نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
أزمة الخطاب السياسي السوري وسياسة الهروب إلى الأمام - تواصل نيوز, اليوم الأحد 11 أكتوبر 2026 01:16 مساءً
خالد حرب*
لم تكن أزمة النظام السوري الساقط أزمة حكم فحسب، بل كانت أيضاً أزمة خطاب سياسي ظلّ طوال خمسة عشر عاماً يرفض الاعتراف بحقيقة ما يجري في سوريا، وبالأسباب العميقة التي دفعت السوريين إلى الثورة والاحتجاج، وأدخلت سوريا في دوامة من الحرب والدمار، طاولت البشر والحجر، وخلّفت جراحاً اجتماعية ووطنية يصعب شفاؤها.
فمنذ اللحظة الأولى، اختصر النظام السابق الأزمة السورية برواية واحدة لا تقبل النقاش: جماعات إرهابية مسلحة تستهدف الدولة وتسعى إلى إسقاط النظام. لم يعترف يوماً بأن هناك أزمة سياسية ووطنية عميقة، صنعتها عقود من الاستبداد والقمع والتمييز، ولا بأن نظاماً ذا بنية طائفية وأقلوية احتكر السلطة، وألغى الحياة السياسية، وصادر الحريات، وأغلق أبواب المشاركة أمام السوريين، وحوّل مؤسسات الدولة إلى أدوات لحماية بقائه.
كانت الوصفة جاهزة لكل احتجاج، والتهمة جاهزة لكل معترض: الإرهاب والتآمر على الدولة. ولم تقتصر هذه السياسة على من حمل السلاح في مواجهة النظام، بل شملت حتى المعارضة الوطنية السلمية التي طالبت بالإصلاح والتغيير بالوسائل السياسية. فكل من اختلف مع السلطة، ولو بالكلمة والموقف، أصبح في نظرها عدواً للدولة، أو ملحقاً بالتنظيمات المسلحة.
لقد كان خطاباً متخلّفاً وإقصائياً، يفتقر إلى أبسط مقومات المسؤولية الوطنية، لأنه لم يميز بين الدولة والنظام، ولا بين المعارضة والإرهاب، ولا بين المطالبة بالحقوق والاعتداء على المؤسسات. وكان الأخطر أنه جعل من الإقصاء والتخوين سياسة حكم، ومن الهروب إلى الأمام بديلاً دائماً من الاعتراف بالأخطاء ومعالجة أسباب الأزمة.
لكن المفارقة المؤلمة أن سقوط النظام لم يؤدِّ إلى سقوط هذا النهج في الخطاب السياسي. فبدلاً من الانتقال إلى خطاب وطني جامع، يعترف بالتنوع السوري ويؤسس لشراكة حقيقية بين جميع مكونات المجتمع، برز خطاب إقصائي من نوع آخر، يقوم على مهاجمة الأقليات والتشكيك بولائها الوطني، واتهامها بأنها ترفض أن يكون رئيس البلاد من الأكثرية، أو أنها تتحرك بدافع الحنين إلى النظام السابق. وهذا خطأ سياسي ووطني فادح، فضلاً عن كونه تزويراً لحقائق التاريخ القريب.
فالأقليات السورية ليست كتلة سياسية واحدة، ولم تكن يوماً موحّدة في موقفها من النظام الساقط. بل إن قطاعات واسعة منها كانت ناقمة على حكم الأسد، وشاركت بقوة في المعارضة السياسية والمدنية، ودفعت أثماناً باهظة نتيجة مواقفها. وإذا كانت بعض هذه المكونات لم تنخرط على نطاق واسع في العمل المسلح، فإن ذلك لا يلغي دورها في معارضة الاستبداد، ولا يبرر اتهامها بالتواطؤ معه.
والطائفة المعروفية في السويداء مثال واضح على ذلك، إذ شهدت المحافظة حراكاً سياسياً وشعبياً معارضاً للنظام، كما رفضت قطاعات واسعة من أبنائها زجّ الشباب في جيشه وحروبه. ولم يكن هذا الموقف تفصيلاً عابراً، بل تعبيراً عن رفض الانخراط في حرب لم يرَ فيها كثيرون من أبناء المحافظة مصلحة وطنية.
ومع ذلك، استمر خطاب التخوين والإقصاء، ووُضعت جماعات بكاملها في سلة واحدة، وأُطلق العنان لأبواق دينية وإعلامية تمارس التحريض وتوزع شهادات الوطنية والانتماء، وكأن سوريا أصبحت ملكاً لفئة دون أخرى، وكأن من حق طرف واحد أن يحدد من هو السوري الصالح ومن هو المشكوك بولائه.
إن أخطر ما في هذا الخطاب أنه يعيد إنتاج منطق النظام السابق، ولكن بأسماء وشعارات مختلفة. فالنظام الساقط كان يتهم معارضيه بالإرهاب، واليوم يجري اتهام معارضين أو متحفظين على بعض سياسات السلطة الجديدة بأنهم فلول أو انفصاليون أو أدوات لمشاريع خارجية.
تغيّرت المفردات، لكن جوهر المشكلة بقي على حاله: رفض الاعتراف بالآخر، واعتبار الاختلاف السياسي جريمة، وتحويل الانتماء الوطني إلى امتياز تمنحه السلطة لمن يوافقها وتحجبه عمّن يعارضها.
وجاءت أحداث الساحل والسويداء في مناخ مشحون بهذا الخطاب، لتكشف مدى خطورة التحريض حين يتحول من كلمات وشعارات إلى بيئة تسمح بوقوع انتهاكات ذات طابع طائفي، وتعمّق مشاعر الخوف وانعدام الثقة بين أبناء الوطن الواحد. وكان يفترض بهذه الأحداث أن تشكل جرس إنذار يدفع إلى مراجعة جادة للخطاب والممارسة، وإلى محاسبة المسؤولين عن الانتهاكات، أياً تكن انتماءاتهم، لا أن تصبح مناسبة إضافية لتبادل الاتهامات وتوسيع دائرة الخصومات.
والأدهى أن هذا التصعيد يجري في وقت تتفاقم فيه الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، وتتراجع مستويات المعيشة، وترتفع أسعار المواد الغذائية والمحروقات وسائر مستلزمات الحياة، فيما يجد المواطن نفسه عاجزاً عن تأمين أبسط احتياجات أسرته.
لكن بدلاً من أن تحتل هذه القضايا موقع الصدارة في الخطاب السياسي، وبدلاً من تقديم حلول واقعية وخطط واضحة لمعالجة الاختلالات المتراكمة، تستمر سياسة الهروب إلى الأمام، من خلال تصعيد الخطاب الطائفي وتحميل المكونات الأقلوية مسؤولية ما يجري في البلاد.
وهنا تكمن المشكلة الحقيقية. فكلما ظهرت أزمة جديدة، انطلقت حملات التخوين والاتهام. وإذا حدث اضطراب في الشمال أو الشرق أو الغرب، حضرت الاتهامات الجاهزة: الهجري ومن معه، والفلول، والمتآمرون، وأعداء الدولة الجديدة، حتى بات الشيخ حكمت الهجري يُقدَّم في بعض الخطابات وكأنه يمتلك قدرة خارقة على تحريك الأزمات في مختلف أنحاء سوريا، وكأنه المسؤول عن كل تعثر سياسي أو أمني أو اقتصادي. والحقيقة أن نفوذ أي شخصية محلية، مهما اتسع، لا يبرر تحويلها إلى تفسير شامل لكل ما تعانيه البلاد، ولا يعفي أصحاب القرار من مسؤولياتهم المباشرة.
فالهجري ليس "سوبرمان" يتحكم بمصير سوريا، ولا يمكن اختزال السويداء بشخصه أو بمواقف المؤيدين له، كما لا يمكن اختزال أي مكوّن سوري بشخصية سياسية أو دينية واحدة. وإضفاء هذه القوة الاستثنائية عليه ليس سوى محاولة لصناعة خصم دائم تُعلَّق عليه الإخفاقات، ويُستخدم اسمه كلما اقتضت الحاجة إلى صرف الأنظار عن أزمة جديدة.
ولا يعني ذلك إعفاء أي طرف من المسؤولية عن مواقفه أو أفعاله، بل يعني ببساطة أن المسؤولية يجب أن تكون محددة، وأن المحاسبة لا تكون جماعية، وأن الخلاف السياسي لا يجوز أن يتحول إلى اتهام طائفة بأكملها.
سياسة الهروب إلى الأمام لن تحل أزمة واحدة، بل ستنتج أزمات إضافية. فالمشكلة التي يُرفض الاعتراف بها اليوم ستعود غداً بصورة أشد تعقيداً، والاحتقان الذي يجري تجاهله سيتحول مع الوقت إلى انقسام أعمق، والخطاب الذي يزرع الخوف بين السوريين لن يستطيع بناء دولة مستقرة مهما امتلك منابر إعلامية أو شعارات وطنية.
إن الأزمة السورية اليوم ليست أزمة أقليات وأكثرية، بل أزمة بناء دولة، واستعادة ثقة، وإعادة إعمار مجتمع أنهكته الحرب والاستبداد والانقسامات. وهي أزمة تحتاج إلى رؤية سياسية واقتصادية وأمنية متكاملة، تبدأ بالاعتراف بالمشكلات الفعلية، لا باختراع خصوم لتحميلهم مسؤوليتها.
المواطن السوري، أياً تكن طائفته أو منطقته أو موقفه السياسي، يريد قبل كل شيء الأمن والأمان ولقمة العيش. يريد دولة تحميه ولا تخيفه، وقانوناً يساوي بينه وبين غيره، ومؤسسات تخدمه، واقتصاداً يتيح له العمل والعيش بكرامة. ولا تعنيه كثيراً خطابات الانتصار السياسي إذا كان عاجزاً عن تأمين الخبز والوقود والدواء لأسرته.
ولهذا، فإن المطلوب ليس المزيد من التعبئة والتحريض، بل خطة عمل وطنية شاملة، تشارك في صياغتها جميع المكونات السورية من دون إقصاء أو استثناء، وتتناول القضايا الأمنية والسياسية والاقتصادية العالقة بجدية وشفافية.
نحتاج إلى خطاب يعترف بالأخطاء بدلاً من تبريرها، وإلى سلطة تستمع إلى الانتقادات بدلاً من تخوين أصحابها، وإلى عدالة تحاسب مرتكبي الانتهاكات بصورة فردية، لا أن تعاقب مجتمعات كاملة على أساس الانتماء. ونحتاج قبل كل شيء إلى فصل واضح بين الدولة والسلطة، حتى لا تتكرر المأساة القديمة بثوب جديد.
فلا يمكن بناء سوريا الجديدة بعقلية سوريا القديمة، ولا يمكن الحديث عن وحدة وطنية بينما يجري تقسيم السوريين إلى وطنيين ومشبوهين، ولا يمكن المطالبة بالثقة فيما يستمر خطاب الكراهية والتحريض.
لقد أصبح المواطن أكثر وعياً لطبيعة الأزمات التي تحاصره، وأكثر قدرة على التمييز بين الأسباب الحقيقية وبين محاولات صرف الأنظار عنها. وهو يدرك أن الأزمات الاقتصادية لا تعالج بالتخوين، وأن الانفلات الأمني لا يعالج بالتحريض، وأن الانقسام الوطني لا يعالج بإقصاء المختلفين.
أما الاستمرار في تحميل الآخرين مسؤولية كل فشل، واعتبار كل انتقاد مؤامرة، وكل اعتراض خيانة، فليس سوى ضحك على الذقون، وإعادة إنتاج للنهج الذي أوصل البلاد إلى ما وصلت إليه.












0 تعليق