي تمنح الزيف لبوس الحقيقة. فليس كل ما يُنسب إلى مصادر خاصة ينطوي على معلومة صادقة، ولا كل ما يُسوق بصفة التسريب يمثل واقيعاً مكتمل الأركان. إن صيانة الوعي القومي تبدأ من ترسيخ حق المواطن الأصيل في المعرفة، وبناء إعلام وطني مسؤول ومؤسسات متكلمة بقدر عالٍ من السرعة والشفافية؛ فالأمان والثقة يبنيان بالحقائق والشفافية التامة، لا ببيع الأوهام وترديد الشعارات البراقة.»
إن الشواهد الواقعية تؤكد في النهاية أن المعركة هي معركة وعي وإدراك قبل كل شيء. فالدولة الوطنية التي تعرض موازناتها العامة، ومؤشرات نموها، وافتتاح مشروعاتها التنموية مباشرة أمام المواطنين وعلى مرأى من العالم، لا تحتاج لاستعمال المصادر المجهولة لتثبت وجودها، بينما الجماعات التي تتخذ من الاستوديوهات المغلقة في الخارج ملاذاً لها لا تملك في جرابها سوى بضاعة كاسدة من الأوهام المسبوكة تحت لافتة: «قالت مصادرنا».


















0 تعليق