نعرض لكم زوارنا أهم وأحدث الأخبار فى المقال الاتي:
حين يكبر شربل: هل يتسع سوق العمل لاختلافه؟ - تواصل نيوز, اليوم الثلاثاء 13 أكتوبر 2026 11:46 صباحاً
إلياس عيسى إلياس
حبيبي شربل،
وقد بلغتَ من العمر أحد عشر عاماً وخمسة أشهر، أراك في مطبخنا تقطّع البطاطا واللوبياء وتصنع سندويتش الزعتر باهتمام، فيختلط في داخلي فرحي بك بقلقي عليك.
أفكر في الطفل الذي يكبر أمام عينيّ، وفي الشاب الذي ستصبحه يوماً، وفي العالم الذي سينتظرك حين تختار طريقك المهني وتفتش عن مكانك.
لا يشغلني فقط ما تتعلمه في مدرستك، بل هاجس أبسط وأعمق: هل ستجد مجتمعاً يمنحك فرصة عادلة للعمل، ويقيّمك بناء على قدراتك، ويحترم اختلافك على طيف التوحد من دون أن يحوّل هذا الاختلاف إلى عائق؟
وهذا السؤال ليس شأناً عائلياً يخصني وحدي. إنه سؤال عن مجتمعنا في لبنان، وعن التزامنا حقوق الأشخاص ذوي الإعاقة، وعن قدرتنا على منح الطاقات المختلفة فرصاً حقيقية للإنتاج، لا مجرد شعارات موسمية تُرفع في المناسبات ثم تُطوى بانتهائها.
أذكر يوم احتفلنا بحصولك على شهادة الروبوتيك. نظرت إليّ معلمتك في "مركز الشمال للتوحد" بيقين وقالت: "أنا أرى شربل "شيفاً"، فأجبتها: "وأنا أراه كذلك". في ذلك المركز تتعلم المهن العملية كالنجارة والطبخ والموسيقى، وتتدرب على الاستقلالية.
وحين أعود إلى ذلك الحوار، أدرك أن ما ينقصك ليس المهارة، وأن ما تحتاجه ليس الشفقة، بل بيئة عمل مرنة وقابلة للتكيف. وما نفع الحلم إن لم تجد المطابخ مهيأةً لاستقبالك؟
وإذا تأملنا طبيعة سوق العمل، وجدنا أن كثيراً من بيئاته لا تزال تفترض نمطاً واحداً للإنتاج والتواصل، فتحجب طاقات فريدة لا تظهر في المقابلة التقليدية. ولا ألوم أصحاب العمل وحدهم، فكثيرون يترددون لأنهم لا يعرفون ما الذي يتطلبه الأمر، فيخشون الكلفة والمسؤولية والمجهول. غير أن الجهل بالشيء لا يصلح مبرراً لإغلاق الباب أمام صاحبه.
وقد تنبّه المشرّع اللبناني إلى هذا الحق منذ عام 2000، حين صدر القانون الرقم 220 وخصّص للعمل مواده من الثامنة والستين إلى الخامسة والسبعين. فهو ينص على حق الأشخاص ذوي الإعاقة في العمل وتكافؤ الفرص، ويُلزم المؤسسة التي توظف بين ثلاثين وستين شخصاً توظيف شخص واحد منهم على الأقل، والمؤسسة التي يزيد عدد موظفيها على ستين بتخصيص نسبة ثلاثة في المئة، وتُناط بوزارة العمل صلاحية فرض العقوبات على المخالفين.
لكن الهوة عميقة بين النص والواقع. ففي ظل ضعف الرقابة، وتعثر التطبيق، وتجاهل كثير من الشركات للنسبة المقررة، يظل هذا الحق وعداً مؤجلا لكثيرين ممن يشبهونك يا شربل.
يا شربل، حين تقرأ هذه السطور يوماً، وأؤمن بأنك ستقرأها، أريدك أن تعرف أن العمل حقك وحق أجيال كاملة تشبهك، لا منّة تُسدى ولا إحساناً موسمياً يُنتظر. وإن كنتُ أكتب إليك، فإنني أكتب أيضاً إلى كل من بيده باب يُفتح أو يُغلق.
وما يتطلبه هذا الحق ليس مستحيلاً. فالمؤسسات الجادة تقيّم المتقدمين بمهاراتهم، وتدرك أن دمج الأشخاص على طيف التوحد لا يتطلب سوى قليل من المرونة والترتيبات التيسيرية المعقولة: كمقابلة في أجواء هادئة بعيدة عن المشتّتات، وتعليمات مكتوبة وواضحة، ومدرّب وظيفي يرافق الموظف في بداية الطريق. وهي ترتيبات محدودة الكلفة في الغالب، وتفيد بيئة العمل كلها لا الموظف وحده.
ونطالب الدولة ومؤسساتها، ولا سيما منها وزارة العمل والمؤسسة الوطنية للاستخدام، بتفعيل آليات الرقابة، وإزالة المعوقات التي تعطل تطبيق النص، ونشر بيانات الامتثال بشفافية، ليعرف الناس من التزم ومن تهرّب. ونطالب أصحاب العمل بأن يقابلوا الاختلاف بالفضول لا بالحكم المسبق، فالمهارة التي لا تظهر في مقابلة تقليدية لا تعني أنها غير موجودة.
يا بني، إن أحلامك تستحق أن يُصغى إليها بجدّية، وألا تُترك للمصادفات أو لحسن النيات الفردية. فالمستقبل لا ترسم حدوده التوقعات المسبقة، بل الفرص التي تتيح لك أن تقف خلف منصة الطهي، أو حيث تشاء من دروب الحياة، مستقلاً بنفسك.
وأتمنى أن يأتي يوم تقطّع فيه البطاطا في مطبخ يعرف اسمك، لا في مطبخنا وحده.
والدك.












0 تعليق