نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الحر يفاقم الألم.. المرضى النفسيون ضحايا صامتون للتغيرات المناخية - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 21 سبتمبر 2026 05:59 مساءً
الأدوية النفسية والحرارة يضاعفان معاناة المرضى خارج المستشفيات
من عنابر المستشفيات إلى غرف المنازل.. .من يحمي المرضى النفسيين عندما تتحول الأسرة إلى بديل للمستشفى؟
25 مليون مصاب باضطرابات نفسية.. 7، 301 سرير حكومي و51، 137 مريضًا يعتمدون على العيادات الخارجية
1 من كل 4 مواطنين يعاني أعراضًا نفسية.. و0.4% فقط يصلون إلى العلاج
على مدار 10 سنوات.. ننشر خريطة حرارية تكشف تضاعف الآثار الجانبية للأدوية النفسية
من 34.11 إلى 37.16 درجة.. 2020 الأكثر حرارة و2015 عام مأساة الخانكة
10 وفيات و15 مصابًا في موجة حر 2015.. عندما تحولت عنابر الخانكة إلى مصيدة للمرضى النفسيين
41 درجة في منزل «محسن».. دواء نفسي ومروحة ضعيفة في مواجهة حرارة الصيف
وننشر الاستعدادت العلاجية لأمانة الصحة النفسية لموجات الصيف
في منزل بسيط مكوّن من ثلاثة طوابق بأحد شوارع منطقة إمبابة، يعيش محسن، رجل تجاوز الخمسين من عمره، في شقته بالدور الأرضي، مثقلاً بذكريات وتجارب نفسية قاسية دفعته قبل سنوات إلى دخول إحدى كبرى مستشفيات الصحة النفسية الحكومية بالقاهرة.
مرّت الأعوام، وبقي شقيقه، الموظف الذي أحيل إلى المعاش، سندًا له، يتكفّل بتكاليف علاجه والإقامة داخل المستشفى والتى لم تتعدى ال 200 جنيها، ويحرص على إرسالها شهريًا إلى المستشفى، أملاً في استقرار حالته، لكن مع ارتفاع نفقات العلاج داخل مستشفيات الصحة النفسية، وفقًا للائحة التي أقرّها وزير الصحة (رقم 220 لسنة 2025 )، والتى وصلت الى 7 الاف جنيها للإقامة فقط، لم يعد في مقدور الشقيق الاستمرار في تحمّل هذه الأعباء.
وأمام هذا الواقع القاسي، لم يجد حلًا سوى التوجه إلى المستشفى واصطحاب شقيقه إلى المنزل، على أن يلتزم بالحضور شهريًا للحصول على العلاج اللازم من العيادات الخارجية.
يعاني محسن من اضطرابات الذهان والاكتئاب، ويواصل تلقي أدويته من خلال العيادات الخارجية بالمستشفى ذاته، في محاولة للحفاظ على استقرار حالته
لم يكن محسن حالة استثنائية، بل واحدًا من بين أكثر من 51، 137 مريضًا، وفقًا لإحصائيات الأمانة العامة للصحة النفسية، استقبلتهم العيادات الخارجية في 21 مستشفى، حيث يعتمد هؤلاء المرضى على الحضور الدوري لصرف أدويتهم الشهرية التي تُبقيهم في حالة من التوازن الهش.

داخل المنزل البسيط الذي يعيش فيه، تتكرر معاناة محسن بصورة مؤلمة، إذ كثيرًا ما ترتفع درجة حرارة جسده بشكل حاد، فيسارع شقيقه إلى نقله إلى مستشفى الحميات، بعدما تتجاوز حرارته 41 درجة مئوية.
حين سأل شقيقه الأطباء، جاءه الرد واضحًا وقاسيًا في آن واحد: ما يعانيه محسن ليس طارئًا، بل هو من الآثار الجانبية للأدوية التي يتناولها لعلاج الاكتئاب والذهان، والتي تزداد وطأتها مع ارتفاع درجات الحرارة، خاصة خلال فصل الصيف.
هذه المعاناة اليومية تعيد إلى الأذهان مشهدًا أكثر قسوة، ففي صيفٍ حارق من عام 2015، حيث لم تكن موجة الحر مجرد حالة طقس عابرة، بل تحولت داخل أسوار مستشفى الخانكة للصحة النفسية إلى مأساة إنسانية، حين حصدت أرواح عشرة مرضى لم يملكوا القدرة على الشكوى أو حتى طلب النجدة.
بدأت المأساة عندما أصيب ثلاثة من النزلاء بحالة إعياء شديد وسقطوا مغشيًا عليهم، بينما كان 15 آخرون يواجهون الأعراض نفسها تحت وطأة حرارة خانقة حوّلت العنابر إلى مساحات مغلقة.
في تلك اللحظات، كان الأطباء النوبتجيون يجوبون العنابر، يقيسون درجات حرارة المرضى في محاولة للسيطرة على الوضع، قبل أن يتم نقل عدد منهم إلى مستشفى حميات بنها بعد أن تجاوزت درجات حرارتهم 42 درجة مئوية، في مؤشر خطير على تدهور حالتهم الصحية.
انتهت هذه الوقائع بوفاة عشرة مرضى، بعدما تعرضوا لإجهاد حراري حاد نتيجة الارتفاع الشديد في درجات الحرارة، وكان معظمهم من كبار السن، الفئة الأقل قدرة على مقاومة مثل هذه الظروف القاسية.

وبينما تبدو هذه الحادثة وكأنها ذكرى بعيدة، فإن ما يعيشه "محسن" اليوم يكشف أن الخطر لا يزال قائمًا، بل ويطرح سؤالًا مقلقًا: إلى أي مدى يمكن أن تتحول موجات الحر إلى تهديد صامت يلاحق المرضى النفسيين داخل منازلهم كما داخل المؤسسات العلاجية؟.
وفي ظل تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية وارتفاع معدلات موجات الحر الشديدة، والتى بدأت تظهر خلال السنوات الماضية، تبرز فئة المرضى النفسيين باعتبارها من أكثر الفئات الصحية هشاشة وتأثرًا بارتفاع درجات الحرارة، لما تحمله طبيعة المرض والعلاج من عوامل تزيد من مخاطر الإجهاد الحراري.
معظم الأدوية النفسية التي يتناولها المرضى قد تؤثر على قدرة الجسم على تنظيم حرارته، من خلال تقليل التعرق أو التسبب في احتباس الحرارة داخل الجسم، وهو ما قد يؤدي إلى ارتفاع شديد في درجة حرارة الجسم، والإصابة بالإجهاد الحراري، وفي الحالات الأكثر خطورة قد يصل الأمر إلى الوفاة إذا لم يتم التدخل السريع."
من هنا، لا تبدو الأرقام مجرد إحصاءات، بل مؤشرًا على واقع أوسع يعيشه آلاف المرضى النفسيين داخل منازلهم، بعيدًا عن بيئة علاجية مؤهلة.
فداخل هذه البيوت، تتضاعف المعاناة مع ارتفاع درجات الحرارة، إذ يجد المرضى أنفسهم في مواجهة موجات حر قاسية دون وسائل تبريد كافية أو متابعة طبية منتظمة، بينما تزيد الأدوية النفسية، خاصة المستخدمة لعلاج الاكتئاب والذهان، من حساسية أجسامهم للحرارة، فتؤثر على قدرتهم على التعرق وتنظيم درجة حرارة الجسم، ما يعرضهم للإجهاد الحراري، والدوخة، والخمول، وأحيانًا مضاعفات أكثر خطورة.
وفي ظل هذه الظروف، لا تقتصر المعاناة على الأعراض الجسدية فقط، بل تمتد لتفاقم الاضطرابات النفسية نفسها، حيث تزداد حدة القلق والتوتر واضطرابات النوم، في بيئة تفتقر إلى الحد الأدنى من الراحة والدعم.
وهذا ما اكده أحد المصادر الطبية بالأمانة العامة للصحة النفسسية، رفض ذكر اسمه، ان أن ارتفاع درجات الحرارة خلال فصل الصيف يمثل خطورة مضاعفة على مرضى الاضطرابات النفسية والذهانية، مشيراً إلى أن بعض الأدوية النفسية ومضادات الذهان تؤثر سلباً على مركز تنظيم الحرارة في المخ، مما قد يؤدي إلى إصابة المريض بما يُعرف بـ «الاحتباس الحراري» ومضاعفات جسدية وعقلية خطيرة تشبه ضربات الشمس الحادة.
وأوضح المسؤول أن التغيرات المناخية والموجات الحارة تتطلب التعامل بحذر شديد مع هذا الملف، مشدداً على ضرورة «ترشيد استخدام الأدوية النفسية» تحت إشراف طبي دقيق خلال أشهر الصيف، حيث يُستحسن تخفيض الجرعات العلاجية كتقليل عدد الأقراص اليومية بحسب التقييم الطبي لكل حالة، مع الوقف التام لاستخدام الحقن طويلة المفعول طوال فترة الصيف نظرًا لتأثيرها التراكمي والممتد في ظل الأجواء الحارة.
وأضاف المسؤول، أن خطة الوقاية والحماية للمريض تستوجب الحرص على تناوله كميات كافية ومستمرة من السوائل والمياه للحد من الجفاف، والالتزام بارتداء الملابس القطنية الخفيفة واستخدام المفارش القطنية في محل إقامته، فضلاً عن تجنب التعرض المباشر لأشعة الشمس، والمتابعة الدورية للعلامات الحيوية وعلى رأسها قياس درجة الحرارة بانتظام على مدار اليوم، لضمان التدخل الطبي المبكر قبل تفاقم الأعراض.
وجّه المسؤول تحذيراً شديد اللهجة لأسر المرضى الموجودين داخل المنازل، مؤكداً أن الخطورة الأكبر تكمن في الاعتقاد الخاطئ بأن المريض المتواجد في البيت بمعزل عن مخاطر موجات الحرارة. وأوضح أن المريض الخارجي يتعرض لتهديد مباشر إذا تُرك في غرف غير مصحوبة بتهوية جيدة، أو مع غياب المتابعة الأسرية الدقيقة لتناول السوائل وقياس الحرارة، مشدداً على أن الإهمال في ملاحظة التغيرات الجسدية أو المظهرية للمريض داخل المنزل قد يؤدي إلى
تدهور مفاجئ وسريع في حالته الصحية والعقلية، وهو ما يستوجب اليقظة التامة من ذويهم وعدم التهاون في تطبيق الإرشادات الوقائية.
بعد هذا التحذير الشديد.. حاولنا من خلال هذا التحقيق نكشف كيف يمكن لموجات الحر المرتبطة بالتغيرات المناخية أن تتحول إلى تهديد مباشر لحياة فئات لا صوت لها؟، ولماذا يبقى هؤلاء دائمًا في قلب الخطر؟.
جاهزية المستشفيات
وتكشف الإحصاءات الخاصة بالأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان، وهي الجهة التابعة لوزارة الصحة والسكان والمسؤولة عن إدارة منظومة مستشفيات الصحة النفسية، أن المنظومة تضم 21 مستشفى ومركزًا للصحة النفسية وعلاج الإدمان على مستوى الجمهورية، بطاقة أساسية تصل إلى 6660 سريرًا، بينما تبلغ الطاقة التشغيلية الفعلية نحو 5616 سريرًا للعلاج الداخلي.

وطبقا للإحصائيات التى حصلنا عليها، هناك تفاوت كبير في الطاقة الاستيعابية لمستشفيات الصحة النفسية وعلاج الإدمان بمختلف المحافظات والذى يبلغ اجمالى اعدادها نحو 7301 سرير، إذ تتصدر مستشفى الخانكة المشهد بطاقة استيعابية تبلغ 1804 سرير، تليها مستشفى العباسية ب 1069 سريراً، بينما تسجل مستشفى حلوان طاقة تستوعب 331 مريضا. وفي المقابل، تتوزع القدرات الاستيعابية على مستوى الجمهورية لتشمل مستشفى المعمورة بـ 948 سريراً، ومستشفيات الأقاليم بمعدلات متباينة، حيث تضم مستشفى العزازي 250 سريراً، وبنها 188 سريراً، وشبين الكوم 113 سريراً، وأسيوط 105 أسرة، وبني سويف 103 أسرة، ومصر الجديدة 76 سريرا، ودميرة 92 سريراً، وبورسعيد 95 سريراً، وأسوان 87 سريراً، وسوهاج 70 سريراً، وطنطا 62 سريراً، وصولاً إلى مستشفى المنيا التي تقتصر طاقتها على 53 سريراً.
وتتوزع باقي الأسرة الاستشفائية والبالغ عددها نحو 1، 929 سريراً —بين إجمالي الطاقة الأساسية البالغة 7، 301 سرير وتلك المُسجلة في المستشفيات الكبرى— بين عدد من المراكز والمنشآت الأخرى التابعة لشبكة الأمانة، وتضم المراكز المتخصصة ووحدات سحب السموم وعلاج الإدمان وتأهيل المرضى الملحقة أو المرتبطة بالمنظومة (مثل مركز الإسكندرية، ومركز فرانكو بازاليا، ووحدات الرعاية الموزعة في المحافظات، ومراكز التدريب والتأهيل الأكاديمية والشريكة للشبكة القومية).
وتعكس هذه الأرقام تفاوتاً ملحوظاً بين السعة الإجمالية القصوى، التي تصل إلى 7301 سرير كمؤشر للقدرة التصميمية الأساسية، وبين الطاقة التشغيلية الفاعلة التي تتراوح بين 5616 و6660 سريراً للعلاج الداخلي، وهو الفارق الذي تفرضه غالباً الأسرّة المعطلة بسبب أعمال الصيانة والتطوير أو التحديات اللوجستية والتشغيلية في بعض المنشآت.
و يكشف المسح القومي للصحة النفسية، الذي أعلنته وزارة الصحة والسكان ممثلة في الأمانة العامة للصحة النفسية وعلاج الإدمان بالتعاون مع الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء، أن نحو 25% من المواطنين - بمعدل شخص من كل أربعة أشخاص - يعانون من أعراض أو اضطرابات نفسية مختلفة. وعند إسقاط هذه النسبة على التعداد السكاني، يُقدر الخبراء والتقارير التحليلية إجمالي أعداد من يعانون من اضطرابات نفسية ومزاجية بنحو 25 مليون مواطن.
وطبقا للمسح القومى للصحة النفسية فإن نسبة ضئيلة للغاية من هؤلاء المصابين يلجأون لتلقي العلاج الرسمي أو المؤسسي لا تتجاوز 0.4%، وهي نسبة تعادل نحو 100 إلى 150 ألف مريض فقط ممن ينتظمون في العلاج الفعلي.
وقد كشفت المقارنة بين هذه السعة الإجمالية البالغة 7، 301 سرير وبين حجم الاحتياع الفعلي عن فجوة هيكلية واسعة، إذ تشير التقديرات إلى وجود ما يقرب من 65 ألفاً و699 مريضاً، يتلقون العلاج والرعاية داخل المنازل بعيداً عن الأسرة الاستشفائية، وهي شريحة تتوزع بين حالات تتابع عبر المستشفيات الحكومية التابعة لوزارة الصحة والسكان، أو المستشفيات الجامعية، أو من خلال المتابعة الطبية المباشرة في العيادات الخاصة.

وهنا تبدأ معاناة أخرى للمريض النفسي، الذي يجد نفسه مضطرًا لمواجهة مرضه داخل جدران المنزل، والذى يكاد أن يكون به مروحة ضعيفة تحاول عن تهدأمن حرارة الغرفة، و بعيدًا عن أعين الأطباء والرعاية المؤسسية المنتظمة، لتتحول الأسرة إلى مستشفى صغير تفتقر إلى أبسط الإمكانات اللازمة للتعامل مع حالته.
وبين جدران هذا المنزل، تتداخل معاناة المرض مع ضيق الحال، ليجد المريض النفسي نفسه محاصرًا بين احتياجات علاجية لا تنتهي، وظروف معيشية لا تمنحه المساحة الكافية لالتقاط أنفاسه، بينما تظل معاناته بعيدة عن سند مؤسسي يكفي لاحتواء أوجاعه.
استعدادت الصحة النفسية للصيف وموجات الحر
أعداد أسرة المستشفيات تضعنا أمام تساؤل حول ماذا يحدث عندما يلتقي ارتفاع الحرارة الشديد مع مرض نفسي وأدوية تؤثر في قدرة الجسم على تنظيم حرارته؟ وهل المستشفيات والأسر في مصر مستعدة لذلك؟، خاصة فى وجود تحدٍ جديد مع دخول العالم مرحلة أكثر قسوة من التغيرات المناخية، حيث لا تصبح مواجهة الحرارة مجرد إجراء وقائي، وإنما جزءًا أساسيًا من منظومة الرعاية العلاجية للمرضى النفسيين، الذين يحتاجون إلى بيئة آمنة داخل العنابر تشمل التهوية الجيدة، ووسائل التبريد المناسبة، والمتابعة الدورية لدرجات الحرارة، إلى جانب خطط طوارئ واضحة للتعامل مع حالات الإجهاد الحراري الناتجة عن موجات الحر الشديدة.
لمشاهدة خريطة مستشفيات الصحة النفسية فى مصر اضغط هنا

الدكتور احمد حسين مدير وحدة شئون المرضى بالامانة العامة للصحة النفسية سابقا قال" هناك بالفعل خطة طوارئ يتم العمل بها - أو على الأقل يُفترض تطبيقها - لمواجهة موجات الحر داخل المستشفيات، تتضمن حزمة من التعليمات الأساسية، على رأسها تقليل جرعات العلاج النفسي خلال فصل الصيف إلى الحد الأدنى الذي يضمن استقرار حالة المريض، مع التأكيد على شرب كميات كبيرة من السوائل، وقياس درجة الحرارة بشكل دوري.
ويضيف: "في حال دخول المريض في ارتفاع شديد بدرجة الحرارة (حمى)، يتم إيقاف العلاج النفسي فورًا"، مشددًا على أهمية توافر وسائل تبريد داخل العنابر.
لافتا أن الخطط كانت تستهدف منذ سنوات تزويد جميع عنابر المرضى بأجهزة تكييف، قائلًا: "المفروض من سنوات مستشفيات الصحة النفسية تكون بدأت خطة بتزويد كل عنابر المرضى بمكيفات هواء".
ويستعيد، مدير وحدة شئون المرضى سابقا، كواليس أزمة موجة الحر في عام 2015، قائلًا: "وقت الموجة الصعبة في 2015 كنت لسه في الأمانة، ومات أكثر من 10 مرضى، ووقتها قامت هوجة على الصحة النفسية، ووصل الجدل إلى وسائل الإعلام".
وبحسب روايته، تحركت الأمور لاحقًا داخل الوزارة، حيث تلقى اتصالًا من رئيس قطاع التخطيط: "قالتلي الوزير بيسأل محتاج إيه، قولتلها محتاج أغير مراوح العنابر لتكييفات". ويضيف: "بعتلنا مبلغ مكّنّا من تكييف حوالي 40% من عنابر المرضى في المستشفيات".
كما يشير إلى تجربة في محافظة سوهاج، حيث تم تطوير أحد المستشفيات قيد الإنشاء، قائلا "في سوهاج كانت مستشفى لسه بتتبني، غيرنا لوحة الكهرباء وحولناها من تكييف لبعض العنابر إلى تكييف مركزي لكل المستشفى".
وفيما يتعلق بآليات التمويل، أكد أنه لا توجد مخصصات مستقلة لهذا النوع من التطوير، موضحًا: "مفيش حاجة مخصصة بالتحديد، كل ما يتعلق بالتجهيزات والإنشاء والتطوير بيتم تمويله من الباب السادس في الموازنة، وهو الباب الاستثماري، وبيتقسم لثلاث بنود: إنشاء، أجهزة ومعدات، وأبحاث". ويختتم قائلًا: "التكييفات بتندرج ضمن بند الأجهزة والمعدات".
عقب الحادث ايضا أصدرت الامانة العامة للصحة النفسية دليل الاجراءات العلاجية ولمواجهة موجات الحر المتزايدة، خصص الدليل فصل كامل عن الاستعدادات العلاجية الخاصة بفصل الصيف.

و تكشف الأدلة الإرشادية "والذى حصلنا على نسخة منها، عن حزمة من الإجراءات الاحترازية التي تستهدف حماية المرضى داخل المستشفيات خلال فصل الصيف، في محاولة لتقليل المخاطر الصحية المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، خاصة بين الفئات الأكثر هشاشة.
وتشدد التعليمات على ضرورة ضمان تواجد فرق طبية وتمريضية بأعداد كافية، مع تكثيف النوبتجيات بما يتناسب مع أعداد المرضى داخل الأقسام، إلى جانب توفير وحدات تكييف تعمل بكفاءة داخل كل قسم، مع التأكيد على استخدامها لصالح المرضى فقط، كما توصي بمرور دوري ومكثف من الأطباء وأطقم التمريض لمتابعة الحالة الصحية للنزلاء، وقياس العلامات الحيوية لهم كل 6 ساعات.
وفي حال ارتفاع درجة حرارة أي مريض، تلزم الإجراءات بسرعة إبلاغ أخصائي الأمراض الباطنية للتعامل مع حالات الإجهاد الحراري، مع تحويل الحالات غير المستجيبة إلى مستشفيات الحميات أو المستشفيات العامة.
كما تتضمن التعليمات منع تعرض المرضى لأشعة الشمس خلال فترات الذروة، وضمان حصولهم على كميات كافية من السوائل، مع الاستحمام اليومي، وخفض جرعات بعض الأدوية النفسية التي قد تسهم في ارتفاع حرارة الجسم، بل ووقفها مؤقتًا عند الضرورة.
وتؤكد الإرشادات كذلك على أهمية توافر الأدوية الخافضة للحرارة والمحاليل الوريدية بكميات كافية داخل الأقسام والطوارئ، مع متابعة دورية من أطباء الباطنة والجلدية، وسرعة الإبلاغ عن أي تغيرات في وعي أو سلوك المرضى أو في علاماتهم الحيوية، كما توصي بتكثيف الرعاية للمرضى كبار السن أو المصابين بأمراض عضوية، مع ضرورة تواجد طبيب باطنة على مدار 24 ساعة.
وفيما يتعلق بالرعاية التمريضية، تشير التعليمات إلى ضرورة قياس درجة الحرارة بشكل متكرر كل نصف ساعة حتى استقرار الحالة، واستخدام الكمادات الباردة أو حمامات التبريد، إلى جانب الكمادات الكحولية لخفض الحرارة، وتهيئة بيئة هادئة تساعد على فقدان حرارة الجسم دون التعرض لتيارات هوائية مباشرة.

وتشدد الإجراءات على أهمية تعويض السوائل والأملاح المفقودة نتيجة التعرق أو القيء، من خلال إعطاء المرضى كميات مناسبة من السوائل على جرعات متقاربة، مع متابعة دقيقة للحالة. كما يتم التأكيد على تقديم تغذية متوازنة غنية بالعناصر الأساسية، لتعويض الفاقد الناتج عن الإجهاد الحراري.
ولا تغفل التعليمات الجوانب التمريضية اليومية، حيث تتضمن تغيير ملابس المرضى المبتلة، والعناية بالجلد، وتغيير أوضاعهم بشكل مستمر، مع تسجيل العلامات الحيوية بشكل دوري، ومتابعة الخطة العلاجية بدقة، وتوثيق كافة الملاحظات التمريضية، والإبلاغ الفوري عن أي أعطال في وسائل التهوية أو التبريد.
وفي سياق تعزيز الجاهزية، توصي الأدلة بمتابعة تقليل أو إيقاف بعض العلاجات النفسية بالتنسيق مع الأطباء، إلى جانب تنفيذ برامج تدريبية دورية لأطقم التمريض على أساليب التعامل مع الحالات الحرجة المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة.
وتعكس هذه الإجراءات إدراكًا متزايدًا لحجم المخاطر التي قد تفرضها موجات الحر داخل المؤسسات العلاجية، خاصة مع تصاعد تأثيرات التغيرات المناخية، ما يضع مسؤولية إضافية على الأنظمة الصحية لضمان حماية الفئات الأكثر عرضة للخطر.
هذة الارشادات وضعتها وزارة الصحة والسكان - متمثلة فى الامانة العامة للصحة النفسية - لكن ماذا عن الاجراءات التى يقوم بها المريض النفسى داخل منزله؟
داخل هذا المنزل، لا يملك المريض في كثير من الأحيان سوى دوائه وأفراد أسرته، الذين يحاولون قدر استطاعتهم احتواء حالته ومتابعة علاجه، بينما يتحمل هو الأعراض الجانبية الثقيلة للأدوية في صمت.
وفي أيام الصيف القاسية، لا يجد سوى مروحة بسيطة لا تستطيع تبديد حرارة الغرفة، في الوقت الذي يمكن أن تزيد فيه بعض الأدوية من صعوبة تحمل الحرارة أو تؤثر على قدرة الجسم على تنظيم حرارته، وبين المرض النفسي وآثاره الجانبية وحرارة الصيف، يصبح المنزل الذي يفترض أن يكون مساحة للأمان والراحة، مكانًا آخر لمواجهة الألم اليومي.
هكذا يعيش «محسن» وغيره من البسطاء تجربتهم مع المرض النفسي، مريض يحاول أن يتمسك بعلاجه ويواصل حياته من داخل غرفة متواضعة، وأسرة تحاول أن تقوم بدور الطبيب والممرض في آن واحد، بإمكانات محدودة لا تكفي دائمًا لمواجهة مرض معقد وآثاره.
درجات الحرارة خلال الأعوام السابقة
بناءً على بيانات قمنا بجمعها على مدار السنوات من 2015 إلى 2023 من خلال “دورية البيئة” الصادرة عن الجهاز المركزي للتعبئة العامة والإحصاء سنويا، والخاصة برصد درجات الحرارة العظمى خلال أشهر الصيف (يونيو، يوليو، أغسطس) بمختلف مناطق الجمهورية، تكشف المؤشرات عن منحنى حراري يتجه تدريجيًا نحو الارتفاع، مع تفاوتات جغرافية حادة بين الشمال والجنوب.

فقد بلغ متوسط درجات الحرارة العظمى الصيفية على مستوى الجمهورية نحو 36.3 درجة مئوية، فيما تراوح المدى الحراري بين 23.1 درجة مئوية كأدنى قيمة سُجلت في بعض المدن الساحلية مثل بورسعيد، وصولًا إلى 43.6 درجة مئوية في مناطق الصعيد، وعلى رأسها أسوان، ما يعكس فجوة مناخية لافتة بين البيئات المختلفة.
وعند تفكيك البيانات زمنيًا، تظهر سنوات بعينها كأكثر سخونة، إذ تصدر عام 2020 قائمة الأعوام الأعلى حرارة بمتوسط بلغ 37.16 درجة مئوية، يليه عام 2021 بمتوسط 37.00 درجة، بينما جاء عام 2015 كأقل الأعوام حرارة خلال هذه السلسلة بمتوسط 34.11 درجة مئوية، إلا أنه كان البداية لزيادة الحرارة، وهو العام الذي شهد حادثة وفاة المرضى النفسيين داخل المستشفيات بسبب عدم جاهزيتها للتعامل مع موجات الحرارة.
ومع التصاعد النسبي في حدة الموجات الحارة خلال السنوات الأخيرة، اتخذت المستشفيات كافة الإجراءات الوقائية التي سبق ذكرها، من أجل حماية المرضى النفسيين من مخاطر ارتفاع درجات الحرارة، إلا أن هذه الإجراءات لا تصل إلى المريض الذي يقضي رحلة علاجه داخل منزله، حيث تستمر معاناته بعيدًا عن هذه المنظومة الوقائية.
فكلما ارتفعت درجات الحرارة عامًا بعد عام، أصبح المريض النفسي داخل المنزل أكثر تعرضًا لقسوة الطقس، خصوصًا عندما تكون إمكانات الأسرة محدودة، ولا يتوافر في المنزل سوى مروحة بسيطة تكافح لتبريد غرفة مغلقة، بينما يقف المريض أمام معادلة أكثر قسوة: دواء يحتاج إلى الانتظام، وآثار جانبية قد تزيد من صعوبة تحمل الحرارة، وطقس لا يرحم، وأسرة تحاول أن توفر له الرعاية بما تملك من إمكانات.
وبينما أصبحت المستشفيات أكثر استعدادًا لمواجهة الحرارة واتخاذ الإجراءات اللازمة لحماية مرضاها، يظل المريض النفسي داخل المنزل خارج أسوار هذه الحماية، يعيش موجات الحر في غرفته، ويتحمل آثار مرضه وعلاجه في الوقت نفسه، فيما تحاول أسرته أن تقوم بالدور الذي كانت تقوم به المؤسسة الصحية، من متابعة الدواء إلى مراقبة حالته وتوفير أبسط وسائل التهوية والتبريد.
ومع ارتفاع درجات الحرارة خلال السنوات الماضية، لم تعد معاناة هؤلاء المرضى مرتبطة بالمرض النفسي وحده، وإنما أصبحت الحرارة نفسها جزءًا من يومهم الصعب، فالغرفة التي يقضي فيها المريض ساعات علاجه ونومه قد تتحول في ذروة الصيف إلى مساحة خانقة، والمروحة التي تمثل وسيلة التبريد الوحيدة قد لا تكون كافية، بينما لا تملك الأسرة في كثير من الأحيان سوى الانتظار ومراقبة المريض ومحاولة تخفيف معاناته.
وهنا تبدو الفجوة أكثر وضوحًا بين مريض نفسي تحيط به إجراءات الحماية داخل المستشفى، ومريض آخر يواجه المرض والحرارة والآثار الجانبية للعلاج من داخل منزل بسيط، بإمكانات محدودة.
file:///C:/Users/HP/Downloads/interactive_temperature_line_chart.html

جغرافيًا، تتركز أعلى المعدلات الحرارية في محافظات الجنوب، حيث سجلت أسوان متوسطًا صيفيًا يقترب من 42.14 درجة مئوية، تليها مناطق شرق العوينات والأقصر بمتوسطات تجاوزت 41 درجة، في مقابل مناطق الشمال والسواحل التي بدت أقل تأثرًا نسبيًا، إذ سجلت دمياط وبورسعيد ومطار النزهة متوسطات تراوحت بين 30 و31 درجة مئوية، ما يعكس تأثير العوامل البحرية في تخفيف حدة الحرارة.
أما على مستوى التوزيع الزمني داخل الموسم الصيفي نفسه، فتؤكد البيانات أن ذروة الارتفاع الحراري تتركز في شهري يوليو وأغسطس، حيث تميل درجات الحرارة إلى التصاعد التدريجي منذ يونيو ثم الاستقرار عند مستويات مرتفعة خلال منتصف الصيف.
وفي القاهرة الكبرى، سجلت درجات الحرارة العظمى نطاقًا شبه ثابت بين 34 و38 درجة مئوية، مع تسجيل أعلى قراءة في أغسطس 2019 عند 38.1 درجة، بما يعكس نمطًا متكررًا لذروة الحرارة في نهاية الموسم الصيفي.

تعليمات منظمة الصحة العالمية
وفي هذا السياق، أكدت منظمة الصحة العالمية (WHO) ضرورة تبني خطط عمل وطنية متكاملة للصحة والحرارة (Heat- Health Action Plans - HHAPs)، باعتبارها أداة أساسية لتعزيز جاهزية الأنظمة الصحية، مع إيلاء اهتمام خاص بالمؤسسات التي تضم فئات أكثر هشاشة، وفي مقدمتها مستشفيات الصحة النفسية.
وطبقا لتوجيهات منظمة الصحة العالمية - إقليم أوروبا (WHO/Europe)، وتحديدًا التوجيهات الخاصة بـ **خطط عمل الصحة والحرارة (Heat- Health Action Plans - HHAPs)**، والتي تم تحديثها عام 2021، مع صدور الإصدار الثاني من هذه التوجيهات عام 2026، إذ تؤكد هذه الخطط أهمية الاستعداد المبكر للموجات الحارة، وتعزيز جاهزية المنشآت الصحية، وحماية الفئات الأكثر عرضة للمخاطر.
وترتكز رؤية المنظمة على تعزيز مرونة الخدمات الصحية، وفق ما ورد في العنصر الأساسي الخامس من هذه الخطط، من خلال مجموعة من المعايير التي تشمل ربط المستشفيات بأنظمة إنذار مبكر مناخية تتيح الاستعداد المسبق للموجات الحارة وتفعيل بروتوكولات الطوارئ، إلى جانب تصنيف المرضى الذين يتناولون أدوية نفسية ضمن الفئات عالية الخطورة، نظرًا لتأثير بعض هذه الأدوية على قدرة الجسم على تنظيم حرارته، وهو ما يستدعي إجراء تقييم دقيق للمخاطر لكل حالة، وتعديل خطط الرعاية وفقًا لذلك.
كما تشدد الإرشادات على ضرورة إدارة البيئة الداخلية للمنشآت الصحية، من خلال توفير مساحات تبريد ملائمة، وتحديث البنية التحتية بما يقلل من الحمل الحراري داخل الغرف، مع الاعتماد على التهوية الطبيعية، واستخدام وسائل التبريد الميكانيكي بصورة فعالة.
وفي السياق ذاته، تبرز أهمية ضمان سلامة الأدوية من خلال تخزينها في درجات حرارة مناسبة للحفاظ على فعاليتها، إلى جانب تدريب الأطقم الطبية على التعرف المبكر على أعراض الإجهاد الحراري والتعامل معها، خاصة في ظل احتمالية تداخل هذه الأعراض مع أعراض نفسية.
وتأتي هذه التوصيات في إطار توجه أوسع تدعمه المنظمة لمساندة الدول في الوقاية من المخاطر الصحية المرتبطة بالحرارة والاستجابة لها، لا سيما مع تصاعد المؤشرات المناخية
وتتضح خطورة هذه المؤشرات عند تتبع أعداد الوفيات المرتبطة بارتفاع درجات الحرارة، حيث يتباين النطاق الإحصائي بحسب التغطية الجغرافية، فبينما تُشير التقارير الطبية ودراسات دورية Nature Medicine إلى تسجيل 175 الف حالة وفاة في قارة أوروبا وحدها نتيجة موجات الحر القاسية، تقفز الحصيلة الإجمالية على مستوى العالم لتصل إلى نحو نصف مليون شخص سنوياً بحسب تقديرات منظمة الصحة العالمية (WHO) ومرصد The Lancet Countdown.
ويُقصد بالوفيات المرتبطة بالحرارة إحصائياً وعلمياً إجمالي الوفيات الناجمة بشكل مباشر عن الإجهاد الحراري الحاد وضربات الشمس التي تفشل آليات التنظيم الحراري للجسم في التعامل معها، إلى جانب الوفيات غير المباشرة التي تحدث نتيجة تفاقم الأمراض المزمنة الكامنة—لا سيما أمراض القلب، والأوعية الدموية، والجهاز التنفسي، والكلى—بسبب الضغط الشديد الذي تفرضه درجات الحرارة المرتفعة على أجهزة الجسم الحيوية، وتُحتسب عادةً عبر نماذج "الوفيات الزائدة" التي تقيس الفارق بين إجمالي الوفيات الفعلية أثناء موجات الحر والمعدلات الطبيعية.
وذلك وسط توقعات بتفاقم هذه الأعباء خلال العقود المقبلة، رغم إمكانية الحد من آثارها عبر تطبيق استجابات صحية منهجية وشاملة تقوم على التنسيق، والإنذار المبكر، وتحديد الفئات الأكثر عرضة للخطر، وتعزيز جاهزية الخدمات الصحية، ضمن إطار تشغيلي متكامل يغطي مراحل التأهب، والاستجابة، والتقييم، والتحسين.

من جانبها، أفادت تقارير صادرة عن منظمة الصحة العالمية (WHO) ومجلة "لانسيت" (The Lancet) الطبية الدولية، أن كبار السن ممن تجاوزوا 65 عاماً، وأصحاب الأمراض المزمنة، لا سيما أمراض القلب والأوعية الدموية والجهاز التنفسي والسكري، بالإضافة إلى المرضى النفسيين، يُعدون الفئات الأكثر تضرراً على الإطلاق.
حيث تستحوذ هذه الفئات على النسبة الأكبر من الوفيات الإضافية التي تتجاوز 90% في بعض موجات الحر الكبرى، نتيجة لتراجع كفاءة أجسادهم في تنظيم درجات الحرارة، وتأثير الأدوية المزمنة والنفسية التي تعيق التوازن الحراري وتزيد من خطر الجفاف، مما يجعل الإجهاد الحراري "قاتلاً صامتاً" يتربص بالضعفاء.


















0 تعليق