نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
المدرسة الحكومية وصناعة الانتماء.. مصعد اجتماعي أم أسوار اقتصادية - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 12:25 مساءً
راودتني هواجس عميقة، وثارت في نفسي زوبعة من التساؤلات، حين سمعت أن المعلم مطلوب منه أن يخصص دقيقة أو دقيقتين يوميًا ليغرس في تلاميذه حب الوطن والانتماء. ظللت أبحث عن الدول التي ينعم أبناؤها بقدر رفيع من الانتماء ووجدان مفعم بالوطنية، واستعنت بشتى أدوات الذكاء الاصطناعي لتقصي هذه التجارب.
بدأت رحلتي بدول الشرق الآسيوي، لقرابتها البيئية والثقافية من بيئتنا، فوجدت أن التعليم في الصين واليابان وكوريا الجنوبية قد أسهم في صياغة مواطن شديد الارتباط بوطنه، شديد الشعور بالانتماء لمجتمعه وقوميته. غير أن طبيعة هذا الانتماء تختلف باختلاف التجربة؛ فالصين تميل إلى بناء ولاء سياسي وقومي توجهه الدولة، بينما تربط اليابان الانتماء بالسلوك الأخلاقي واحترام النظام والجماعة، وتسعى كوريا الجنوبية إلى مزج الهوية الثقافية بالمواطنة الديمقراطية والقدرة على المنافسة العالمية.
ويجب أن أشير إلى أنني لم أعثر على قائمة علمية تحدد أنجح دولة في زرع الانتماء، إذ أن الانتماء شعور مركب قد يتحول أحيانًا إلى طاعة عمياء. أما إذا كان المعيار هو التوازن بين الهوية الوطنية والتفكير النقدي والمشاركة الفاعلة، فإن سنغافورة وفنلندا وتايوان والدنمارك والسويد تقدم نماذج أكثر نضجًا. وقد أفضت بي المقارنات بين هذه النماذج الآسيوية ونظيراتها الإسكندنافية إلى يقين مفاده أن المواطنة الناجحة لا تُقاس بكمية المشاعر الوطنية فحسب، بل بقدرة المواطن على استيعاب مؤسسات وطنه، واحترام الاختلاف، والمشاركة في إصلاح مجتمعه.
ومن هنا، يمكنني الجزم بأن المدرسة ليست مجرد مبنى تُقرع فيه الأجراس، ولا كتابًا يُفتح في سبتمبر ليُطوى في مايو؛ إنها المعمل الذي تتعلم فيه الجماعة كيف تتحول إلى وطن. ففي الفصل المزدحم، حين يجلس أبناء الحي الواحد على مقاعد متجاورة، يتعرف الطفل على بلده ليس بوصفها خريطة صماء معلّقة على الجدار، بل باعتبارها حياة مشتركة، وحقًا متساويًا، ومسؤولية متبادلة. ومن هذا المنطلق، لا يكون التعليم الحكومي المجاني مجرد صدقة للفقراء، بل هو عقد اجتماعي ووطني: تدفع الأمة كلفته اليوم، كيلا تدفع غدًا ثمن الجهل والعزلة والصراع وانهيار الانتماء.
إن الولاء الذي تصنعه المدرسة ليس هتافًا أجوف يتم ترديده في طابور الصباح، بل هو ثمرة المدرسة الحكومية الجيدة التي تمنح الغني والفقير لغة مشتركة، وذاكرة تاريخية موحدة، وقدرة على التفكير والنقاش. إنها المدرسة التي تعرّف كلاهما بحقوق المواطن وواجباته، وتعزز الشعور بالمسؤولية المشتركة والتماسك الاجتماعي.
وفي المقابل، تشير التجارب الدولية إلى أن الدول التي اعتمد تعليمها قبل الجامعي على القطاع الخاص كانت أكثر هشاشة وأقل قدرة على تحمل الصدمات والمربكات الخارجية. كما هو الحال في هايتي، حيث تمثل المدارس غير الحكومية أربعة أخماس المدارس الابتدائية ويتحمل الآباء العبء المالي الأكبر، أو في لبنان، حيث يستوعب القطاع الخاص تاريخيًا نحو 70 في المئة من التلاميذ. وكذلك الدول التي تخلت عن لغتها الأصلية في التعليم، وتحولت مدارسها النخبوية إلى بوابة للجامعة والوظيفة والنفوذ.
ولكن، لا يصح وضع المحروسة في هذا السياق دون تدقيق. فمصر لا تعتمد عدديًا على المدارس الخاصة اعتماد هايتي أو لبنان؛ حيث نحو 85 في المئة من تلاميذ المرحلة الابتدائية مقيدين بالمدارس الحكومية في العام الدراسي 2020/2021. المشكلة المصرية أعمق من مجرد نسبة الملكية؛ فهناك نظام واحد على الورق، لكنه يضم في جوفه عوالم متباعدة في الكثافة واللغة والموارد.
فالطفل الميسور يستطيع الهروب إلى مدرسة خاصة أو دولية، مدعومًا بالدروس الإضافية والأنشطة الثقافية، بينما يبقى ابن الفقراء ومحدودي الدخل في فصل مكتظ، محرومًا أحيانًا من المعلم المستقر والوقت المدرسي الكافي. وقد بلغ متوسط كثافة الفصل في المدارس الحكومية عام 2023/2024 نحو 53.2 تلميذًا في المرحلة الابتدائية، و50.5 في المرحلة الإعدادية، بفارق شاسع عن نظيرتها في المدارس الخاصة.
بل إن تلاميذ المدارس الحكومية يُطلب منهم أحيانًا عدم الحضور في السنوات الحرجة (سنوات الشهادات)، ليتلقوا تعليمهم الحقيقي عبر بوابات الدروس الخصوصية.
ولذلك، إذا ضعفت المدارس الحكومية، لا يقل الإنفاق على التعليم بل ينتقل من خزينة الدولة إلى جيب الأسرة، لتتحول الدروس الخصوصية والمدارس الخاصة ومدارس اللغات من اختيارات جانبية أو ترفيهية إلى شروط حتمية للنجاة التعليمية.
وقد خلصت دراسات البنك الدولي إلى أن الإنفاق الأسري غير المتكافئ، والدروس الخصوصية، والتوزيع المبكر بين التعليم العام والفني، كلها عوامل توسع فجوات التحصيل والفرص في مصر. وبذلك تنشأ الطبقية التربوية القاسية أو بداية نظام الكاست الهندى كما ذكرت في أحد المقالات السابقة: تعليم غير جيد للفقراء هدفه الشهادة فحسب، وتعليم بشرطة للأغنياء يمنح اللغة والمهارة والشبكات الاجتماعية؛ مدرسة تُخرّج طالبًا ينتظر الوظيفة، وأخرى تُخرّج شابًا يعرف كيف ينافس ويحصل عليها. أما التعليم الموحد الذي يوحد المشاعر ويغرس الانتماء الحقيقي، فهو غائب.
والأخطر من ذلك، أن الانقسام لا يتوقف عند أسوار المدرسة، بل يمتد ويتجذر في نسيج المجتمع. فعندما يتعلم أبناء الطبقات المختلفة في مؤسسات مختلفة، بلغات متباينة، ومناهج ورؤى متباعدة، تتقلص المساحات التي يلتقون فيها بوصفهم مواطنين متساوين. عندئذ تنقسم الذاكرة الوطنية، وتصبح اللغة الأجنبية علامة مكانة اجتماعية لا أداة للمعرفة، ويبهت الإحساس بالمصير المشترك.
وهكذا، يتحول التعليم من مصعد اجتماعي إلى سور اجتماعي، ومن مصنع للمواطنة إلى آلة تعيد إنتاج الطبقية، بصورة تهدد وحدة المجتمع وسلامته وأمنه. إن الطريق إلى الإصلاح لا يمر بإغلاق المدارس الخاصة ولا بمحاربة اللغات الأجنبية، بل بإعادة المدرسة الحكومية إلى صدارة المشروع الوطني. يتطلب ذلك تمويلًا كافيًا وشفافًا يصل إلى قلب الفصل، وخفضًا حقيقيًا للكثافة، ومعلمًا كريم الأجر رفيع التدريب.
كما يحتاج إلى مناهج تجمع بين العربية الرصينة، واللغات الأجنبية القوية، والتاريخ الموضوعي غير الدعائي، والفنون، والتفكير النقدي، والتربية الوطنية الفاعلة. ويجب أن تخضع المدارس العامة والخاصة والدولية لمعايير مشتركة تضمن إتقان العربية، ومعرفة تاريخ مصر ودستورها، دون انغلاق على العالم.
فالوطن لا يجب أن يطلب الولاء؛ إنه يكسبه حين يمنح أبناءه عدالة البداية. المدرسة هي المكان الذي يقول فيه الوطن لكل طفل: أنت لست عبئًا على الموازنة، بل شريك في المستقبل.. وعندما يصدق الطفل هذه الرسالة، يصبح الانتماء فعلًا يوميًا وممارسة حية، لا مجرد تحية سريعة للعلم.
* أستاذ الاقتصاد الفخري بجامعة ولاية أوهايو وجامعة النيل















0 تعليق