نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
الوعي الرقمي خط الدفاع الأول.. حماية المجتمع ومواجهة الشائعات ودعم التنمية - تواصل نيوز, اليوم الاثنين 12 أكتوبر 2026 11:58 مساءً
أصبح الوعي الرقمي أحد المتطلبات الأساسية لحماية المجتمع من مخاطر التضليل الإلكتروني، وتعزيز الاستخدام المسؤول لوسائل الإعلام الجديد، في ظل التدفق المتسارع للمعلومات عبر المنصات الرقمية. ولم يعد التعامل مع التكنولوجيا مقتصرًا على امتلاك أدواتها، بل بات يتطلب القدرة على تقييم المحتوى المتداول، والتمييز بين المعلومات الصحيحة والشائعات، والتحقق من المصادر قبل إعادة النشر، بما يدعم بناء الإنسان المصري ويواكب مستهدفات التنمية المستدامة.
ويأتي تعزيز الوعي الرقمي ضمن جهود الدولة المصرية لتطوير قدرات المواطنين على التعامل مع التحولات التكنولوجية، باعتباره عنصرًا داعمًا لبناء مجتمع المعرفة وتحقيق أهداف رؤية مصر 2030. فالتحول الرقمي لا يرتبط فقط بتطوير البنية التكنولوجية وتوسيع نطاق الخدمات الإلكترونية، وإنما يعتمد أيضًا على امتلاك المواطنين المهارات اللازمة لاستخدام هذه الخدمات بأمان ومسؤولية، وفهم طبيعة المعلومات المتداولة عبر الإنترنت، والتعامل معها بصورة نقدية واعية.
الوعي الرقمي ودوره في تحقيق رؤية مصر 2030
أوضحت وزارة الأوقاف أن الوعي الرقمي يتمثل في مجموعة المعارف والمهارات التي تمكّن الأفراد من فهم التكنولوجيا الرقمية واستخدامها بفاعلية وأمان، إلى جانب القدرة على تقييم المعلومات والتعامل معها بمسؤولية، ودعم التعلم الذاتي ومواكبة متطلبات العصر الرقمي. ويسهم هذا النوع من الوعي في توفير بيئة تعليمية أكثر كفاءة وأخلاقية، تقوم على الاستخدام الرشيد للأدوات التكنولوجية.
ويمثل الوعي الرقمي إحدى الركائز الداعمة لتحقيق مستهدفات رؤية مصر 2030، التي تركز على بناء الإنسان المصري، وتعزيز مجتمع المعرفة، ودعم التحول الرقمي، ورفع كفاءة الخدمات المقدمة للمواطنين. ويتطلب تحقيق هذه المستهدفات إعداد مواطن قادر على الاستفادة من الفرص التي تتيحها التكنولوجيا، مع إدراك المخاطر المرتبطة بتداول المعلومات غير الموثوقة والتفاعل غير المسؤول مع المحتوى الإلكتروني.
كما يدعم الوعي الرقمي عددًا من مسارات التنمية المستدامة، من بينها تطوير التعليم والتدريب الرقمي، وتنمية مهارات الشباب، وتشجيع الابتكار وريادة الأعمال، وتوسيع المشاركة المجتمعية عبر المنصات الإلكترونية. ويجعل ذلك من بناء المواطن الرقمي الواعي أحد المتطلبات الأساسية لتطوير مؤسسات الدولة، والحد من مخاطر التضليل الإلكتروني، وتعزيز الأمن الفكري والمجتمعي.
الوعي الرقمي في المنظور الإسلامي
يرتبط التحقق من المعلومات قبل تداولها بمبدأ أصيل في المنظور الإسلامي، يقوم على التثبت من الأخبار وعدم الانسياق وراء المعلومات دون التأكد من صحتها. وقد أكد القرآن الكريم هذا المعنى في قوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات: 6].
وتؤكد الآية أهمية التحقق من الأخبار قبل اتخاذ المواقف أو إصدار الأحكام بناءً عليها، تجنبًا للإضرار بالآخرين نتيجة معلومات غير صحيحة أو غير مكتملة. ويكتسب هذا التوجيه أهمية متزايدة في البيئة الرقمية، التي تسمح بانتشار الأخبار خلال وقت قصير، دون أن يعني انتشارها بالضرورة صحتها أو موثوقية مصادرها.
كما نهى القرآن الكريم عن اتباع ما لا يقوم على العلم، فقال تعالى: ﴿وَلَا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولَٰئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْئُولًا﴾ [الإسراء: 36]. ويؤكد هذا التوجيه مسؤولية الإنسان عن أقواله وما ينقله من معلومات، ويحذره من الجزم بأمور لم يتحقق منها أو لم يمتلك دليلًا على صحتها.
ويتسق ذلك مع حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «إِيَّاكُمْ وَالظَّنَّ، فَإِنَّ الظَّنَّ أَكْذَبُ الْحَدِيثِ»، الذي أخرجه البخاري في صحيحه. ويبرز الحديث خطورة التعامل مع الظنون باعتبارها حقائق، وهو ما ينطبق على إعادة نشر الأخبار غير الموثقة؛ إذ قد يصبح الفرد ناقلًا للمعلومات الكاذبة حتى إن لم يكن هو من اختلقها ابتداءً.
ومن هذا المنطلق، لا يقتصر الوعي الرقمي على اكتساب المهارات التقنية، وإنما يمتد إلى الالتزام بالمسؤولية الأخلاقية في استخدام المنصات الإلكترونية، واحترام حقوق الآخرين، وتجنب نشر ما قد يسبب الضرر أو يثير البلبلة داخل المجتمع.
مواجهة الشائعات وتعزيز الثقة بين الدولة والمجتمع
لم تعد قضية الوعي مجرد مسألة معرفية، بل أصبحت ضرورة اجتماعية وأخلاقية ووطنية في ظل تعدد مصادر المعلومات وتداخل الحقائق مع الادعاءات والمحتوى المضلل. ويفرض هذا الواقع على المؤسسات الدينية والتعليمية والإعلامية والفكرية تعزيز دورها في حماية الوعي الجمعي، وترسيخ القيم الأخلاقية، ومساعدة المواطنين على التمييز بين المعلومات الموثوقة والمحتوى الذي يستهدف التأثير في اتجاهاتهم أو تضليلهم.
وفي هذا الإطار، تبرز أهمية تطوير الإعلام الوطني، وتسريع إتاحة المعلومات الدقيقة، وتعزيز قدرة المؤسسات الرسمية على التواصل مع المواطنين. فالمعلومات الموثوقة تمثل عنصرًا أساسيًا في الحد من انتشار الشائعات، كما يسهم التواصل الفعال في توضيح القرارات والسياسات العامة، والرد على الادعاءات غير الصحيحة، ودعم الثقة المتبادلة بين الدولة والمجتمع.
وتتصل هذه الجهود بعدد من الأهداف الاستراتيجية، في مقدمتها تعزيز الوعي الوطني، ودعم جسور الثقة بين المواطنين ومؤسسات الدولة، ومواجهة تحديات التحولات الرقمية وحروب المعلومات. كما تزداد أهمية وجود إعلام وطني قادر على مواكبة تطورات البيئة الرقمية، وتقديم المعلومات الدقيقة بصورة واضحة وسريعة، بما يدعم قدرة المجتمع على التعامل مع الأزمات ومصادر التهديد المعلوماتي.
ويبرز في هذا السياق دور الظهور المستمر للمسؤولين في وسائل الإعلام المختلفة، وتوضيح الحقائق وشرح السياسات والإنجازات، إلى جانب بناء منظومة فعالة للرد السريع على الشائعات. وتُعد الشفافية وسرعة الاستجابة وإتاحة المعلومات من العناصر التي تساعد على الحد من الفراغ المعلوماتي الذي قد تستغله مصادر غير موثوقة لنشر روايات مضللة.
وعلى المستوى التنفيذي، تتعدد البرامج والمبادرات الحكومية المعنية بمواجهة الشائعات وتعزيز الوعي المجتمعي. وتشمل هذه الجهود وحدة «تصدوا معنا» بوزارة الشباب والرياضة، وبرنامج «الحوكمة المتقدمة ومكافحة الفساد» بالتعاون بين وزارة الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات وهيئة الرقابة الإدارية، إلى جانب مبادرة «صحح مفاهيمك» التي أطلقتها وزارة الأوقاف.
وتتضمن الجهود كذلك تنمية مهارات التواصل مع المواطنين بصورة مستمرة، وتنظيم ورش عمل لطلاب الجامعات بهدف رفع مستوى الوعي بمخاطر الشائعات، فضلًا عن توظيف الدروس الدينية والمحاضرات في المساجد لنشر الوعي، وتخصيص صفحة للواعظات. كما تضطلع مؤسسات تنظيم العمل الإعلامي، ومنها المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام والهيئة الوطنية للصحافة والهيئة الوطنية للإعلام، بأدوار في إطار منظومة العمل الإعلامي والتعامل مع تحديات البيئة الرقمية.
ورغم أهمية هذه الجهود المؤسسية، تظل مسؤولية مواجهة الشائعات ممتدة إلى الأفراد أنفسهم؛ إذ يتطلب الحد من انتشار المعلومات المضللة التحقق من مصدر الخبر وتاريخه وسياقه، وعدم الاكتفاء بتداوله على نطاق واسع باعتباره دليلًا على صحته. فإعادة نشر معلومات غير موثقة قد تسهم في إثارة القلق أو الإضرار بالأفراد والمؤسسات، حتى في غياب نية متعمدة للتضليل.
ويُعد الحفاظ على الوعي المجتمعي أحد مكونات الأمن القومي الشامل، بالنظر إلى ارتباط تداول المعلومات باستقرار المجتمع وثقته في مؤسساته وقدرته على التعامل مع الأزمات. ومن ثم، فإن بناء بيئة معلوماتية أكثر موثوقية يتطلب تكاملًا بين الشفافية الحكومية، والمهنية الإعلامية، والتوعية المؤسسية، والمسؤولية الفردية.
الشائعات الرقمية وتأثيرها في الأمن المجتمعي
تُعرَّف الشائعات الرقمية بأنها أخبار أو معلومات غير صحيحة أو غير موثقة تنتشر عبر وسائل الاتصال والمنصات الإلكترونية، دون الاستناد إلى مصادر موثوقة أو أدلة كافية تثبت صحتها. وقد تكون الشائعة مجهولة المصدر، أو تتضمن معلومات تحتمل التصديق رغم غياب الأدلة، وهو ما يمنحها قابلية للانتشار، خاصة عندما ترتبط بموضوعات تثير اهتمام الجمهور أو مخاوفه.
وتكمن خطورة الشائعات الرقمية في سرعة تداولها واتساع نطاق وصولها، إذ تتيح وسائل التواصل الاجتماعي انتقال المحتوى بين المستخدمين خلال فترات زمنية قصيرة، بما قد يسبق قدرة الجهات المعنية على التحقق منه أو الرد عليه. كما أن إعادة نشر المعلومات خارج سياقها، أو تداول صور ومقاطع غير موثقة، قد يسهم في تشكيل تصورات غير دقيقة لدى الجمهور.
ولا تتوقف آثار الشائعات عند الجوانب الاجتماعية أو الاقتصادية، بل يمكن أن تمتد إلى الأمن القومي، خصوصًا عندما تُستخدم حملات التضليل للتأثير في استقرار المجتمعات أو إضعاف الثقة في المؤسسات. وفي بعض الحالات، قد تستغل جهات مختلفة حالة الارتباك المعلوماتي لتحقيق أهداف سياسية أو اجتماعية أو غير مشروعة، الأمر الذي يجعل التعامل مع الشائعات جزءًا من الجهود الأوسع لحماية الأمن المجتمعي.
وفي هذا السياق، حذرت دار الإفتاء من خطورة تزييف الوعي وتضليل العقول، لا سيما بين الشباب، مشيرة إلى أن غياب الوعي يتيح المجال أمام الجهات التي تستغل ضعف القدرة على التمييز لنشر أفكار متطرفة أو زعزعة الاستقرار. ويؤكد ذلك أهمية تنمية التفكير النقدي لدى الشباب، وتعزيز قدرتهم على تقييم المحتوى الرقمي، وعدم الانسياق وراء الرسائل التي تستهدف التأثير في أفكارهم أو استقطابهم.
وتزداد هذه التحديات مع التطور المتسارع في تقنيات الذكاء الاصطناعي، التي تتيح إنتاج محتوى مضلل بدرجات متزايدة من الإتقان، بما في ذلك الصور والتسجيلات والمقاطع المصورة التي قد يصعب على المستخدم العادي التمييز بين الحقيقي والمصطنع فيها. ونتيجة لذلك، لم تعد مواجهة الشائعات تعتمد فقط على تصحيح الأخبار بعد انتشارها، بل أصبحت تتطلب تطوير مهارات التحقق الرقمي، وتعزيز أمن المعلومات، ورفع قدرة المستخدمين على اكتشاف المحتوى المضلل.
وتتطلب مواجهة هذه المخاطر تعاونًا بين الجهات الرسمية ووسائل الإعلام والمؤسسات التعليمية والدينية والمجتمع، من خلال تعزيز الشفافية، وتوفير المعلومات الدقيقة، وتطوير آليات الاستجابة للشائعات، ونشر ثقافة التحقق قبل التداول. كما تبرز أهمية التعاون الدولي في مجال أمن المعلومات، في ظل تجاوز حملات التضليل الحدود الجغرافية وقدرتها على الانتشار عبر منصات وشبكات عابرة للدول.
الوعي الرقمي خط الدفاع الأول في مواجهة التضليل
يمثل الوعي الرقمي خط الدفاع الأول في مواجهة الشائعات وحماية المجتمع من التضليل، من خلال ترسيخ قيم التثبت والمسؤولية في التعامل مع المعلومات، وتعزيز قدرة الأفراد على تقييم المحتوى قبل تصديقه أو إعادة نشره. كما يربط بين القيم الإسلامية الداعية إلى تحري الصدق والتحقق من الأخبار، ومتطلبات العصر الحديث التي تفرض التعامل الواعي مع أدوات التكنولوجيا والإعلام الجديد.
ويظل بناء المواطن الرقمي الواعي عنصرًا أساسيًا في دعم جهود الدولة المصرية نحو التحول الرقمي وتحقيق مستهدفات التنمية المستدامة، إلى جانب تعزيز الأمن الفكري والمجتمعي. ويتطلب الوصول إلى هذه الغاية استمرار التعاون بين مؤسسات الدولة والمجتمع، وتطوير برامج التوعية والتدريب، وترسيخ ثقافة تقوم على احترام الحقيقة والمسؤولية في تداول المعلومات، بما يعزز قدرة المجتمع على مواجهة تحديات العصر الرقمي.













0 تعليق